نقد سينمائي

كوريا الشمالية عبر بوابة الاغتيال!

قيس قاسم

لم يشفع للزعيم اعترافه ببنوة نجله اجتذابه لدائرة الحكم

من جريمة قتل الأخ غير الشقيق للرئيس الكوري الشمالي "كيم جونغ ـ نام"  في مطار كوالالمبور أواسط شهر فبراير/ شباط هذا العام، يدخل الوثائقي البريطاني إلى كوريا الشمالية؛ الدولة المغلقة ويسبر أعماق صراعاتها الداخلية، مستغلاً الحدث للبناء عليه وتشييد معمار نص لا يكتفي باستقصاء تفاصيل عملية الاغتيال بل العمل على تحليل البنية الفكرية والسياسية لدولة باتت تشكل تهديداً جدياً للعالم ما يبرر توسيع مساحة عرضه للمشهد السياسي/ التاريخي الكوري وصولاً إلى كشف جوانب من علاقات قادته الملتبسة مع جيرانهم وقدرتهم، رغم كل ما يعرف عنهم من تصلب وعناد ظاهري، على فتح خطوط سرية يتواصلون عبرها، حتى مع أشد القوى المعلنة مخاصمتهم.

بهذا تكون المخرجة "جين مكمولين" قد لاءمت بدرجات كبيرة فيلمها North Korea: Murder in the Family، مع اشتراطات منتجه؛ بي بي سي (هيئة الإذاعة البريطانية) والمعروفة بقوة أعمالها الوثائقية، وقدرتها، حتى في الحالات التي يصعب عليها الدخول المباشر من أبواب المنطقة المراد استكشافها، على المرور إليها، عبر نوافذ المعلومات الدقيقة المتعلقة بها، والاستئناس بآراء الخبراء والمحللين السياسيين والمخابراتيين وبالصحفيين والشهود القريبين من الحدث المراد تناوله إلى جانب توفره على خامات فيلمية وأرشيفية تعزز "المخيال السينمائي" فيه بدلالات قوة شده للمُشاهد وتشويقه لمتابعه نصه البصري الرائع الجامع بين "التحقيق البوليسي" والتحليل العميق لحدث يفسر بدوره تداعيات سياسية آنية ويمنح متلقيه كماً كبيراً من المعلومات والحقائق المذهلة عن بلد تعمد إحاطة نفسه بهالة من الغموض والسرية فجاء كمحاولة لفهم سلوك قادته وغرائبية تصرفاتهم وإجلاء التناقض الصارخ بين مستويات عيشهم وبين ما يعلنونه من مبادىء "اشتراكية"، يفسر اغتيال شخص مهم من طبقتها الحاكمة بعض جوانبها أو هذا على الأقل ما حاول الوثائقي تحقيقه عبر مساره السردي، الذي انطلق من عرض تسجيلات للّحظة التي تم فيها تصفيته على يد امرأتين أجنبيتين، ستُظهر التحقيقات لاحقاً وجود أيد خفية وراءهن وعقول مخابراتية خططت وتركت عملية التنفيذ "مواربة" مدعاة للحيرة!؟.

فجرت عملية الاغتيال أزمة بين كوريا الشمالية وماليزيا

كاميرات المطار تخبرنا أنه: في الثالث عشر من فبراير دخل رجل كوري شمالي ضخم الجثة إلى القاعة الكبيرة وأثناء إتمامه عملية التسجيل الروتينية اقتربت منه امرأة وحاصرته فيما جاءت ثانية ووضعت على فمة كمامة من القماش. العملية تمت خلال ثوان معدودات. الامرأتان هربتا والرجل توجه إلى شرطة المطار واشتكى لهم ما جرى له، بعد لحظات بدأ جسمه يتهاوى فتم نقله إلى مستوصف المطار وهناك توقف جسده عن الحراك تماماً!. اسم الرجل في جواز سفره "كيم شول" لكن صورته المنشورة في الصحف والمعروضة على الشاشات تقول إنه؛ ابن الرئيس الكوري الراحل "كيم جونغ إيل" والأخ غير الشقيق للرئيس الحالي "كيم جونغ اون". المقربون منه تعرفوا عليه والصحافة الماليزية دخلت على خط الحدث بسرعة والوثائقي بدوره وعلى رغم آنية الحدث سيحيط متابعه بكل تفاصيل اللحظات الأولى لعملية الاغتيال وإلقاء الشرطة القبض بعد مدة قصيرة على منفذيها. التسجيلات سهلت عمل الشرطة لكنها عقدت الأمر على الصحفيين وعلى صناع الوثائقي، الذين أرادوا الذهاب إلى أبعد منها؛ إلى معرفة دوافع الاغتيال وطبيعة شخصية القتيل؟.

