نقد سينمائي

قِيامة حلب

 
محمد موسى
 
مع إعلان النظام السوري أخيراً عن استعادة شرق مدينة حلب من مُسلحِّي المعارضة بعد حملة عسكرية وحشية تثير غضباً واشمئزازاً واسعين حوال العالم، تستعيد قنوات تلفزيونية غربية الأفلام التسجيلية القصيرة التي نجحت في إنجازها من شرق المدينة في الشهرين الأخيرين، لتعيد عرضها ضمن وسائطها المتنوعة. تُذكِّر هذه الأفلام من جهة بالأثمان الباهظة التي يدفعها المدنيين العزّل والخراب الهائل الذي لحق بالمدينة السورية، ومن الجهة الأخرى بالمخاطر الجمَّة والطرق الطويلة والمتشعبّة الذي يتوجب على القنوات التلفزيونية قطعها أحياناً للحصول على صور غير متحكم بها من مناطق الحرب السورية والتي تُعدّ اليوم الأخطر في العالم على الإعلاميين.
 
واجه القسم الإخباري في التلفزيون الهولندي الحكومي في خططه لتغطية الحرب السورية التحديات ذاتها التي صادفت محطات إخبارية غربية عديدة: التعاطي مع واقع معقد وشديد الخطورة على الإعلاميين، والذي دفع الكثير من القنوات الأوروبية للتوقف عن إرسال صحفييها إلى سورية. بيد أن هذه الظروف لم تُوقف محطات غربية جديّة تشعر بمسؤوليتها الإعلامية تجاه نقل ما يجري في البلد، فحاولت هذه القنوات رصد المشهد السوري من خلال دول عربية مجاورة لسورية، عبر إرسال مراسلين إلى بيروت مثلاً، المدينة التي تحولت ولعوامل عديدة إلى مركز الإعلام الغربي الذي يريد أن يواصل مراقبة ونقل أخبار الحرب السورية.
 
تغطية الحدث السوري عن بُعد واعتماد وسائل إعلام غربية على ناشطين ومدنيين عاديين لنقل ما يجري على الأرض كان له تحدياته الخاصة، أهمها إيجاد الآلية السليمة لتدقيق الصور والمعلومات الآتية من سورية، لتجنب الوقوع في فخاخ الدعايات السياسية للأطراف المتنازعة، كما أن هذه المعلومات التي تصل من سورية وعلى الرغم من وفرتها والتي تعكس أثر التكنولوجيا الرخيصة اليوم في تسجيل ما حولنا، إلا أن هذه المعلومات تبقى قاصرة وتخضع لمزاجات وأهواء صانعيها، في حين يبحث الإعلام المحايد عن نقل صورة واسعة غير منحازة، كما يجتهد هذا الإعلام كثيراً لنقل أزمات ومآسي أقليات ومجموعات صغيرة منسيّة من البشر.
 
 
طبيب حلب
ومن الأعمال التسجيلية القصيرة عن الحرب السورية والتي عرضها التلفزيون الحكومي الهولندي في الشهر الماضي ووفرّتها مواقعه الإلكترونية لمشاهديها أخيراً على الإنترنت، فيلم "يوميات من حلب"، وهو تسجيل ليوميات طبيب يعمل في مستشفى شرق حلب خلال أسبوع من المعارك المتواصلة والقصف المكثف على ذلك الجزء من المدينة. لم يرغب الطبيب أن يكشف عن هويته فأطلق على نفسه اسم " أبو وسيم"، لكنه عدا ذلك سيفتح نافذة على عالمه وعلى ما يجري في المدينة، التي يقيس الفيلم عنفها على ما يصل من جرحى من أبنائها إلى المستشفى الذي يعمل فيه الطبيب السوري.
 
بهاتفه المحمول الصغير يصور الطبيب أياماً من عمله في مستشفى تحولت هي ذاتها إلى هدف لضربات جوية. يبدأ الفيلم بالطبيب وهو ينقل للكاميرا أن بيت الأطباء والطبيبات تعرّض بدوره إلى قصف جوي ودُمر بعضه، ليصور بعدها الطبيب ما يراه أمامه، ومنها مشاهد مُروعّة من داخل المستشفى للخوف والفوضى الذين يضربان يوميات الناس هناك. يُظهر مشهد في الفيلم الطبيب وهو يدخل إلى غرفة مرضى ويطلب من الموجودين فيها الخروج مباشرة خوفاً على سلامتهم بعد أن اقترب القصف من المستشفى. بدت الحيرة واضحة على مرافقي مريض الغرفة، فيما ضاع وجه المريض نفسه في ضمادات غطتها الدماء.
 
