نقد سينمائي

مصريون مهددون في "وادي الرمال"

محمد موسى

رغم أن المخرج المصري المقيم في سويسرا "كريستوف مجدي صابر" صور مشاهد فيلمه "المعركة والصلاة" (عنوانه الأجنبي: "وادي الرمال") قبل أربعة أعوام تقريباً، إلا أن عائلته كانت ترفض أن يصل الفيلم للجمهور حينها، وطلبت من ابنها الانتظار حتى تتحسن الظروف السياسية والأمنية في مصر، لتجنب صَبَّ المزيد من الزيت على حياتها المضطربة أصلاً، إذ إن هذا العمل التسجيلي العائلي الحميمي يكشف عن الرعب والاختناق الذي عاشته عائلة المخرج المسيحية في مصر بعد ثورة يناير، ومنذ أن بدأت تهديدات القتل والابتزاز من مجهولين تصل إليهم بانتظام مُجزع، لتفسد أيامهم وقربتهم من الانهيار النفسي.

المفارقة أن يصادف عرض الفيلم الأول على التلفزيونيات الأوروبية (عرض قبلها في الدورة الأخيرة لمهرجان سالونيك اليوناني للأفلام التسجيلية، وسيعرض خلال أيام في مهرجان "هوت دوك" الكندي) وذلك بعد أيام قليلة من العملين الإرهابيين اللذين استهدفا كنيستين في مصر، و دفعا بأسئلة المواطنة والتعايش والأديان في البلد العربي الأكبر بعدد سكانه الى الواجهة مرة أخرى..

عارضت عائلة كريستوف مجدي صابر عرض الفيلم خشية المضايقات

وقد تدفع العمليات الإرهابية الدموية الأخيرة ضد الأقباط في مصر هذا الفيلم بعداً عنيفاً عاماً لم يكن في الحسبان، كما لم يعد ممكناً – على الأقل في الفترة الزمنية القريبة القادمة – مشاهدة الفيلم دون أن تحضر الأحداث الأخيرة كخلفية لليوميات التي سجلها الفيلم، رغم أن هذا الأخير لم يخض كثيراً في تفاصيل أو أبعاد الوضع المصري المتدهور، بيد أن الفيلم التقط مناخاً عدائياً ديني الصبغة، بدأت ملامحه تتضح بعد الثورة الأخيرة ولأسباب عديدة، ولم تبذل الدولة المصرية المهترئة جهوداً فعليّة صادقة لتبديد هذا المناخ، أو طرح مشروع وطني يجمع كل المصريين مهما كانت انتماءاتهم أو ديانتهم.

لم يكن المخرج الشاب موجوداً في مصر وقت الثورة التي أطاحت بنظام حسني مبارك، لكن تأثيراتها ستصل إليه في سويسرا حيث يدرس السينما. ففيلمه يبدأ وهو يقرأ في غرفة مظلمة في البلد الأوروبي رسائل إلكترونية أرسلها لها أهله من مصر يسألونه المساعدة، وبعد تلقيهم عشرات من رسائل التهديد. يحزم المخرج حقائبه ويعود إلى أهله في القاهرة، وسيقضي معهم أياماً في العاصمة المصرية، ويذهب بصحبتهم إلى الدير الذي افتتحوه في الصحراء قبل أكثر من عشرين عاماً، والذي تحول وبسبب أجواء التشكيك والتخوين في مصر، إلى قضية حساسة، إذ إنه فتح باب الاتهامات للعائلة بأنها تؤوي مصريين يرغبون بالتحول إلى المسيحية، رغم أن هذه الاتهامات وكما بيَّن الفيلم يقف وراءها مجرمون مجهولون، عرضوا السكوت عن هذه "الإساءة للدين الإسلامي" مقابل مبلغ مالي كبير.

أججت أحداث العنف الأخيرة وخاصة بعد ثورة 25 يناير المشاعر بين مسلمي مصر وأقباطها.

