نقد سينمائي

قصة أسرع شخص في العالم يركض بساق واحدة!

عدنان حسين أحمد

ثمة أفلام تعْلَق في ذاكرة المُشاهد ولا تغادرها بأي حالٍ من الأحوال ليس لأنها جيدة أو ناجحة فنيًا حسب، وإنما لأنها مُلهِمة للذهن والروح في آنٍ معا. وفيلم "النموذج المثالي" Paragon للمخرج البريطاني مات أوين هو من نمط هذه الأفلام المتفردة التي يتعاطف معها المتلقي إلى درجة التماهي، تمامًا كما حصل مع الكوماندوز البحري أندي غرانت الذي فقدَ ساقه اليمنى بعبوة ناسفة في مدينة "سنكَين" التابعة لولاية "هلمند" في أفغانستان. هذه هي خُلاصة القصة السينمائية التي تعاطى معها المخرج مات أوين ليخلق "نموذجه المثالي" الذي ينبغي أن يُقتدى بها من قِبل الجنود اليافعين الذي يتعرّضون لهذا النوع من المِحن والمصائب الشخصية التي قد تُفضي بهم، في الأعمّ الأغلب، إلى الانهيار العصبي، أو الكآبة المُزمنة، أو اليأس المُطلق.

لم يبنِ المخرج قصته السينمائية على شخصية "أندي" وإن كانت محورية لا ينازعها أحد على دور البطولة وإنما اعتمد على شخصيات مؤازرة غالبيتهم من النجوم المعروفين محليًا وعالميًا مثل لاعب كرة القدم المشهور مثل جيمس كراغار، ولاعب البلياردو روني أوسيلفيان الذي فاز ببطولة العالم خمس مرات، ولاعب الرغبي الويلزي المعروف سكوت كوينيل وجميعهم كانوا يشجعونه، ويرفعون من سقف معنوياته التي أوشكت أن تنهار في لحظة من لحظات الضعف والكآبة والقنوط. وبموازاة هذه الشخصية المحورية التي تعرّضت للبتر والإعاقة الشديدة التي تغلّب عليها بشكل تدريجي بفعل التأهيل الطبي والنفسي والرياضي، قدّم لنا المخرج شخصية برادلي كليف الذي يرفض تعبير "المُعاق" لأنه يستدعي الجوانب السلبية فقط، ولعله لم يقتنع أيضًا بتوصيف "ذوي الاحتياجات الخاصة" وكنّا نراه يتدرب يوميًا على رفع الأثقال ليحقق النتيجة الكبيرة التي أجلّها المخرج حتى نهاية الفيلم لما تنطوي عليه من مفاجأة لا تقل أهمية عمّا حققهُ أندي غرانت من رقم قياسي عالمي جديد. الفيلم يستكشف العائلة، والمدينة البريطانية، وساحة الحرب الأفغانية، ويأخذنا المخرج في أمكنة عديدة كالحدائق، والملاعب، والطرق، والمستشفيات، وصالات الأندية الرياضية وما إلى ذلك ليعيد المخرج صياغة القصة بالطريقة التي يراها مناسبة لتعزيز رؤيته الإخراجية التي تتوافق مع الهدف الرئيس لهذا الفيلم المؤثر الذي يعيد الاعتبار للشخصيات التي انتكست لكنها وقفت على أقدامها من جديد واندفعت بكل قوة لتخوض معترك الحياة من جديد محطِّمة أرقامًا قياسية كي تخلّدها وتمحو الذكريات المؤلمة التي وقعت في ماضٍ لم يمت كليًا لكنه أصبح بعيدًا بعض الشيء أو غطّته الانتصارات الجديدة التي صنعتها شخصيات نموذجية باتت مصدر إلهام للجميع.

على اليمين (روني أوسوليفان) بطل العالم في الركض ومؤلف كتاب (Running) بصُحبة (آندي غرانت)

فقدَ أندي غرانت والدته الشابّة "جوان" وهو في سن الثانية عشرة حيث فارقت الحياة متأثرة بسرطان الدم وهي لم تجتز عامها السادس والثلاثين بعد مُخلّفة وراءها أندي وشقيقتيه ميغان وهانا فضلاً عن زوجها الأرمل الذي يحمل اسم أندي أيضًا. منذ صغره كان أندي يسعى لإرضاء والديه وأن يكون مبعث فخر وأعتزاز لكليهما، فلا غرابة أن ينخرط في سلك البحرية الملكية البريطانية وهو سن السابعة عشرة من عمره حيث أمضى فترة التدريب قبل أن يذهب إلى العراق المكتوي بنار الطائفية ويتجه من هناك إلى مدينة "سنكَين" الأفغانية التي يناصر غالبية أبنائها البشتونيين حركة طالبان وقد كبّدوا البحرية الملكية البريطانية 100 قتيل خلال سنة واحدة من أصل 312 جندي بريطاني سقطوا منذ بدء الحرب على أفغانستان قبل أن ينسحبوا منها عام 2010 بعد أن سلّموا مواقعهم للجيش الأميركي. 