قبل أن ينتهي الأسبوع الذي كان يسجلّه "أبو وسام"، اتصل الأخير بمشهد حميمي عبر الإنترنت بابنتيه الصغيرتين، لن نعرف أين تعيش الفتاتين الصغيرتين، لكن الطبيب السوري سيكشف أنه لم يرَ ابنتيه منذ خمسة أشهر. هو أيضاً لم يخرج من جدران المستشفى منذ أيام طويلة، لذلك عندما سيجلس مع زملاء له تحت شمس شتوية في استراحة قصيرة بين المعارك، سيغلق عينيه، ويبدو وكأنه يحلم بعيداً عن خراب المدينة المحيط به، وهو الخراب الذي ينهش في قلبه رغم ملامحه المتماسكة، إذ اعترف في أحد مشاهد الفيلم البليغة بأنه وزملائه الأطباء يهربون أحياناً إلى غرفهم ليبكوا وحيدين ما يمرّ عليهم كل يوم من فواجع تفوق الوصف في وحشيتها.
 
 
أصحاب الخوذ البيضاء
ينتقي الفيلم التسجيلي "الخوذ البيضاء" صوراً من يوميات المنظمة الطبية الخيرية في حلب من الأشهر الأخيرة والتي وثقّها متطوعين، وحوارات مع مسؤولين من المنظمة الدولية التي ولدت مع الأزمة السورية وتدار اليوم من مدينة إسطنبول التركية (كادت أن تحصل العام الماضي على جائزة نوبل للسلام). يركز الفيلم على أحد متطوعِّي المنظمة واسمه محمد علي. هو عامل بناء تحدّث بإصرار عن تمسكّه بالبقاء في مدينته، وأن عمله مع المنظمة هو الطريق الذي اختاره لحياته. "محمد علي" مثله مثل المئات من المتطوعين في المنظمة، وجد في العمل التطوعي، الانشغال الأخلاقي الذي يحميه من الانجراف مع أيِّ من الأطراف المتنازعة في سورية.
 
يتشكل الفيلم القصير من مشاهد مُرعبة، كالذي يُظهر استخراج طفلة صغيرة من تحت أنقاض بناية دُمرّت للتو، فيما كان المُعلّق في الخلفية يشرح أن الطفلة التي أُنقذت ستكون وحيدة في هذا العالم بعد أن قَتل الإنفجار جميع أفراد عائلتها. وهناك مشاهد المدينة المنكوبة الموحشة، والتي كان يقطع سكونها انفجارات وصفارات سيارات إسعاف. كما يخصص الفيلم مساحة لشخصيته الرئيسية، فيرافقه حيث يبيت في بناية مهدمة، وسيكون معه عندما يمرّ في حيّ يلعب أطفاله في الخارج، وتعلو ضحكاتهم وصراخهم الأليف رغم الدمار المحيط بهم.
 
وإذا كان نصف الفيلم تقريباً يبدو وكأنه تحية صافية تقترب من الدعائية لمنظمة "الخوذ البيضاء"،فالنصف الآخر من الفيلم يفتح قضية حسّاسة عما يُشاع عن تعاون أعضاء المنظمة مع فصائل المعارضة السورية المتطرفة، وهو الأمر الذي سينفيه مؤسِّس المنظمة البريطاني "جيمس لو ميسوري"، الذي أكدّ أن منظمته تأخذ مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع في سورية، وأنها عالجت مسلحِّين من كل الأصناف، ومنهم تابعين للنظام السوري نفسه، وأكد "ميسوري" أن المنظمة ساعدت حوالي 72,000 حالة طبية في سورية منذ بدأ عملها، وأن العنف في سورية جعلها تخسر واحداً من كل ستة متطوعين فيها.
 
لا تنحصر مُهمة القنوات الغربية بإصلاح المشاكل التقنية الموجودة في المواد الصورية التي تصلها، وتنقصها في الغالب الاحترافية سواء على مستوى الصوت أو الصورة، إذ أن القنوات التي تربط هذه المواد ببعضها ضمن بناءات مشوقة ومتماسكة، تبحث أيضاً عن الجماليات الشكليّة حتى ضمن الأفلام التي تصوَّر بعجالة بالهواتف المحمولة، وترفع وتحتفي بهذا الجمال الذي يختبيء دائماً في مكان ما في هذه المواد الصورية الصادقة. كالمشهد الذي يظهر أشعة الشمس وهي تغرق الطبيب ورفاقه الذين فتحوا باب المستشفى في فيلم "يوميات من حلب". صورت تلك المشاهد بدون مرشح ضوئي وكما هو المعتاد في التصوير السينمائي، لتبدو الشخصيات وكأنها  كانت تنتظر أشعة الشمس تلك لتغمرها وتطهرها بعد أن اختبأت طويلاً في غرف مظلمة خوفاً من ضربات جوية لا ترحم أحد.
 
 
 

قد ينال إعجابكم

متابعات

سوريا.. على حافة الحياة

معظم الأعمال التسجيلية السورية لاتزال تحافظ على طزاجة موضوعية وفنيّة، ولم تسقط إلى اليوم في التكرار، وتصل إلى الجمهور...