نقد سينمائي

"مخاطرة" فتح الملفات السرية

أمير العمري
 
بعد فيلمها الوثائقي "سيتيزين فور" Citizen4 أو "المواطن 4" (2015) الذي أثار الكثير من الاهتمام على الصعيد العالمي تعود المخرجة الأمريكية لاورا بويتراس Laura Poitras (54 سنة) بالفيلم الوثائقي الطويل الجديد "مخاطرة" Risk الذي عرض للمرة الأولى عالميا، في قسم "نصف شهر المخرجين" بمهرجان كان الأخير. كان "سيتيزين 4" العمل الثاني من ثلاثية تقول المخرجة إنها تدور حول "أمريكا بعد 11 سبتمبر"، وكان الفيلم الأول في الثلاثية هو فيلم "القسم" (2010) The Oath  الذي يتناول دور معتقل جوانتامو السييء السمعة، ومضاعفات سياسة "الحرب على الإرهاب" التي ارتبطت بإدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن.
كان الفيلم السابق "سيتيزين 4" الذي حصل في العام الماضي على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم وثائقي طويل، يصور قصة انشقاق إدوارد سنودن خبير تكنولوجيا المعلومات في وكالة الأمن القومي الأمريكي NSA، الذي قرر فضح تغول وكالات المراقبة وجمع المعلومات في الولايات المتحدة، وكشف للرأي العام، الكثير من المعلومات والملفات السرية التي تفضح انتهاك وكالات الاستخبارات الأمريكية الدستور الأمريكي، والاعتداء المنظم على حرية الأفراد عن طريق انتهاك الخصوصية، واختراق وسائل الاتصال الحديثة: التليفونات، الإنترنت، البريد الالكتروني، حسابات البنوك، شركات الاتصالات، مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف ضربت هذه الوكالات الاستخباراتية عرض الحائط أيضا بمبدأ احترام سيادة الدول (الصديقة) وتنصتت على المسؤولين فيها على أعلى مستوى، كما حدث في حالة المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل.
 
وفي الفيلم الجديد "مخاطرة" الذي يعتبر خاتمة الثلاثية، تخاطر المخرجة بالاقتراب من موضوع شائك للغاية، خاصة أن بطلها منشق آخر، أو مغامر فردي تمرد على المنظومة الأمنية الأمريكية هو الاسترالي جوليان أسانج، مؤسس ومدير موقع ويكيليكس الشهير، المسؤول عن نشر ملايين الوثائق السرية التي تفضح الكثير من أسرار السياسة الأمريكية في العالم بل وكثير من الأسرار العسكرية أيضا من خلال الوثائق المصنفة "سرية للغاية". ويعتبر أسانج في نظر قطاع كبير من الرأي العام الأمريكي "خائنا"، أو على الأقل، شخصا غير مرغوب فيه، فاقدا الأهلية ومشكوكا في استقامته، بعد أن تجاوز كل الحدود ونشر ما لم يكن يجب نشره على الملأ.
ومن جهة أخرى يعتبر "مخاطرة" أيضا مخاطرة- لأنه يغامر بتقديم وعرض وجهة نظر الرجل الذي كشف الكثير من الأسرار التي لا يحب كثيرون أن تُكشف، ويُعري الفيلم بالتالي، كثيرا من الادعاءات الأمريكية حول الحريات المدنية وحرية تداول المعلومات، كما يفضح الضغوط والتدخلات المباشرة من جانب الشرطة البريطانية التي هددت باقتحام سفارة الإكوادور في لندن حيث لجأ أسانج ومازال داخل السفارة حتى يومنا هذا، بغرض القبض عليه وترحيله، لولا أن بادرت سفيرة الإكوادور في لندن ونجحت في الحصول له من الحكومة، على حق اللجوء السياسي، ليظل على نحو ما، مقيد الحرية، لا يمكنه مغادرة السفارة وإلا قُبض عليه.
 
ثلاثة محاور
ينقسم الفيلم إلى عشرة فصول يحمل كل منها رقما، لكنه يدور حول ثلاثة محاور: الأول شخصية جوليان أسانج نفسه، كيف جاء قرار مؤسس لموقع ويكيليكس، ببث كل ما وقع تحت يده من وثائق، وما تعرض له من مطاردة ومحاولة السلطات البريطانية القبض عليه، ثم كيف طلبت السويد تسليمه إليها بتهم تتعلق باغتصاب ثلاث نساء، وهي التهم التي ينفيها بقوة في الفيلم ويقول إنها "فبركت" بضغوط أمريكية على حكومة السويد، وذلك لتسليمه أولا إلى السويد ومنها يتم ترحيله الى الولايات المتحدة حيث يقدم للمحاكمة بتهم عديدة منها التجسس والإضرار بأمن البلاد، وتزويد أعداء الولايات المتحدة بالمعلومات.
 
