نقد سينمائي

لوس أنجلوس وعام الاضطرابات الكبرى

أمير العمري

من أهم وظائف الفيلم التسجيلي تسليط الأضواء على الأحداث التاريخية من زوايا مختلفة جديدة، خاصة لو كانت أصداء الحدث الذي يتناوله الفيلم مازالت تتردد، أي أننا مازلنا في حاجة إلى أن نتعلم منه. في هذا السياق، يعيد السينمائي اكتشاف الكثير من الوثائق المصورة، ويقوم بعملية بحث دقيق عن وثائق قديمة يستخدمها في فيلمه لدعم رؤيته للحدث، بل يجعل من الفيلم في حد ذاته وثيقة سينمائية فريدة. هذا تحديدا ما ينجح فيه مخرجا الفيلم التسجيلي الأمريكي الجديد "إل أيه 92" LA 92 (وهو عنوان يرمز إلى لوس أنجلوس عام 1992).

هناك ثلاثة أحداث تمثل القاعدة التي يستند إليها مخرجا الفيلم: دان ليندساي وتي جيه مارتن، في رواية قصته، وهي من أكثر القصص درامية وإثارة للاهتمام. نحن لسنا أمام قصة تثري الخيال، بل تكشف الجانب المظلم في الإنسان، العنصرية الكامنة عندما تعبر عن نفسها في أقصى درجات التوحش والعنف بما يوحي بالعودة إلى الهمجية الأولى. العنف هنا يتجسد في ممارسات الشرطة المدفوعة بالكراهية، في مجتمع كشفت تلك الأحداث المحزنة عن هشاشته وتشتته وانقسامه وعجزه عن إقرار العدالة وتحقيق المساواة رغم كل ما حققه من تقدم علمي ومدني حديث.    

شملت أحداث شغب عام 1965 حرق المحلات والمخازن والسيارات ومنازل البيض ونهب محتويات المتاجر.

يعود الحادث الأول الذي يبدأ به الفيلم إلى أغسطس 1965، فمن خلال لقطات بالأبيض والأسود- من الأرشيف خاصة من التغطية التليفزيونية للحادث الذي صنع خطا فاصلا في العلاقة بين الأقلية السوداء من أصول أفريقية في الولايات المتحدة، والأغلبية من الأمريكيين البيض. ففي حي واتس Watts جنوبي مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا حيث تتركز أقلية سوداء كبيرة، أوقف رجال الشرطة رجلا أسود للاشتباه في قيادته السيارة وهو تحت تأثير الخمر وأخذوا يوسعونه ضربا وركلا أمام عيون السكان، مما أدى إلى اندلاع أحداث شغب شملت حرق المحلات والمخازن والسيارات ومنازل البيض ونهب محتويات المتاجر، وكان السكان السود مدفوعين في ذلك بفعل سنوات طويلة من الظلم الاجتماعي والتهميش الاقتصادي.

تتضمن المشاهد في بداية الفيلم جانبا من تلك الأحداث التي عرفت بـ"أحداث واتس"، مناظر مرعبة، لاعتداءات الشرطة على السود بقسوة مفرطة، ومحاولات رجال الإطفاء مقاومة انتشار حرائق المدينة، والفوضى العارمة التي نشأت نتيجة الاضطرابات، واعتقال مجاميع من الشباب السود وإهانتهم وإرغامهم على التمدد على الأرض تحت تهديد السلاح. وبالقرب من موقع الحادث يظهر مراسل تليفزيوني، يروي كيف بدأت الأحداث.

اضطرابات واتس التي استمرت خمسة أيام، كما ينقل تقرير تليفزيوني مدعوم باللقطات الجوية المرعبة للحرائق، واعتقال الكثير من السود، انتهت بمقتل 34 شخصا وإصابة أكثر من ألف آخرين، والقبض على ما يقرب من أربعة آلاف شخص، بعد نشر قوات الحرس الوطني.

كان السكان السود مدفوعين في أعمال الشغب بفعل سنوات طويلة من الظلم الاجتماعي والتهميش الاقتصادي

يستخدم المذيع التليفزيوني الذي يعلق على الأحداث ثم المراسل كلمة negro أي زنجي في وصف السود وهو وصف كان مستخدما في ذلك الوقت. ويقول المذيع الذي يظهر وهو يقرأ الأخبار، إن رئيس شرطة لوس أنجلوس- وليم باركر- وصف السود الغاضبين بأنهم مثل "القرود في حديقة الحيوان". ثم يظهر جون شاباز أحد زعماء "أمة الإسلام" يقول إن السلطات لم تقم بأي شئ لاحتواء الأزمة فيما عدا أنها نشرت في النهاية قوات الدفاع المدني. ويدعو مارتن لوثر كينغ إلى ضرورة تبني برنامج إصلاحات اقتصادية يتضمن بناء مدارس ومنازل لائقة للسود، وكبح ممارسات الشرطة في لوس أنجلوس.