يراجع الوثائقي تاريخه الشخصي ويقدمه كابن للزعيم "جونغ إيل" من خارج الدائرة الزوجية. لم يعترف به أول الأمر فنشأ الطفل مع والدته، الممثلة المشهورة، وعاش حياة مترفة. في سن مراهقته أرسلته والدته للدراسة في سويسرا وهناك يتابع الوثائقي وجوده من خلال مجموعة من أصدقاء دراسته، توقفوا عند ثرائه وامتلاكه كاميرا فيديو يسجل فيها يومياته وركوبه سيارة فارهة يقودها بـ"رخصة مزورة" وقدم نفسه لهم باسم "لي" حتى لا يعرف أحد اسمه الحقيقي. بعد سنوات سيستدعيه الزعيم إلى كوريا ويعلن أبوته له. شرعية وجوده مهدت لتولي السلطة بعد موت أبيه، لكنه كان ميالاً إلى حياة الصخب والليل فأبعده والده إلى خارج حدود دولته وحين جاءت لحظة مغادرته الحياة أعلن خلافة حكمه للابن الأصغر "جونغ أون" ليحكم البلاد بعده وبنفس أسلوبه القمعي.

خصاله وطريقة حكمه يمر عليها الوثائقي سريعاً لكنه يتوقف عند ميله إلى حسم صراعاته بالعنف والقوة. صفى كل "الحرس القديم" وقتل عمه وزير الدفاع وركز على بناء منظومة صواريخ نووية وفي عهده تكرست تقاليد الحكم الديكتاتوري العسكري، فيما كان الأخ غير الشقيق يقيم في الصين ويتنقل منها إلى ماليزيا دون أن يعلن موقفاً مما يجري. سيتنقل الوثائقي البريطاني بين متابعة التحقيقات في جريمة اغتياله وبين سيرة حياته وارتباطها بالمؤسسة السياسية لكوريا الشمالية. يتضح من شهادات المقربين أنه كان يقيم شبكة علاقات دولية واسعة ويمتلك أموالاً طائلة قسم منها ينفقها في النوادي الليلة والقسم الآخر ينقله إلى بلاده عبر وسائل سرية.

استغرق الأمر زمنا قبل أن يعترف الزعيم الراحل لكوريا الشمالية كيم جونغ إيل بأبوته لكيم جونغ ـ نام

أما منفذتا العملية فسيظهر أنهما قامتا بها بدافع الحاجة إلى المال ودون إدراك لطبيعة المهمة ومخاطرها. الأولى إندونسية والثانية فيتنامية. ستظهر التحقيقات أنهما كانتا موضع مراقبة عملاء كوريين شماليين أثناء تنفيذهما الخطة وأن الجميع قد خرج من المطار لحظتها حتى لا يتركوا أثراً وراءهم. الغريب أن الجهة المنفذة كانت على دراية بوجود الكاميرات ومع هذا طلبوا من عملائهم التحرك بوضوح. يُحيل المحللون السبب إلى؛ رغبة الزعيم الشاب في توصيل تهديد واضح إلى خصومه وبأنه لن يتردد في تصفيتهم كما يصفي أخاه الآن. وصلت الرسالة لكن تبعات فعل الاغتيال ستثير أسئلة ومشاكل مع ماليزيا وغيرها من البلدان؟ يترك الوثائقي الإجابة عنها ليتابع رسم صورة كاملة للقتيل. أوكلت إليه، كما يكشف منجز "جين مكمولين" الرائع والمثير للإعجاب، مهمة إقامة مشاريع تجارية، أرباحها تذهب مباشرة إلى جيوب العائلة وأيضا توفر كل ما يحتاجه أخوه لبناء ترسانته النووية.

