نقد سينمائي

لقطة واحدة تصنع فيلمًا!

أمير العمري

عرف المخرج السينمائي الكبير الفريد هيتشكوك بـ “سيد أفلام الإثارة والرعب". ويعتبر فيلمه "سايكو" Psycho الذي أخرجه عام 1960 أشهر أفلامه على الإطلاق، وقد ظل مشهد معين في هذا الفيلم عالقًا في أذهان الجمهور وهواة السينما، وتحديدًا عشاق أفلام هيتشكوك، وامتد الإعجاب بالفيلم وبهذا المشهد بوجه خاص عبر أجيال. وقد ظل يحير النقاد لنصف قرن ويدفعهم للتساؤل عن سر تأثيره الكبير. هذا المشهد هو مشهد طعن نورمان بيتس (الشخصية التي قام بدورها في الفيلم الممثل أنتوني بيركنز) لبطلة الفيلم "ماريون" (التي قامت بدورها الممثلة الراحلة جانيت لي) في الحمام (تحت الدوش) في لقطات تم توليفها من خلال المونتاج بحيث تحقق أقصى جرعة من الإثارة والصدمة والرعب.

أخيرًا ظهر فيلم تسجيلي طويل (90 دقيقة) يدور بأكمله حول هذا المشهد تحديدًا: يستعرض تأثيره، وهيمنته، وأهميته، وتقنية صنعه، ورأي الخبراء والنقاد والعاملين فيه، ولماذا ظل دائما يثير الحيرة والتساؤل والاهتمام، كما دفع المنتجين في هوليوود إلى محاولة الاستفادة منه بعمل استكمالات أخرى للموضوع. يتساءل الفيلم التسجيلي الجديد: هل يمكن أن يكون "سايكو" قد ساهم، على نحو ما، في تغيير مفهوم فيلم الجريمة أو فيلم الاضطراب النفسي المصحوب بالجريمة؟

الفيلم التسجيل الجديد يحمل عنوان "78/52: مشهد الدوش عند هيتشكوك" 78/52: Hitchcock's Shower Scene وهو من إخراج المخرج السويسري ألكسندر أوه فيليب Alexandre O. Phillippe الذي أخرج عددًا من الأفلام التسجيلية أشهرها "الشعب ضد جورج لوكاس" (2010). وهو يقوم هنا بتشريح مشهد الحمام الشهير في فيلم "سايكو" الذي يستغرق على الشاشة من بدايته حتى نهايته حوالي ثلاث دقائق.

ولكن كيف كان تعامل هيتشكوك مع هذا المشهد الذي جرى الإعداد له وتصوير تفاصيله 78 مرة، وانتهى فى مرحلة المونتاج إلى 52 لقطة (ومن هنا جاء عنوان الفيلم) أي في إيقاع سريع أنتج بالتأكيد هذا التأثير الخاص الصادم للمشهد، خاصة وأنه كان يفاجئ الجمهور بالتخلص من نجمته المحبوبة جانيت لي، وإخراجها من الفيلم بعد أقل من نصف ساعة من بداية الأحداث.  
يتحدث في الفيلم الناقد والمؤرخ السينمائي البريطاني ديفيد تومبسون (76 سنة) الذي يصف هذا المشهد بأنه شبيه في تأثيرة بمشهد وصول القطار إلى المحطة في أول أفلام الأخوين لوميير بل وأول شريط في تاريخ السينما، من حيث تأثيره على الجمهور وتدشين قدرة "الصور المتحركة" على الإيهام بالواقع. 

يقول تومبسون في كتابه الشهير "لحظة سايكو: كيف علم هيتشكوك أمريكا حب الجريمة؟" إنه شاهد "سايكو" أكثر من 30 مرة، وإنه جعل الأمريكيين يودعون نظرتهم البريئة لأنفسهم بعد الحرب العالمية الثانية وطوال الخمسينيات، ويستعدون لاستقبال عقد الستينيات بكل اضطراباته وعنفه".