نشاهد بعد ذلك لقطات من عام 1973 لحشود تحتفل بفوز توماس برادلي، وهو ضابط شرطة سابق، بمنصب عمدة المدينة. وأمام الكاميرا يتعهد الرجل بتحقيق الأمن والازدهار للجميع وخاصة للأقلية السوداء، ثم يتم تعيين رئيس جديد للشرطة، وتستمر الاعتداءات على السود، وتتوإلى أنباء تجاوزات الشرطة على صفحات الصحف في مونتاج جدلي من خلال لقطات سريعة، بعضها بالألوان وغالبيتها بالأبيض والأسود.

شملت "أحداث واتس"، مناظر مرعبة، لاعتداءات الشرطة على السود بقسوة مفرطة، ومحاولات رجال الإطفاء مقاومة انتشار حرائق المدينة.

والفيلم الذي يبلغ زمن عرضه نحو ساعتين، يعتمد كلية على مواد مختارة بدقة من خلال جهد هائل في البحث، من الأرشيف المصور: سينما وتليفزيون، مع غياب تام للتعليق الصوتي أو الاستعانة بمقابلات أجريت حديثا مع مؤرخين أومحللين سياسيين اكتفاء بالتصريحات التي صدرت في تلك الفترة والموثقة بالصوت والصورة، وهو شكل أفضل كثيرا، فقد جعل القصة تشرح نفسها بنفسها من داخلها دون أن يفرض عليها وجهة نظر خارجية، ولكن ليس معنى هذا غياب الرؤية الفكرية عن الفيلم، أو أن مخرجيه لا يتخذان موقفا محددا من الموضوع، فالفيلم من بدايته يحدد وجهة نظر مدافعة عن الحقوق المدنية.

إننا نشاهد من خلال الصور واللقطات كيف أصبحت لوس أنجلوس مدينة متعددة الأعراق والثقافات حيث تدفق عليها مليونان من البشر من الخارج خلال عقدين من الزمان، وقطاع كبير من الجالية الكورية والآسيوية خصوصا.

أظهرت الصور التليفزيونية لقطات مرعبة للحرائق، واعتقال الكثير من السود.

يستغرق المدخل الذي يوثق أحداث واتس ثم انتخاب العمدة الجديد وما يبشر به لسكان المدينة التي يصفها بلوحة فسيفساء بديعة، نحو سبع دقائق، قبل أن ننتقل إلى القسم الثاني. في البداية نشاهد لقطات متنوعة من حرب العراق 1991، وظهور الرئيس بوش الأب معلنا انتهاء العمليات العسكرية بعد خروج قوات صدام من الكويت.  وتستقبل لوس أنجلوس الجنود العائدين من العراق استقبال الأبطال. وفي 3 مارس 1991، تتاح فرصة نادرة لرجل أن يصور من منزله ما يجري أمامه في الشارع ليلا. في لقطات ستصبح بعد قليل حديث العالم كله نشاهد أربعة من رجال الشرطة يقومون بجذب شاب أسود هو رودني كينغ، من داخل سيارته والاعتداء عليه بالركل والضرب العنيف مما أدى إلى اصابته بنزيف في المخ وكسر في عظام الجمجمة وكسور في عظام الساقين والذراعين والأسنان وكدمات عديدة.  هذا الاعتداء استمر في الواقع لمدة 15 دقيقة، ولكننا نشاهدها في لقطات منتقاة مقتضبة في الفيلم ويعود إليها مرات عدة، لتذكيرنا بأصل المشكلة، من خلال لقطات مرعبة تبرز آثار الاعتداء وصور الأشعة وصور رودني كينغ في المستشفى، ثم ردود الفعل الغاضبة من جانب بعض تجمعات السود.

يتم القبض على ضباط الشرطة الأربعة تمهيدا لمحاكمتهم لكن يطلق سراحهم بكفالة. ثم ينتقل الفيلم إلى حادثة أخرى وقعت بعد أسبوعين، حينما تعرضت لها فتاة سوداء في الخامسة عشرة من عمرها، نراها في شريط مصور من كاميرا المراقبة داخل متجر، ظنت صاحبته الكورية أنها ستسرق علبة من عصير البرتقال فنشبت مشاجرة انتهت بأن أطلقت عليها النار وقتلتها.