لقد نجح في تأمين الكثير منها وضخ ملايين الدولارات إلى البلاد وهذا يفسر بدوره سر صمته وسكوت أخيه عن فضائحه الأخلاقية، لكن ثمة أمرا خطيرا كان يجري في السر، أعلن عنه صحفي ياباني أثناء نشره المراسلات الشخصية التي كانت تجري بينه وبين "نام" وكيف كان يعبر فيها الأخير عن سخطه من طريقة أخيه في ادارة شؤون البلاد وميله للعنف على غير ما كان يريده شخصياً. يتضح أيضاً انفتاحه ورغبته في إقامة دولة عصرية ديمقراطية خارج التقاليد القديمة، التي أدت إلى مجاعات وأزمات سياسية مع العالم الخارجي، خسرت بسببها البلاد كثيراً. تحركه وتذمره وصل إلى العاصمة بيونج يانج ويبدو أن قرار تصفيته قد صدر من أعلى هيئة قيادية فيها وبعلم أخيه وموافقته.

يراجع الوثائقي تاريخه الشخصي ويقدمه كابن للزعيم "جونغ إيل" من خارج الدائرة الزوجية

سيترك موته تداعيات ومشاكل مع ماليزيا التي أصرت على إتمام التحقيق لكنها وفي لحظة وافقت على التكتم حوله بعد عرض الجارة الكورية صفقة بموجبها يتم إطلاق سراح أسرى من عملائها مقابل إطلاق سراح المشكوك بهم في اغتيال "نام" باستثناء الأجنبيتين طبعاً، فمنذ البداية أريد لهما أن تكونا "كبش فداء". من أغرب ما يتوصل إليه الوثائقي؛ حجم واتساع شبكة المصالح المشتركة بين كوريا الشمالية والغرب وأن ما قام به القتيل كان بمثابة تواصل طبيعي لنهج قديم لم ينقطع. فمصالح الشركات الغربية لا تتصادم ولا تتعارض مع توجهات كوريا في الحصول على المعدات النووية وإقامة المشاريع والصفقات التجارية "السرية" معها. كل ما يقال عن تزمت كوريا يبدو هشاً وغير واقعي وكل ما يقال عن حماقات قادتها سيحيطه الوثائقي بهالة من الشك.

المشكلة الوحيدة هي ديكتاتورية "جونغ أون" وليس ما يقدمه من عروض مغرية!. موت الأخ غير الشقيق لم يغيّر شيئاً، لكنه يكشف عن خطط سرية ربما كان للغرب يد فيها وهو ما أثار مخاوف الرئيس على سلطته. فالقتيل بدأ قبل مدة قصيرة من اغتياله بتشكيل لوبي معارض وخطط للإعلان عن حكومة منفى يؤيدها الغرب، وقبل إعلانها تقدم الأخ الأصغر و"بتر" رقبتها، غير عابىء بخسارات كبيرة متوقعة مع جارته ماليزيا، منفذه إلى العالم الخارجي وساحة عملياته التجارية الواسعة. الحسابات تميل إلى رجحان تفضيله قتل من يهدد سلطته على حساب علاقات يعرف مسبقا إمكانية إعادتها وفق تبادل مشترك للمصالح.

في التفاصيل يقدم منجز "بي بي سي" العابر للآنية نحو العمق والتحليل، لوحة كبيرة لدولة تحكمها إرادات شخصية وطريقة عيش غريبة تتناقض مع الأوضاع الاقتصادية البائسة، التي يعيشها الشعب، وفيها تظهر أيضاً بوضوح ملامح موروث سياسي وفكري يدفع نحو التصعيد، يستهين بالبشر ويزيد من آلامهم. صور المجاعات ومقارنتها بحياة القصور تقول أشياء متطابقة مع سطوة حكامها وتشهياتهم الحسية الشرهة المتستر عليها والمتعارضة في الوقت نفسه مع "اشتراكية عادلة" معلنة وعلى الجانب الغربي ثمة تناقض صارخ بين ما تعلنه حكوماته من مواقف وبين ما يجنيه رأسمالها من منافع مالية تجلت كلها بوضوح في نص سينمائي أخاذ وممتع.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...