نقد سينمائي

كوكو.. الغوريلا التي تتحدث للناس

عدنان حسين أحمد

يَجمع المخُرج والمصوِّر السينمائي جوناثان تايلور بين الثيمة الصادمة وبراعة التصوير بإيقاع خاص يكاد يشبه إيقاع القلب المنتظم الدقَات، فثمة نسق مُحدد رَسَمه المخرج في ذهنه قبل الشروع بالتصوير لكن هذا النسق قد يتعرض إلى بعض الهزّات التي تشجعه على تصعيد الإيقاع كلما كانت هناك مفاجأة تُخرج المتلقي عن السياق وتضعه في مواجهة المواقف المدهشة التي لم تكن في الحسبان.

يبدو أنّ العنوان الذي اختاره تايلور لفيلمه الوثائقي صادم بحد ذاته وهو "كُوكو: الغوريلا التي تتحدث للناس"! لا شك في أن الغوريلا هو أقرب الحيوانات إلى الجنس البشري بعد الشمبانزي والبونوبو لما يتمتع به من مواهب فذّة، وقدرات عقلية لافتة للانتباه، وربما يكشف هذا الفيلم المُميز حنوّ الغوريلا وميولها العاطفية تجاه الإنسان، خصوصًا وأنها تعيش في الأسر بمنأى عن محيطها الطبيعي في الغابات والمناطق المُشجرة.

فرانسِن بيني باترسون، المختصة بسيكولوجيا الحيوان، والغوريلا "كُوكو"

ربما يحار المتلقي في تحديد البطل في هذا الفيلم الوثائقي الرصين، فهل أسندَ المخرجُ دور البطولة إلى فرانسِن بيني باترسون، المختصة بسيكولوجيا الحيوان، أم إلى الغوريلا "كُوكو" التي ستدهشنا بقدراتها الذهنية في تعلّم لغة الإشارة الأميركية، وإظهارها لهذا الكمّ الكبير من الحنان لباترسون وبقية أعضاء الفريق الذي تابع حياة كوكو لخمس وأربعين سنة وهو يدوّن فيها كل صغيرة وكبيرة عن هذه الغوريلا المُذهلة التي أثارت إعجاب العالم، ونالت شهرة واسعة بعد أن احتلت صورتها غلاف مجلة "الناشيونال جيوغرافيك" مرتين فعرفها القاصي والداني في أميركا والمملكة المتحدة.

لابد من الإشارة إلى أن فكرة الفيلم قد انطلقت من مشروع باترسون لنيل درجة الدكتوراه في تعليم لغة الإشارة الأميركية للغوريلا. تُرى، هل يُكتب لهذا المشروع النجاح، أم أنّ مخاوف جمّة تحيط بهذا الموضوع الذي يبدو عصيًا ومحفوفًا بالمخاطر؟

قبل الإجابة على هذا السؤال المحوري الذي تقوم عليه ثيمة الفيلم برمتها لابد من التنويه إلى أهمية التوثيق لدى أميركا وغيرها من الشعوب المتحضرة التي تعوِّل على المنحى التسجيلي لأنهم ببساطة تسجيليون بينما تقابلهم أمم شفهية لا تعير التوثيق والتدوين شأنًا كبيرا. فمنذ ولادة كُوكو في 4 يوليو / تموز 1971 في حديقة حيوانات سان فرانسيسكو والمعنيون بها يوثقون كل شيء عنها بتقارير منتظمة عن رضاعتها وصحتها ومزاجها وعلاقتها الحميمة بالأم.

وما أن تبنتها باترسون لتنفيذ مشروعها الدراسي حتى أخذ التوثيق بُعدًا آخر يشمل مراقبتها الدائمة بواسطة الكاميرات، وتقارير الفريق المسؤول عن رعايتها، هذا إضافة إلى الحضور المتواصل لباترسون مع المصور رون كون الذي صور نحو 2000 ساعة ماعدا التصوير الأساسي للفيلم بعدسة المخرج نفسه والذي استغرق شهرًا بكامله. وقد تضمّن التصوير بشقّيه المحترف والهاوي على توثيق اللحظات الأكثر درامية في حياة هذه الغوريلا النابهة التي حبست الأنفاس في العديد من الحالات والمواقف المثيرة للإعجاب.

