نقد سينمائي

في رثاء الحلم الأمريكي

 
أمير العمري
 
عن العلاقة بين التاريخ والواقع، كيف وصل الوضع الحالي في الولايات المتحدة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، إلى ما أصبح عليه، وكيف أمكن أن يتم التخلّي تدريجيا، عما كان قد تحقّق من إنجازات، وكيف تراجع الحلم الأمريكي، الذي يَعِدُ الفرد بالحرية والحياة الإنسانية الكريمة، لصالح مديري وأصحاب البنوك ووكالات المضاربات المالية والشركات العملاقة والاحتكارات؟ كيف كان ذلك "التآمر" المنظم من جانب ممثلي "أصحاب المصالح" من أجل السيطرة وتحقيق المزيد من النفوذ، وما هي الطرق والوسائل والأساليب التي لجأوا إليها، وماذا كان دور رجال السياسة والتشريع في حماية هذه "النخبة" الضئيلة المهيمنة التي تحتكر الثروة والسلطة، وكيف ساهم احتكارها في تقلُّص الحريات، وتراجع الديمقراطية بمعناها الحقيقي.
 
هذه الأسئلة وغيرها، هي ما يطرحه علينا الفيلم الوثائقي "مرثية للحلم الأمريكي" (2016) Requiem for the American Dream الذي اشترك في إخراجه ثلاثة من المخرجين الأمريكيين هم بيتر هاتشنسون وكيللي نايكس وجاريد سكوت. 
ويعتمد الفيلم في موضوعه على سلسلة من المقابلات، أجراها صناع الفيلم عبر أربع سنوات، مع المفكر وعالم اللغويات الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي، الذي عُرف منذ شبابه، كناشط سياسي، وهو يقدم في هذا الفيلم ما يمكن القول إنها "وصيته الأخيرة"، فالمقابلات المصورة معه هنا هي آخر ما سيدلي به تشومسكي البالغ من العمر 87 عاما، كما تخبرنا المعلومات المكتوبة التي تظهر في بداية الفيلم.
 
ويجب ألا يتصور القارئ أننا إزاء واحد من تلك الأفلام التي تمتلئ بالكلام المتواصل، أي بالمقابلات التقليدية التي تصبغ الكثير من هذه الأفلام، والتي تنتج أساسا لتعبئة الوقت على شاشة التليفزيون، بل نحن أمام فيلم حقيقي، يتميز بالحركة والحيوية والبناء الدقيق.
 
 
صحيح أننا نشاهد بين وقت وآخر، لقطات قريبة لوجه نعوم تشومسكي وهو يتحدث، ولكننا سرعان ما ننتقل إلى فيض من الصور واللقطات التي تم العثور عليها بجهد كبير، وضعت في نسق خاص وداخل سياق يتناسب مع الزوايا المختلفة التي يتناول منها تشومسكي "الظاهرة الأمريكية" منذ نشأة الدولة حتى اليوم وكأنه يعلق على الأحداث ويفسرها ويشرحها دون أن يتحول ما يقوله إلى تعليق صوتي "تعليمي" مباشر، فهو يتوقف أمام المراحل المختلفة بنظرة تحليلية تاريخية، بصوته الهادئ العميق، دون انفعال، ودون محاولة للسيطرة على مشاعر المشاهدين، فهو يسعى كمحاضر متمرِّس، وكمتحدث لبق ودارس جيد لتاريخ التطور الرأسمالي والسياسي في بلاده، إلى الإقناع عن طريق المنطق والحجة والأدلة والاقتباسات التي يسوقها من المفكرين وعلماء الاجتماع، كاشفا أيضا عن ذاكرة مدهشة لرجل في مثل عمره. 
 