وقد أتيحت الفرصة أمام المخرجة (التي سرعان ما ستصبح هي نفسها متهمة من قبل الأجهزة الأمريكية بدعم الإرهاب) لتصوير أسانج منذ 2010، وتابعت تطورات قضيته حتى بعد لجوئه إلى سفارة الإكوادور في لندن وحيث أتيحت لها فرصة تصويره داخل السفارة وتسجيل شهادته، كما صورت عن قرب كيف تحاصر الشرطة البريطانية حتى اليوم، مبنى السفارة تنتظر خروجه منها لإلقاء القبض عليه.
المخرجة الأمريكية لاورا بويتراس
المحور الثاني: متابعة مساعدي أسانج وعلى رأسهم الصحفي الأمريكي وخبير تكنولوجيا الإنترنت والمتحدث الرسمي باسم موقع ويكيليكس "جيكوب ابيلباوم" الذي يظهر في مشاهد عديدة من الفيلم، يتحدث ويشرح ويعقب ويعلق، كما تصوره المخرجة أثناء مشاركته في مؤتمر بالقاهرة بعد ثورة يناير، كان يحضره رؤساء شركات الاتصالات المصرية خاصة شركة تي إي داتا، حيث يواجههم مباشرة ويتهمهم بدعم وتأييد نظام مبارك، ويكشف كيف شاركوا في تضليل ملايين المصريين عن طريق إرسال الرسائل الدعائية لنظام مبارك، ووضع أنظمة للتجسس على حسابات العملاء بتنسيق مع وزارة الداخلية، كما يدين موافقتهم على قطع الاتصالات والإنترنت في بداية الثورة المصرية في يناير 2011، ويقول إنهم جاءوا الآن يجلسون هنا متظاهرين بتأييد الثورة وإدانة النظام السابق، ولكن بعد سقوط هذا النظام، أي بعد أن أصبحوا في مأمن.
ومن الشخصيات الرئيسية التي تظهر في الفيلم، البريطانية ساره هاريسون، مساعدة أسانج التي أصبحت حاليا مطلوبة داخل بلدها بتهمة التآمر لتقويض الأمن القومي وقد ظهرت بعد عرض الفيلم في مهرجان كان وتحدثت عن وضعها الحالي وأدانت بقاء أسانج حبيسا داخل سفارة الإكوادور. 
 
في أحد مشاهد الفيلم نرى كيف تتصل ساره- في حضور أسانج- بوزارة الخارجية الأمريكية تطلب التحدث مع شخصية من أعلى المستويات في الوزارة بل وتذكر هيلاري كلينتون بالاسم، وتكرر أن لديهم في ويكيليكس، وثائق على درجة كبيرة من الخطورة من الممكن أن تسبب الحرج سياسيا وعسكريا للإدارة الأمريكية، وتطلب فقط أن تنفي وزيرة الخارجية أو تؤيد صحة هذه الوثائق، وتكرر أنهم في ويكيليكس سيضطرون لنشر هذه الوثائق في حالة عدم وجود من يتحدث معهم بشأنها. ويتناول أسانج الهاتف منها ويتحدث إلى الطرف الآخر بمنتهى الهدوء والثقة، لكن المكالمة تنتهي دون التوصل إلى شيء. وبعد ساعات تنفجر شبكات التليفزيون العالمية بأخبار ويكيليكس وما أذّاعته من وثائق دامغة. 
 
ويتناول المحور الثالث بعض الوثائق المصورة التي كشفها الموقع، منها ما يتعلق بالحرب على العراق، حيث تكشف إحداها قيام قناصة أمريكيين بقتل أكثر من اثني عشر شخصا من المدنيين العراقيين، وإصابة عدد آخر، فيما وصف فيما بعد بأنه نوع من "القتل بالتداعي"، ومنها ما يتعلق بالحرب في أفغانستان، ونحو ربع مليون وثيقة من وثائق وزارة الخارجية الأمريكية. وكان الضابط الأمريكي تشيلسي ماننغ وراء تسليم هذه الوثائق إلى ويكيليكس، وقد حكم عليه عام 2013 بالسجن لمدة 35 سنة. ويناقش الفيلم موقفه الأخلاقي، مع بعض الشهود ومنهم الناشط دانييل إلزبرغ الذي كان مسؤولا عام 1971، عن تسريب وثائق البنتاغون السرية التي كشفت الكثير من التجاوزات الأمريكية في فيتنام. يظهر الزبرغ هنا يدافع ويدعم بقوة عما قام به ماننغ من تسليم الوثائق السرية إلى ويكليكس. أما أسانج فهو يؤكد في الفيلم أن دوره في كشف الحقائق أمام الرأي العام، لا يعتبره نوعا من البطولة كما لا يعتبر نفسه "شهيدا"، بل يؤكد أن المسألة برمتها، تتعلق بشعور المرء بمسؤوليته الأخلاقية.
أحادية الرؤية
في الفيلم بعض المشاهد الطريفة مثل تصوير أسانج وهو يتنكر فيصبغ شعره، ويضع عدسات لاصقة، ويرتدي ملابس من الجلد، ويضع قلنسوة على رأسه مما يجعله يشبه راكبي الدراجات البخارية من الشباب، ثم يهبط لكي يختفي في المدينة. وفي مشهد آخر قرب نهاية الفيلم، نرى المغنية ليدي "غاغا" Gaga تقوم بزيارته داخل سفارة الإكوادور قي 2012 (وقيل إنها قضت خمس ساعات معه)، حيث تقوم بتصويره بكاميرا فيديو صغيرة، وتوجه إليه الكثير من الأسئلة، دون أن تترك له فرصة للإجابة عليها.
ربما يعيب الفيلم تبنيه وجهة نظر الشخصية الرئيسية أي رؤية أسانج ومنظوره للقضية، أي أن "مخاطرة" يخاطر أيضا بأن يكون أحادي النظرة، فلاورا بويتراس لا تخفي تأييدها لموقف أسانج بل تعتبر نفسها شريكة في القضية، قضية الدفاع عن حق الآخرين في معرفة العالم بالحقيقة، وهو ما يجعل الفيلم يقع في المنطقة الوسيطة بين الفيلم كعمل سينمائي، والنشاط السياسي لمخرجته. ولكن أليس هذا هو نفس ما يفعله المخرج الكبير مايكل مور!
 
  

قد ينال إعجابكم