لم يُعنَ المخرج بقتلى المعارك والاشتباكات النارية، وإنما انصبّ تركيزه على ضحايا العبوات الناسفة، بل لعله بنى الفيلم برمته على عبوتين ناسفتين سمع أندي دويّهما بعد أن تعثّر بسلك التفجير الذي لم يرهُ في الدورية الليلية. وحينما أفاق من صدمته شعر بأن أمرًا جسيمًا قد وقع له بينما كان صديقه،جيمس سميث، وهو شأحد الكوادر الطبية يحاول إسعافه بواسطة مرقأة لإيقاف النزيف الحاد الذي تدفّق من جروحه المتعددة التي غطّت كل جسده، إذ فقدَ ستة إنجات من قدمه اليمنى، كما خسرَ قطعة كبيرة من ظاهر فخذه الأيمن. وكان الشيء الوحيد الذي يردِّدهُ بعد الصدمة هي جملته المذعورة:"أمازلتُ أحتفظ بساقيّ؟". نُقِل أندي بظائرة سمتية إلى قاعدة باستيون العسكرية حيث أُجريت له عملية سريعة قبل أن يُنقل إلى مستشفى سيلي أوك في برمنكَهام.

صورة لآندي في أفغانستان عندما كان جندياً في البحرية

وافقَ أندي على بتر ساقه المعطوبة بعد أن يئِسَ من شفائها حيث تمّ قطع الجزء المتضرر منها عام 2010 وأُحيل على التقاعد إثر هذه العملية التي أفضت به إلى الانكفاء في منزله لكن كلبه كان سببًا في انتشاله من هذه العزلة حيث يخرج كل صباح لتمشية الكلب، ثم تحوّل المشي إلى رياضة ركض منتظمة طوّرت قابليته الجسدية في قطع مسافات طويلة بساق اصطناعية.

لم يترك مخرج الفيلم شاردة أو واردة في حياة أندي إلاّ وسلّط عليها الضوء مستفيدًا منها في تعزيز إرادة بطله ولعله أراد الإشارة إلى أن أفراد العائلة المالكة يشاركون الناس أفراحهم وأتراحهم اليومية، فلقد حصل أندي على ميداليتين ذهبتين في ألعاب إنفيكتوس التي أنشأها الأمير هاري وهي مخصصة للمعاقين من جرحى القوات المسلحة. وبما أن المسافة المتاحة في هذا السباق كانت 400م فعليه أن يبحث على تحديات كبيرة تتناسب مع مؤهلاته الجديدة التي اكتسبها بالدربة والمران المتواصلين.

ونتيجة لبحثه الدؤوب في الإنترنيت اكتشف أندي أن مواطنًا كنديًا فقد ساقه في حادث سيارة لكنه لم يسقط في خانق اليأس وإنما حقق رقمًا قياسيًا عالميًا في قطع مسافة 10كم بـ 37 دقيقة و 53 ثانية مُحرزًا لقب أسرع شخص يركض بساق واحدة! فجأة، قرر أندي أن يحطِّم هذا الرقم العالمي ويسجِّل باسمه رقمًا قياسيًا جديدًا ينتسب إليه كي يكون قُدوَة للآخرين. وبعد تدريب شاق لمدة ستة أشهر وبإشراف توني كلارك، مدرب من ليفربول فاز أندي في السباق مُحققًا رقمًا قياسيًا جديدًا هو 37 دقيقة و 17 ثانية، أي أقل من الرقم القياسي السابق بـ 36 ثانية.

أندي غرانت لحظة وصوله لخط النهاية في سباق 10 كيلومتر عند الدقيقة 37:17

ما يريده المخرج هو أن ينشغل الناس بهذا الإنجاز الرياضي العالمي الذي يُحسب له ألف حساب، وأن يضع الآخرون الأخبار المُثبطة كالقتل والإصابة والإعاقة جانبًا ليدفعوا الضحايا إلى دائرة الأمل، والحُب، والعمل من جديد. فأندي الذي كان كئيبًا، ومعزولاً قد عاد للحياة من جديد. وها هو يتدرب الآن لتحطيم الرقم القياسي للعدّائين المُعاقين لمسافة 5كم في هذا العام وربما يكون أيضًا أسرع متسابق يركض بساق واحدة.

عودًا على شخصية برادلي كليف الذي كان يتدرّب بدأبٍ وإصرار كبيرين فقد أصبح أقوى رجل في بريطانيا ضمن تصنيف الناس الذين يعانون من الشلل الدماغي وهو نموذج مثالي آخر يجب الاقتداء به لأنه يشجع أقرانه من ذوي الاحتياجات الخاصة على الانتقال من حالة اليأس إلى دائرة الأمل المُبهجة.

لا يحتفي المخرج مات أوين بهيمنة فكرة الإلهام فقط على الرغم من أهميتها الكبيرة وإنما يعوّل على تقنيات السيناريو، والتصوير، والمعالجة الفكرية، والمونتاج السلس بغية الوصول إلى اللقطة المُبهرة، والمشهد الجمالي الذي يعْلق في ذاكرة المتلقي، ويُثري خزينه البصري. فالمصوّر المُرهف نِك ستيوارت كان يُغري عين المشاهد الحسّاسة لأن تسترق النظر إلى البيئة المحيطة بالشخصيات التي تروي قصة الفيلم فتنجذب إلى النهر، والباخرة، والملعب، والأيكة، والبساط الأخضر في ليفربول وسواها من المدن البريطانية.

 

 

 

 

قد ينال إعجابكم