يبدأ الفيلم بتشومسكي وهو يقول إنه رغم تدهور أحوال المجتمع الأمريكي كثيرا في ذروة الأزمة الاقتصادية الشهيرة في أواخر العشرينيات، إلا أنه كان هناك أمل في تحسُّن الأوضاع، أمل في المستقبل، وهو ما يغيب اليوم. وعلى لقطات لتمثال الحرية من زوايا مختلفة، مع حركة كاميرا دائرية، وموسيقى تنذر بالخطر، يتحدث تشومسكي عن غياب التوازن الاجتماعي بدرجة خطيرة، وهو ما نتج عن تركز الثروة في أيدي قطاع صغير للغاية، لايزيد عن 1 في المائة من المواطنين. 
ويرى تشومسكي أن خطورة هذا الوضع الاقتصادي الذي ينعكس سلبا على حياة الغالبية العظمى من المواطنين، يضر بالديمقراطية نفسها. ويضيف أن جانبا من الحلم الأمريكي، يجعل العامل البسيط يتطلع إلى تحقيق حياة كريمة، أي يضمن لأبنائه تعليما جيدا وعلاجا جيدا، ويتمتع بالسكن في منزل ملائم، ويمتلك سيارته الخاصة. ويضيف أن كل هذا قد تلاشى الآن.
 
 
تركز الثروة والسلطة
ظهور تشومسكي كمتحدث في الفيلم لا يأتي على صورة أسئلة وإجابات، فليس هناك طرف يوجه الأسئلة، لكننا نستمع مباشرة إلى ما يقوله تشومسكي على خلفية الصور التي تتداعى على الشاشة. ويتميز الفيلم بالانتقال المحسوب زمنيا بدقة من خلال التحكم في صياغة الصور عبر المونتاج، من حديث تشومسكي الذي يبدو أقرب إلى الهمسات، ولكن بلغة راسخة واثقة، إلى لقطات من الماضي أو من الحاضر، من قلب مجتمع النخبة في مانهاتن، أو من الأحياء الهامشية للطبقة العاملة في العشرينيات، من وول ستريت وشركات المال، إلى المظاهرات التي اجتاحت المدن الأمريكية في الستينيات أو في الألفية الثالثة، احتجاجا على سياسات التمييز العنصري في الماضي، أو ضد تغول الاحتكارات المالية في الزمن الأحدث. 
وإلى جانب مواد الأرشيف وهي كثيرة، يستخدم صناع الفيلم الرسوم والبيانات، ومقتطفات من المقابلات التليفزيونية السابقة مع تشومسكي، ولقطات له وهو يشارك، خلال فترات سابقة من حياته في التظاهرات وحركات الاحتجاج بل ومن داخل محاضراته في الجامعة.
 
يتطرق تشومسكي إلى قضية الديمقراطية الأمريكية، وكيف أن أصحاب المصالح من الأثرياء، أي من الأقلية المتميزة، كانوا دائما معادين للديمقراطية لأنهم لا يريدون أن يكون هناك تأثير للشعب أو للأغلبية، فالديمقراطية تضع السلطة في أيدي الناس، وبالتالي يصبح للأغلبية الشعبية قوة سياسية، تسمح بانتزاع الحقوق، وتقليص الامتيازات الهائلة التي تتمتع بها الأقلية.
 
 فكرة تشومسكي يعبر عنها تحت عنوان كبير أولي هو "تركز الثروة والسلطة"، ثم يتفرع الفيلم بعد ذلك إلى عشرة فصول يحمل كل منها عنوانا يشرح مبادئ هذا التركز، ولكنه يشير قبل ذلك إلى كيف تأسس النظام الديمقراطي الأمريكي منذ تأسيس الدولة، استنادا إلى فكرة جيمس ماديسون، الذي رأى أن النظام الأمريكي يجب أن يقوم على أساس تركز الثروة في أيدي الأثرياء، كما وضعت المسؤولية حسب النظام الانتخابي في أيدي أعضاء الكونجرس الذين كان يتم تعيينهم - وليس انتخابهم - من بين الأثرياء. وكان مبدأ ماديسون الذي أُخذ في الاعتبار في تشكيل النظام السياسي، يقوم على ضرورة حماية الأقلية من الأغلبية. وتتقاطع كلمات تشومسكي مع وثائق ومخطوطات من تلك الفترة التأسيسية، كما يستخدم المخرجون الكثير من تصميمات الجرافيكس والرسوم المتحركة لتقريب الأفكار واللوحات الفنية، وهو أسلوب يتكرر عبر الفيلم. 
 