ما الذي سيحدث للقاتلة الكورية سوون جا دو؟ ستنتهي المحاكمة التي يوثقها الفيلم بالحكم عليها بالسجن لمدة 15 سنة لكن القاضية الشابة (الشقراء) التي ستنظر الاستئناف تقرر أنها لا تشكل خطرا على الأمن العام فتخفض العقوبة إلى مجرد دفع غرامة 500 دولار وقضاء فترة قصيرة في العمل التطوعي!

السود الغاضبون منتصف الستينيات من القرن الماضي ، يحرقون ويدمرون ويسلبون وينهبون، ويعتدون على البيض ويخرجونهم من سياراتهم ويضربونهم بعنف.

في العام التالي 1992 تنتهي محاكمة الضباط المعتدين على رودني كينغ ببراءتهم جميعا. وداخل قاعة المحكمة نشاهد الدموع تنهمر من عيني عمدة المدينة، ويظهر رئيس جهاز الشرطة في اجتماع علني داخل قاعة البلدية، يهدد ويتوعد ويحذر من إهانة الشرطة، ثم يخرج الضباط الأربعة يقفون أمام الكاميرات في صلف وغرور، ثم يعيد التاريخ نفسه ولكن بشكل أكثر شراسة وقسوة وتدميرا وقتلا: يخرج السود الغاضبون، يحرقون ويدمرون ويسلبون وينهبون، ويعتدون على البيض ويخرجونهم من سياراتهم ويضربونهم بعنف. كانت أمريكا في ذلك الوقت في ذروة عصر التليفزيون، فكان كل شئ يجري أمام الكاميرات على الهواء مباشرة، في مشاهد شديدة العنف.

يرصد الفيلم ويوثق يوما بيوم ومن خلال أسلوب كتابة التواريخ على الشاشة، تلك الأحداث الدامية التي استمرت عدة أيام.. تقف الشرطة وجهاز مقاومة الحرائق عاجزين عن التعامل مع هذه الاضطرابات والحرائق الواسعة النطاق، ويعلن عمدة المدينة حالة الطوارئ واستدعاء الحرس الوطني، تماما كما حدث في 1965، ويتردد الحرس الوطني في النزول إلى الشوارع لبعض الوقت، وتستمر عمليات نهب المتاجر خاصة متاجر الكوريين الذين يلجأون إلى تسليح أنفسهم واتخاذ مواقع لهم أمام متاجرهم للدفاع عنها. وأخيرا تنزل مدرعات ومصفحات قوات الدفاع الوطني وتتوقف بصعوبة أكبر اضطرابات عنصرية عرفتها الولايات المتحدة في تاريخها كله. تنتهي الأحداث في الرابع من مايو 1992، بعد أن أدت إلى مقتل 58 شخصا وإصابة 2300 آخرين، واعتقال نحو 11 ألف شخص، وحرق 7 آلاف منزل، ونهب أكثر من 3 آلاف متجر، وخسائر إجمالية تقدر بنحو مليار دولار.

الشرطة وجهاز مقاومة الحرائق وقفوا عاجزين عن التعامل مع هذه الاضطرابات والحرائق الواسعة النطاق

في خضم الاضطرابات يدعو عقلاء السود إلى الهدوء، وتلجأ جماعات المجتمع المدني إلى حشد أنصارها والدعوة إلى وقف العنف، وتستعين برودني كينغ نفسه لكي يظهر ويلقي كلمة يناشد خلالها الغاضبين الهدوء قائلا إن ما يفعلونه لن يكون مجديا، وإن ما حدث قد حدث وانتهى الأمر، والآن علينا جميعا أن نقف معا. وينتهي الفيلم، وتبقى نغمة صوت كينغ الحزينة التي تعكس إنسانا مدمرا تماما من داخله، وتبقى القنبلة الموقوتة داخل المنظومة العنصرية مع بقاء السياسات الظالمة دون محاولة حقيقية لتغييرها.

إننا أمام فيلم تسجيلي شديد القوة والتأثير من خلال مونتاج سريع، وانتقالات لا تهدأ، ومئات اللقطات والصور المختارة بعناية ودقة. يعود المراسل التليفزيوني لشبكة سي بي إس، الذي شاهدناه في الجزء الأول، ليظهر في نهاية الفيلم (وهو ينقل أحداث 1965) يقول في نهاية تقريره: "لقد أصبح بوسعنا أن نرصد رجلا يسير على القمر.. لكننا لا يمكن أن نشخص المرض الكامن في مدننا". فمازال السؤال الذي تسأله أمريكا لنفسها هو: ما الذي تعلمناه بعد مرور 25 عاما على اضطرابات لوس أنجلوس؟

قد ينال إعجابكم