نقد سينمائي

"لعبة العاج" القاتلة

قيس قاسم

بين فيلميّ "آخر الفِيلَة" للألماني "جاكوب كنيسر" وفيلم النمساوي "ريتشارد لادكاني" "لعبة العاج" تناصّ كبير. الاثنان دارا حول صيد الفِيلَة في أفريقيا  والاتجار بأنيابها العاجية ونتيجة لها تتعرّض للإبادة الشاملة، وكلاهما أراد توصيف عملية قتلها الممنهجة بـ"حرب غير معلنة ضدها وضدنا نحن البشر وضد الطبيعة"، الفرق الجوهري بينهما أن الأول ذهب بعيداً في رسم الكارثة، التي تتعرّض لها الأفيال في أفريقيا واتسّاع تجارة بيع أنيابها من خلال الربط بين عيشها في الطبيعة والاقتراب منها إلى أقصر مسافة ممكنة من أجل إظهار الخسارة الفادحة للبشرية بضياعها وفقدان شريك طبيعي يقاسمنا العيش على كوكبنا ويساهم في توازنه وبين القتل الممنهج لها، ويكاد ينتهي إلى خلاصة "سوداوية" ويأس من إمكانية إيقافها بإعلانه خسارتنا في الحرب الدائرة وغير المعلنة بيننا وبين عصابات الصيد والبيع المنظمة، فيما يفتحThe Ivory Game   نافذة للأمل ويسلط الضوء على العمل الجاد، الذي يقوم به أفراد ومنظمات تطوعية إلى جانب أجهزة الشرطة والجيش في أكثر من مكان من العالم للحدّ من جرائم قتل الفِيلَة دون رحمة.

أما على المستوى الحكائي والفني فالأول أقرب إلى الوثائقي التعليمي فيما الأخير ينضم إلى فئة الفيلم الاستقصائي المصنوع بأدوات فنية غاية في الإتقان تقف وراءه شركة "نتفليكس" العملاقة، وما فيه من جرعات إثارة ومغامرة فيعود إلى طبيعتها على الأرجح كونها تحاول الجمع بين التجارية والفنية وإن غَلَب على إنتاجاتها الأخيرة المستوى الفني الجيد.

مشهده الأول يعزز فكرته، حيث يظهر فيه ضابط كبير من الشرطة الكينية مع عدد من جنوده وهم يقومون باقتحام بيت ظنوا أنه بيت المطلوب رقم 1 لهم والمعروف باسم الشهرة "شيطاني"، وأنه موجود في داخله. لقد سبقهم خبر وصولهم إليه فرتّب خطة للهرب منهم. التصوير اللّيلي وتنفيذ المشهد يشي بمستوى تصوير رائع سيحافظ على مستواه طيلة زمن الفيلم، وعلى مستوى السرد الحكائي سيجعل من مساحة حركته الواسعة بين عدد من الدول فرصة لعرض حجم الكارثة التي تتعرض لها الفِيلَة في تلك الأمكنة وخصوصية كل واحدة منها، وبالتالي سيوفر للمُشاهد إمكانية التعرُّف على طبيعة المشكلة بمستويات متعددة، مثبتة بشهادات قلما تتوفر في أفلام أخرى اهتمّت بما تتعرض له الطبيعة من انتهاكات على يد بني البشر.

التصوير من بعد وعلى ارتفاعات عالية سيضيف إلى الفيلم حلاوة وسيعزز الإحساس بحجم الخسارة التي تتعرض لها الطبيعة الأفريقية الرائعة، وارتباط ذلك بأطراف بعيدة عنها جغرافياً. فليس القنّاصة والصيادون المحليين وحدهم من يتحمل المسؤولية بل يشترك معهم من يشتري منهم ويروج لتجارة غير شرعية وفي مقدمة هؤلاء؛ الصين، بوصفها البلد المستورد والمروِّج الأكبر لمنتوج "تجاري" يُشبع حاجة الأغنياء لإظهار ثروتهم والتباهي بها من خلال شراء المنحوتات الفنية الغالية الثمن، خامتها الأساس؛ العاج الطبيعي المنتزع من رؤوس الفِيلَة بعد قطعها.

ذهب صناع الوثائقي إلى أسواق الصين وصوَّروها ووجدوا أن شرعية بيع "تحف" العاج هي السبب في انتشار السوق "السوداء" الموزاية لها. بوجود الشرعية سيصعب على الجهات الرسمية السيطرة على عمليات التلاعب وبالتالي سيسهل على التجار تبيّيض الكثير من العاج عبر "يافطة" الشرعية. ستظهر في الصين دائرة الشر بشكل أوضح وعلى الشكل التالي؛ "كلما قَل عدد الأفيال ارتفع سعر العاج وكلما ارتفع سعر العاج انفتحت الشهية أكثر على قتلها".

يكشف الوثائقي عن تجارة لا شرعية تبلغ المليارات يبدأ سعر كيلو العاج الواحد فيها بحدود سبعة دولارات وينتهي بعد تصنيعه بحوالي ثلاثين ألف دولار. تجارة أدّت خلال السنوات الخمسة الأخيرة إلى تقلُّص عدد الفِيلَة الموجودة في غابات أفريقيا من 100 ألف فيل إلى حوالي النصف. وأن شبكات قتلها وبيعها تنظم عملها بين أكثر من دولة وتعمل بشكل سري لهذا تطوع نشطاء لمحاربتها، حاول الوثائقي أن يظلّ قريباً من بعضهم ويسجل ما يقومون به من أعمال أقل ما يمكن وصفها؛ بالشجاعة.