من المدهش أن نعرف أن أرسطو سبق أن ناقش في كتابه "السياسة" نفس المشكلة التي ناقشها ماديسون - كما يخبرنا تشومسكي - لكنه اقترح بالنسبة لديمقراطية أثينا، أن تقدم الدولة الدعم للفقراء لكي تضمن صمتهم على ما تتمتع به طبقة النبلاء من امتيازات، وهي نفس فكرة الإعانات الحكومية المعمول بها في كثير من الدول حاليا. 
 
في الفصل الأول نعود إلى الستينيات التي يعتقد تشومسكي أنها كانت حقبة التغيير الحقيقي أو الإصلاح الذي لحق بالكثير من المستقرات في السياسة الأمريكية بسبب بروز حركة الحقوق المدنية والحركة النسائية ونمو الوعي السياسي بدور التجمعات الشبابية والجماهيرية، وهو ما شكل ضغطا على المؤسسة الحاكمة، فقدمت إدارة الرئيس نيكسون (الجمهوري) تنازلات وإصلاحات يراها تشومسكي بالمقارنة، أفضل كثيرا مما فعل كارتر وأوباما وبالطبع، ريجان وبوش، الذين سيستعرض تشومسكي فيما بعد دورهم في تكريس قبضة شريحة الاحتكارات المالية وحمايتها ودعمها باستخدام أموال دافعي الضرائب بعد ظهور ما يسميه "جماعات الضغط" السياسي والاقتصادي في السبعينيات، التي عملت على دفع الحكومة لإصدار تشريعات تقلص من سلطة نقابات العمال إلى أن تلاشى وجودها في معظم القطاعات، وتقول الإحصاءات في الفيلم إن نسبة القطاعات التي مازال لديها نقابات لا تزيد عن 7 في المائة، وأن الولايات المتحدة من بين الدول القليلة في العالم التي رفضت التوقيع على الاتفاقية الدولية التي تتعلق بتنظيم وضمان نشاطات الاتحادات والنقابات العمالية. 
 
 
الدولار يسود
يُفتتح كل فصل من الفصول العشرة في الفيلم، بلقطة من رسوم الجرافيك المتحركة تتغير مكوناتها في كل مرة، أساسها التلاعب بورقة الدولار الأمريكي، وبصورة جورج واشنطن التي تظهر فوقها، تارة نراه يشير بيده، أو يمسك بمطرقة ضخمة يطرق بها، أو يفتح لنا بابا، أو يتطلع في سخرية وتهكم، بينما نرى ورقة الدولار نفسها تتفتت وتنقسم وتتخذ أشكالا فنية متغيرة متباينة في تكوينات ساخرة.
يقول تشومسكي في الفيلم، إن الديمقراطية الأمريكية هي الديمقراطية الوحيدة في العالم التي ظهر فيها تعبير "النشاط المعادي" أو "المناهض لأمريكا" Anti -American لوصف نشاط المعارضين للسياسات الرسمية، وهو ما جعلهم يصنفون كأعداء للشعب، أي خونة.
 