لم تشأ إدارة حديقة الحيوانات في سان فرانسيسكو أن تسلّم الغوريلا الصغيرة كوكو إلى باترسون لأنها لصيقة بأمها في هذا السن تحديدًا لكنها وافقت على "إعارتها" بعد أن أنهت عامها الأول وشرعت باترسون بتعليمها لغة الإشارة الأميركية بادئة بثلاث كلمات مهمة وهي Eat, Drink & more ثم تلتها الكلمات التي تستعملها المعلِّمة وتلميذتها في آنٍ معًا مثل وردة، قبعة، مفتاح، تفاحة، خسّ، سعيدة، حزينة وما إلى ذلك من كلمات مُتداولة. ثم فوجئ أحد الأصدقاء الذين زاروها وهي تقول له بلغة الإشارة "أرجوك صديقي افتح الباب". وهكذا تضاعفت كلمات كوكو حتى بلغت المئتي كلمة، وسوف يتضاعف رصيدها حتى يبلغ الألف كلمة لاحقًا.

من فيلم "كوكو.. الغوريلا التي تتحدث للناس"

على الرغم من أن المكان الطبيعي للغوريلا وسواها من الحيوانات الأخر هو الغابة أو البرية المفتوحة، الكثيفة الشجر إلاّ أن باترسون كانت سعيدة بوجود كوكو على مقربة من منزلها الذي يبعد عنها بضعة أميال. فقد وضعتها في قفص كبير بمنطقة مشجرة كي توحي لها بالحرية في فضاء مفتوح. وهي تزورها كل يوم تقريبًا ذلك لأن علاقتها بكوكو أصبحت مثل علاقة الأم بطفلتها ولعل مشاهد العناق التي تكررت كثيرًا على مدار الفيلم الذي تبلغ مدته 58 دقيقة كانت كافية لتأكيد صحة ما نذهب إليه. فكوكو هي التي تبادر باحتضانها ومداعبتها وكأنها تردم الهوة القائمة بين الإنسان والحيوان. ولعل ما يهدف إليه مخرج الفيلم هو الإشارة إلى أن الغوريلا قادرة على مشاركة الإنسان أفكاره ومشاعره وأحاسيسه الداخلية.

لم تتخل إدارة حديقة الحيوانات عن كوكو وإنما طالبت باسترجاعها أكثر مرة لكن باترسون وبمساعدة جمعية الغوريلا في أميركا تمكنت من الاحتفاظ بكوكو وشرائها شرط أن توفر لها غوريلا ذكرًا بغية التزاوج وتحطيم جدار الوحدة التي تعيشها منذ سنوات طويلة. وسوف يأتي هذا الغوريلا الذكر الذي يحمل اسم مايكل لكنه سرعان ما يموت ويتركها أسيرة لعزلتها القديمة لكن باترسون تجلب لها غوريلا آخر  اسمه (نِم) وهو يعيش معها الآن.

من فيلم "كوكو.. الغوريلا التي تتحدث للناس"

المدهش في الأمر أن كوكو تريد أن تنجب وتصبح أمًّا وقد عبّرت عن هذه الرغبة غير مرة. وربما لعبت الهدايا التي تجلبها باترسون دورًا في سدّ هذا النقص الكبير في حياتها وخصوصًا إذا كانت الهدايا قططًا صغيرة ولكن حتى هذه القطط لم تكن بمنجاة من الموت. فذات مرة خرجت القطة "أول بول" من قفصها ودهستها سيارة فماتت. وحينما عرفت كوكو بخبر موتها من باترسون حزنت كثيرًا وعبّرت عن حزنها بكلمات Bad, Sad, Bad ثم تجهّمت ملامحها، بل أن باترسون سمعت صوتًا يشبه النحيب البشري! ثم طالبت بقطتين أخريين هذه المرة وسوف تحظى بقطط أخرى في مناسبات لاحقة.

ربما لا ينتبه المُشاهِد العادي إلى براعة التصوير في فيلم وثائقي تتسيّد فيه الثيمة على الشكل لكن اللقطات المقرّبة التي فاجأنا بها المصور قد أسرتْنا ومنحتنا الفرصة لأن نتأمل في تعابير الشخصيتين اللتين تقاسمتا دور البطولة وبرعتا فيه. وحينما تتداخل مشاعر الأمومة لا تدري على وجه الدقة أيهما تريد أن تصبح أمًّا، هل هي باترسون أم كوكو، أم أن الحدود قد ضاعت بين الاثنتين اللتين تماهتا في بعضهما بعضا؟

قد ينال إعجابكم