تلعب منظمة "وايلدليكس" دوراً مهماً في نشر المعلومات الخاصة بعمليات الإبادة وتحديد مناطقها لتكسر السريّة والكتمان المحيط بها وليعرف العالم ماذا يجري من جرائم ضد الطبيعة دون خوف.

يرافق صناع الوثائقي بعض عملياتهم السرية في أوغندا وهم يكشفون واحدة من أعقد أسباب استمرار التجارة البشعة والمتمثلة بانتشار الفساد بين مسؤولي أجهزة شرطتها ومراقبي حدودها. فيما ينشط الشاب الصيني "هونجيانغ هوانغ" في الكشف عن دور عصابات بلاده في عمليات القتل ويقوم بنفسه بخرق لبعض أوكارهم معرّضا حياته للخطر أكثر من مرة، كما في "هونغ كونغ" حين دخل إلى سوق يشرف عليه تجار صينيون وسجل مكالماتهم واتصالاتهم ليقدمها إلى الجهات المسؤولة كوثائق غير قابلة للدحض، فيما يذهب غيره برفقة فريق العمل إلى قرية فيتنامية تجري فيها عمليات بيع العاج غير الشرعي بشكل علني بسبب الحماية التي يوفرّها الفاسدون من الأجهزة الحكومية لها.

كل عملية من عملياتهم يمكن وصفها بالمستحيلة وهي من منحت الوثائقي روحاً مغامرة وحسّاً قوياً بالإثارة كما سلطت الضوء على قوة تطور وسائل التصوير وتنوّع وظائفها. فكل عمليات الخرق تم تسجيلها بكاميرات "ديجيتال" صغيرة مثبتة على أزرار القمصان تمكنّت من تقديم صورة وصوت واضحين، أما التصوير الليلي بالرغم من "عتمته وشفافيته" يظلّ مؤثراً ويمنح المصور مصداقية عالية وهذا ما كان يجري داخل الأراضي الأفريقية على وجه التحديد حين كانت أجهزة الشرطة تقوم بملاحقة الصيادين في الأدغال ليلاً.

بين كل عملية وأخرى وبين انتقال من بلد إلى آخر كان أحد المعنيين بالأمر (خبراء بيئة، رجال شرطة، نشطاء وغيرهم) يقدم تفصيلاً مهماً يعمل عمل الفاصل ويعطي الوثائقي إمكانية الانتقال من ضفة إلى أخرى لهذا جاء مشبعاً وحيوياً وصل إلى نقطة مهمة تتمثّل في هجرة الفِيلَة هرباً إلى مناطق غير مناطقها وبالتالي في تسبُبها أضرار فادحة لفلاحيها الفقراء، ما كان يدفعهم لقتلها حماية لزرعهم وحقولهم وهذا ما كان يستغله التجار أسوأ استغلال.

على مستوى ثانٍ يستغل "شيطاني" وغيره من قادة العصابات الصيادين الصغار فلا يدفعون لهم أكثر من 6 بالمئة من ثمن صيدهم بعد بيعه للتجار، وعلى صعيد آخر تغدو الحلول للمشكلة أكثر شمولية ولا تنحصر بأفريقيا وحكوماتها وحدها ومن هنا أتت أهمية العمل الأممي ودور النشطاء في جمع الأموال لتنفيذ مشاريع تنموية تشجع صغار الصيادين على ترك عملهم والتوجه بدلاً منه إلى أعمال مفيدة يمكن إعالة بها نفسه وعائلته كما توفر إمكانية إيجاد حلول لمشاكل الفلاحين كإقامة عوازل من الأسلاك الكهربائية لمنع الفِيلَة من الاقتراب من أراضيهم.

جولة الوثائقي بصحبة ناشط ذهب إلى بريطانيا لجمع التبرعات تؤكد "كونية" المعضلة وضرورة إشراك الجميع فيها.

يحلو للمخرج النمساوي استخدام أسلوب التصعيد الهوليوودي، فنراه متابعاً، رغم تشعبات عمله، لمراحل "صيد" زعيم عصابة الصيد الكينية "بونفيك" الملقب بـ"شيطاني" ومنحها طابعاً تشويقياً ينتهي بالقبض عليه في موزمبيق متلبسّاً بجرمه وعلى غرار النهايات السعيدة يتوقف الفيلم عند النجاحات الدراماتيكية الطابع كاتخّاذ حكومة كينيا قراراً بحرق أكثر من ثلثي عاجها المصادر من المجرمين لضمان عدم وصوله إلى أيدي التجار، فواحدة من النتائج المهمة التي توصل إليها الوثائقي هي العمل على "تجفيف" مصادر التجار من العاج وبالتالي خنق تجارتهم، كما يظهر مَشاهد من اجتماعات وندوات دولية تشجع على العمل المشترك وإشراك أكبر عدد من السياسيين ورجال الإعلام وعلماء وجمعيات مدنية في وقف عمليات الإبادة، وينتهي بعرضه إحصائيات تشير إلى النجاحات منها؛ إصدار الولايات المتحدة قرار في شهر أبريل من هذا العام تمنع بموجبه تجارة العاج نهائياً كما قررت هونغ كونغ اتخاذ نفس القرار والعمل به بداية عام 2021 فيما الصين ما زالت ترفض التعاون لكنه بالرغم من ذلك يبشر بإمكانية إبقاء الفِيلَة تعيش معنا وتقاسمنا نفس الكوكب.

في النهاية يمكن وصف "The Ivory Game" بالتحفة السينمائية التي لولا قلة تسليطها الضوء على حياة الأفيال وخصوصياتها البيئية لجاءت من بين أفضل أفلام 2016 على الأطلاق.

    

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...