وبينما لعبت التشريعات التي نتجت عن نمو الحركات الجماهيرية والعمالية في الخمسينيات والستينيات دورا كبيرا في صدور تشريعات بتحجيم نشاط البنوك، وتحديد كيفية عملها، أصبح الأمر تدريجيا منذ ولاية الرئيس كارتر ثم ريجان من بعده وحتى اليوم، يضمن أن تقدم الدولة دعما هائلا للبنوك عندما تتعرض لكوارث مالية، وقد وصلت قيمة هذا الدعم في وقت ما إلى سبعة مليارات ونصف مليار دولار من أموال دافعي الضرائب إلى البنوك.
وأصبحت البنوك كلما تعرضت لهزة اقتصادية ضربت البلاد كلها كما يحدث بالفعل كل عدة سنوات، تحصل على "حزمة" إنقاذ مالية على حساب دافعي الضرائب.
 
الليبرالية الجديدة
جوهر فكرة تشومسكي أن الوضع الحالي الذي تعيشه الولايات المتحدة يتجاوز كثيرا كل الضوابط التي وضعها أحد مؤسسي النظام الرأسمالي وهو آدم سميث، لكي يستمر المجتمع في الإنتاج والنمو، فقد أصبح الإنتاج الصناعي للمعدات والسلع الاستراتيجية هامشيا، وأصبح النشاط المالي أي المضاربات وسياسات الإقراض هي الأساس، وهي لا تضيف شيئا حقيقيا ولا تخلق فرص عمل للمواطنين، وبالتالي أصبح الجتمع يعاني من وجود قطاعات كبيرة محرومة، يمكن أن تصحو ذات يوم لتجد نفسها مطرودة من أعمالها ومن منازلها بسبب عجزها عن تسديد القروض الباهظة التكاليف. 
 
وفي فصل طريف يتوقف تشومسكي أمام ظاهرة الإعلانات التجارية وكيف نشأت وتطورت، فبعد أن كانت تصف بصدق للمستهلك السلعة التي تريد بيعها له، أصبحت تبيع الوهم عن طريق المبالغة الشديدة في قيمة السلعة وإضفاء ملامح خيالية عليها، كما تشجع على استهلاك الكثير من السلع التي لا قيمة لها، عن طريق تصوير آثارها السحرية الكاذبة (مساحيق إعادة الشباب إلى وجوه النساء مثلا)، بل وأصبحت الإعلانات تتدخل حتى في لعبة الانتخابات الرئاسية، ويقول تشومسكي إن أوباما حصل على جائزة من أحد أكبر تجمع احتكاري للإعلانات باعتباره نجم الحملة الانتخابية التي وظفت في خدمة الإعلانات، كما يكشف أن المنافسة بين المرشحين لا تطرح خلالها برامج انتخابية واضحة لخدمة الناس، بل أفكار تخضع عادة لهوى أصحاب الأموال التي تصب في الحملات الانتخابية. وهذه إحدى الأفكار الجديدة التي يشرحها تشومسكي في الفيلم بشكل منهجي مدعومة بالطبع، بالكثير من الصور واللقطات الحية.
 
ما يخلص إليه تشومسكي أن النظام القائم حاليا يتركز، ليس في الرأسمالية كما عرفها آدم سميث وغيره، بل في فلسفة الليبراليين الجدد الذين لا يهمهم بناء مجتمع يتمتع بقدر من التوازن والقدرة على الاستمرار في الإنتاج بل مواصلة دعم أفكار التحكم في المستهلك، والتلاعب به، وبيع الوهم له، وزيادة تركز الثروة في أيدي القلة المحظوظة التي لا تخشى شيئا بعد أن أصبحت محصنة بترسانة من التشريعات تحميها. 
هذا فيلم وثائقي من تلك الأفلام النادرة التي تسعى إلى التنوير، دون ضجيج أو مبالغات، بل من خلال القراءة القريبة لعقل تشومسكي الذي يطلق عليه صناع الفيلم "أكثر المثقفين تأثيرا في عصرنا". وهو إلى جانب ما يحققه من متعة عقلية فإنه يحقق أيضا متعة بصرية، وبلاغة صوتية من خلال شريط صوت أثراه المؤلف الموسيقي الشاب الموهوب مالكولم فرانسيس.
 
 
 

قد ينال إعجابكم