لم يستخدم هيتشكوك لقطة واحدة من لقطات المشهد الـ 52، للسكين وهو ينغرز مثلاً في جسد جانيت لي كما نشاهد في أفلام اليوم، بل لجأ الى طريقة أخرى مبتكرة في التصوير والمونتاج تتلخص في تصوير اليد وهي تهوى بالسكين في اتجاه الكاميرا، ثم كان ينتقل عن طريق القطع، إلى وجه جانيت لي وهي تصرخ في ذعر. ولكن جسد جانيت لي الذي يتهاوى على الأرض دون أن يظهر عاريا بشكل كامل قط، لم يكن في الحقيقة جسدها بل جسد ممثلة بديلة هي مارلي رينفرو"الموديل" الجذابة (التي اشتغلت بالتمثيل فيما بعد في عدد من الأفلام) ونراها في الفيلم في كثير من المقاطع، تتحدث وتروي تجربتها في فيلم هيتشكوك وتاثيره عليها وعلى حياتها وكيف نقلها إلى العمل في السينما بعد ذلك. هناك لقطة واحدة فقط في المشهد توحي بملامسة السكين لجسد جانيت لي، وقد صورها هيتشكوك- كما يقول المؤلف الموسيقي داني إيلفمان في الفيلم- بطريقة عكسية أي بدءًا من ملامسة الجسد بالسكين ثم العودة، وكانت اليد التي تقبض على السكين هي يد هيتشكوك نفسه. أما ما جعل للمشهد كل هذا التأثير فلم يكن فقط طريقة المونتاج والتصوير بل واستخدام الموسيقى التي كتبها برنارد هيرمان، والتي يمكن القول إنها لعبت دور المؤثرات الخاصة هنا.

يظهر في الفيلم عشرات الشخصيات من المخرجين والمؤرخين والنقاد، يدلون بآرائهم حول المشهد الشهير، وكل منهم يتناول تقنية إخراج المشهد من زاويته الشخصية، محاولاً أيضًا تسليط الضوء على طريقة عمل هيتشكوك وتعامله مع الوسيط السينمائي، مع الصورة، مع التكوين، مع المونتاج، وهناك إجماع على كون مشهد القتل في الحمام (تحت الدوش) بيانًا واضحًا لما يعرف بـ"السينما الخالصة" التي لا تقتبس من غيرها من الفنون (الأدب والمسرح مثلاً) بل تعتمد اعتمادًا كاملاً على التأثير الناتج عن تصادم الصور التي تم اختيارها بدقة ووضعها في سياق، من خلال المونتاج، مع استخدام الجسد العاري في تحد غير مسبوق للرقابة الأمريكية التي نجح هيتشكوك في الالتفاف على محاذيرها وتمرير المشهد الشهير دون أن يستبعد منه شيئًا.

المخرج الأمريكي بيتر بوجدانوفيتش (صاحب العرض السينمائي الأخير، وقمر من ورق) يظهر في الفيلم (هو الآن في الثامنة والسبعين من عمره) يروي كيف أتيحت له الفرصة في عام 1960 وكان وقتها ناقدًا سينمائيًا، لحضور العرض الصحفي الذي أقيم للفيلم قبل عرضه تجاريًا في دور السينما، وكيف أنهم استمعوا في البداية إلى تسجيل صوتي بصوت هيتشكوك، يحذر الحاضرين ويطالبهم بعدم كشف نهاية الفيلم للجمهور. ويحلل بوجدانوفيتش تأثير المشهد على صناع أفلام الإثارة الذين جاءوا بعد ذلك، وكيف أن هيتشكوك تمكن من اختراق المحظور وهو يخرج هذا الفيلم عام 1960، ويعتبره نقلة مفصلية في تاريخ السينما.
تظهر في الفيلم أيضًا جايمي لي كيرتس- ابنة جانيت لي بطلة "سايكو"، تتحدث عن محاولتها محاكاة أمها وهي تؤدي مشهدًا مماثلاً في سلسلة "الملكات الصارخات" التليفزيونية، وكيف كانت تعاني من أجل الصمود أمام الكاميرا ولكنها تعتقد أنها لم تنجح أبدًا في تجسيد المشهد بطريقة توازي أداء أمها. ويظهر في الفيلم أيضًا مونتير فيلم "المحادثة" الشهير الذي أخرجه فرنسيس فورد كوبولا عام 1974، ليعترف بأنه تأثر كثيرًا بالمشهد واستوحى منه في صياغته مونتاج أحد مشاهد "المحادثة". 