يقضي الفيلم الكثير من وقته داخل بيوت أهل المخرج في القاهرة والصحراء، وبرفقة الأب "مجدي صابر"، والأُمّ السويسرية الأصل "أناليزا" التي تعيش منذ عقود في مصر. وسيضيف عمل المخرج لوحده دون مصور أو مهندس صوت إلى الحميمية الكبيرة للفيلم، الذي هو في جوهره عن عائلة تواجه أزمة كبيرة، وتحاول عبر الحوارات والتكاتف بين أفرادها أن تجد القوة للخروج من تلك الأزمة. يرفض والدا المخرج الهجرة وترك البلد، ويعتبران التهديدات غير عادلة، والرضوخ لها يُعد ظلما لا يستحقانه. وعندما تتسنى للأب الفرصة النادرة للحديث لأحد المجرمين عبر الهاتف، سيشرح في مشهد طويل كثيرا تاريخ "الدير" الذي بناه مع عائلته في الصحراء المصرية، ويدافع عن وجودهم هناك وعن علاقاتهم الطيبة مع جيرانهم المسلمين في القرية المجاورة.

تطبع القتامة الأوقات التي قضاها المخرج في بلده، ويتشَّكل من محاولات مواجهة المجرمين خط سردي مثير وغير متوقع، فالعائلة التي كانت تتلقى اتصالات التهديد والابتزاز، حاولت مواجهة الأزمة بالاتصال بالمجهولين الذين ينغصون حياتها، لكنهم سينتهون بهواتف مغلقة وأرقام تليفونية تتغير سريعاً. وعندما تقرر العائلة الذهاب إلى بيتها في الصحراء، كان الترقب والخوف بادياً عليها، إذ كشف أحد المهددين بأنه من المنطقة تلك، وأنه يراهم دائماً في طريقهم إلى الدير الذي بنوه، وهم في متناول سلاحه الناري. هذه التفاصيل ستجعل الدقائق التي صورها الفيلم قريباً من الدير مخيفة وقريبة إلى الانفجار.

غلفت أحداث العنف المشهد السياسي في مصر خلال السنوات الست الماضية.

يحاول المخرج أن يخرج من دائرة التهديدات الشخصية لعائلته ويفتح فيلمه على أسئلة أكثر عمومية عن المواطنة والتاريخ والثورة المصرية، فيسأل والده في مشهد من الفيلم إذا كانت التغييرات الأخيرة في البلد قد غيّرت في نفوس أصدقائه والمجتمع المسلم من حوله، ويذهب المخرج في مشهد آخر إلى سطح عائلته في بيتهم في القاهرة ليسمع الأذان، الذي يكشف أنه يفتقد صوته في حياته في سويسرا، وأن هذا الأذان يشكل أحد أصوات طفولته، وأحياناً يقوم بالبحث على الإنترنت لسماع صوت الأذان الذي يذكره ببلده وأهله. كما يخرج المخرج إلى الشارع ليصور أحد الاحتجاجات الصغيرة ضد الرئيس المخلوع محمد مرسي، ويتجول في شوارع تغيرت كثيراً منذ الثورة المصرية، وهي الحدث التاريخي الذي يأسف أنه لم يكن في البلد وقتها ليوثقه بكاميرته.

يبقى المخرج في الخلفية، ولن نراه أو نسمع صوته إلا نادراً، لكن حضوره خلف الكاميرا، وهو الذي كان غائباً عن عائلته لسنوات، سيسهل ويفتح الطريق لوالديه لكي يصلا إلى لحظات المكاشفة والصدق والانكسار العديدة في الفيلم، والتي جاء بعضها مؤلماً وإلى حدود صعبة على المشاهدة أحياناً، إذ بدا في مواضع أن العائلة كانت تودع بعضها وداعاً نهائياً، فأخرجت الأُمّ في مشهد من الفيلم وبعد أن زادت التهديدات لهم، الوثائق الخاصة بحسابهم المصرفي ووضعتها أمام ابنها، لكي يحتفظ بها تحسباً من حوادث عنيفة كانت تحلق في الأفق، وستسقط الأُمّ نفسها على قدمي زوجها الذي كان قد أنهى لتوه مكالمة تليفونية مرعبة مع مجرم يحاول ابتزاز نقود منه. لكن المخرج الذي لم يشأ أن يظهر كثيراً في الفيلم، سيختتم عمله التسجيلي بمشهد طويل له هائل القوة، فبعد أن ودع والديه في مطار القاهرة في طريقه إلى سويسرا، يوجه الكاميرا على نفسه، ويصور وجهه الذي كان يتلبد ببطء، قبل أن تغرق عيناه بالدموع.

بوستر الفيلم

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...