يمكن بالطبع- كما يحدث بالفعل- الحديث عن علاقة هيتشكوك بالجسد العاري، وعلاقة الدم بالشعر، ويمكن رؤية المشهد من زاوية التحليل النفسي لهيتشكوك في علاقته الملتبسة الغامضة بالمرأة، كما يمكن التوقف أمام طريقة تعاقب الصور، وأسلوب المونتاج، وكيف أن المشهد قد يحمل من المتعة بقدر ما يخلق من صدمة. في مطلع الفيلم تظهر عبارة مأخوذة من الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو الذي يقول إن موت امرأة هو أكثر الأشياء شاعرية أو توليدا للشعر. وفي أحاديث الكثير من المخرجين والمونتيرين الذين يظهرون في هذا الفيلم التسجيلي الكثير من الآراء المثيرة التي لا يتوقعها المشاهد المحايد الذي يرى مشهد القتل في الحمام في سياق حبكة الإثارة وسينما الجريمة. وممن عبروا عن آرائهم في الفيلم المخرج المكسيكي الشهير جيلرمو ديل تورو الذي يصنع بدوره أفلاما ترقى الى مستوى الشعر السينمائي. 

ولكن كيف تمكن هيتشكوك من تمرير المشهد على الرقابة؟ كانت الرقابة قبل 1960 متشددة كثيرًا فيما يتعلق بتصوير الجسد العاري، وكانت هناك اعتراضات على ما صوره هيتشكوك، وعندما عرض الفيلم على ثلاثة من الرقباء في مكتب شركة الإنتاج في حضور أحد مساعدي هيتشكوك قال أحد الرقباء أنه شاهد صدر المرأة عاريًا، وأن المشهد كله ليس من الممكن تمريره، لكن مساعد هيتشكوك الحاضر احتج وقال إنه لا يوجد صدر عار للممثلة في المشهد، فأعادوا عرضه مرة أخرى إلى أن تأكد الرقيب من عدم وجود لقطة لصدر عار، لكنه أصر على إرسال النسخة إلى مكتب الرقابة. وبعد أن شوهد هناك أعادوا الفيلم إلى هيتشكوك بملحوظة تطالبه بإعادة مونتاج المشهد واستبعاد لقطات الجسد العاري، لكنه لم يفعل بل أعاد إليهم النسخة كما هي، وعندما شاهدوا الفيلم مجددًا لم يجدوا فيه ما يشين فسمحوا بعرضه! 
يقدم الفيلم تحليلاً وتشريحًا لبناء مشهد القتل في الحمام في فيلم "سايكو" كما لم يحدث من قبل في السينما التسجيلية ربما باستثناء ما شاهدناه في الفيلم التسجيلي "الغرفة 237" الذي يحلل مشهدًا معينًا من فيلم "اللمعان" The Shinning لستانلي كوبريك وقد سبق أن تناولته بالنقد تفصيلاً في هذا الموقع.

قد يجد البعض نفسه يلهث لكي يتابع الانتقالات السريعة بين عدد كبير من الشخصيات التي تتحدث في هذا الفيلم، لكن ما يغري بمتابعة المشاهدة، الشكل البصري الجذاب رغم ذلك. ويستخدم المخرج الأبيض والأسود لإضفاء الطابع القديم لفيلم هيتشكوك نفسه بغموضه الخاص، كما يضع في بؤرة اللقطات التي تظهر فيها الشخصيات المتحدثة (ولو في الخلفية) صورة المنزل الشهير فوق التل الذي يقيم فيه بطل الفيلم المضطرب نفسيا "نورمان بيتس"، بينما يبدو "الموتيل" في أسفل التل حيث سيقوم نورمان بقتل "ماريون". 

 

 

 

قد ينال إعجابكم

حوارات

دراما في شقة "تقسيم"

فيلم نفسي عن المسؤوليات والانتماء، وتأثير الأحداث السياسية والاجتماعية العامة على العلاقات الشخصية...
حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...