نقد سينمائي

مقارعة المافيا!

جزيرة صقلية حيث تدور أحداث فيلم "ندرانجيتا.. مافيا كالابريا" والتي تنشط فيها "الندرانجيتا" أقوى فرع من المافيا الإيطالية

قيس قاسم

تاريخ السينما يخبرنا أن هناك عشرات الأفلام التي تناولت موضوع المافيا والعصابات المنظمة وأشهرها على الاطلاق "العراب". أكثريتها كما هو معروف ركزت على الإيطالية باعتبارها المنبع، ومنه توزعت الفروع إلى بقية العالم. هوليوود وجدت في قصصها كنزاً لهذا وعند مراجعة تاريخها في صناعة ذلك النوع من الأفلام، نرى أنها أخذت مساحة كبيرة من إنتاجيها وفي الكثير من معالجاتها السينمائية حضر المكان الأمريكي بقوة، فيما تميز المخرجون الإيطاليون بدقة نقلهم للمناخ العام والوسط الذي تتحرك فيه وفيلم "غومورو" للمخرج "ماتيو غاروني" مثال جيد عليها، وبين كل ذلك التوجه كان الوثائقي حاضراً على الدوام، بهذا المعنى سيكون كل ذلك التاريخ؛ مرجعية المخرج الفرنسي "كليمو دودوي"، وهو يتصدى لإحدى أشهر مافيات جزيرة صقلية في فيلمه "ندرانجيتا.. مافيا كالابريا" ومعه ستطرح أسئلة نفسها عليه مثل؛ ما الجديد الذي سيُضيفه في معالجته لها ومن أين سيدخل إليها؟ الاجابة الموجزة ستكون في صالحه.

فالفيلم فيه الكثير من الاختلاف. أولها زاوية التناول؛ فقد ذهب إلى مقارعِيها دون الانشغال الكامل، كما في أغلب الأعمال، بعرض بشاعات جرائمها وهيكيلة تنظيمها والمفاجيء أكثر دخوله ولأول مرة إلى مخابئها السرية وتسجيله مقاطع من اجتماعاتها وغير هذا اختياره الاشتغال على مافيا "كالابريا"، الأقل عرضاً على الشاشة والأكثر نفوذاً وسطوة مالية من غيرها في الواقع، فما يدخلها من أموال سنوياً أكثر من مداخيل شركة بيع المأكولات السريعة "ماكدونالدز" وبنك "دويتش بنك" الألماني العملاق، مجتمعة، هذا الجانب إذا أضيف إليه شراستها وقوة حصانتها وصرامة ضوابط عملها ستتجلي من خلالها شجاعة المتصدين لنشاطها وتحديهم  للمخاطر الجدية، التي تهدد وجودهم وسط "قلاع" غير مسموح مطلقاً باختراقها!.

قرية "سان لوتشيا" الفقيرة لا توحي بوجود مليارات اليوروات فيها. بيوت بسيطة وناسها عاديون متفقون على أمر واحد؛ نكران وجود المافيا بين صفوفهم وهم بذلك يعملون بقاعدة رسخها أجدادهم منذ أكثر من قرنين من الزمن تُلزم الناس بالصمت المطبق. أولى محاولات خرق الوثائقي لجدران المافيا بدأت منها، من القرية المحيطة بمنطقة كالابريا موطن عصابات "ندرانجيتا". ليكتسب معنى أكثر كان عليه كسر صمتهم من خلال التوجه إلى الذين قرروا البوح دون وجل ومن بينهم راهب القرية. اعترف بوجود صلة لأفراد من عائلته برجال المافيات وأن قسماً منهم زُجوا في السجون.

لقطة من الفيلم تظهر اعتقال السلطات الإيطالية لأحد زعماء المافيا في قرية "سان لوتشيا"

يُقَدم الوثائقي إلى جانب من سيسجل مقارعتهم للمافيا، معلومات عن كل ما يتعلق بها، ليجمع بذلك بين الاستقصائي والمعلوماتي ويتخذ من الحركة والمغامرة أسلوباً يقدم به معالجته الجريئة. من الحقائق المذهلة؛ أن زعماء المنطقة، المكونة من 200 قبيلة معظمهم لهم صلة بالمافيا. مجموع ما يحصلون عليه سنوياً من بيع المخدرات وأخذ "الإتاوات"  يزيد على خمسين مليار يورو ومع هذا يصرون على تقديم أنفسهم كأفراد عاديين، وهذا ما يُصَعب عمل الشرطة، لكن الأكثر مدعاة لقلقها استخدام المافيا لغة مشفرة خاصة بهم يتخاطبون بها كتابةً. لفك رموزها كرس المدعي العام "نيكولا غروتيري" سنوات من عمره وأجبرته على العيش تحت إجراءات أمنية مشددة؛ يتنقل بسيارة زجاجها ضد الرصاص وبرفقته ليل نهار حراس لا تغفو عيونهم لحظة، فأي تهاون في حمايته ستستغله المافيا للوصول إليه وتصفيته.

سينضم المدعي العام مع القس إلى قائمة المقارعين الأشداء لنشاطها وسيَنضم إليهم رجل عجوز قتل رجال العصابة ولده انتقاماً لمساعدته أحد أقربائه في الهروب من بين أيديهم. فيما ستضاف إلى القائمة شخصيات أخرى ستشغل حيزاً من مساحة زمن وثائقي توجه إلى قلة شجاعة من الناس لا إلى "المافياويين"، إلا نادراً وبمقدار ما يخدم السياق العام للفيلم.

على عكس الصورة النمطية، حيث رجال الشرطة في الجنوب الإيطالي وبحكم ارتباطاتهم العائلية وخوفهم من انتقامها يتعاونون مع عصابات المافيا المحلية. يسجل الوثائقي حياة رجال لا يهابون الموت ويتقدمون لعمليات تزعج كثيراً زعماء المافيا كعمليات مصادرة المخدرات في ميناء "جويا تاورو" مخبأ اللصوص ومدخل المخدرات القادمة من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا. يزج الوثائقي نفسه في إحدى عمليات سحب سفينة شحن قادمة من كولومبيا إلى مركز التفتيش القريب من الميناء. عملية فرز "الكونتاينرات" المشكوك بها تجري وسط حراسة مشددة. العثور على المخدرات داخلها، بخاصة "الكوكايين" يتطلب خبرة وصبراً، لأن عملية إخفائه تتم عادة باحترافية يُصرف عليها الكثير من الأموال. قيمة ما حصلوا عليه في ذلك اليوم من مخدرات تقدر بربع مليار يورو!. ثمة مصدر آخر من مصادر ثروتها يأتي من "الإتاوات". فكل تجار وأصحاب المصالح الكبيرة في المنطقة مجبرين على دفع إتاوات إليهم، تحت ضغط التهديد. إلى بيت واحد من الرافضين الخنوع لابتزازاتهم يعيش حياته وسط "فيلا" لا يبرحها مطلقاً. يحيطها الحراس مسورة بأسوار حصينة خوفاً من دخول المافيا إليها. يحصل الوثائقي على الفيديو الذي سلمه صاحب معمل أسمنت إلى الشرطة كدليل على ابتزازات المافيا له وكل ما فيه واضح، مثل وضوح الصور الفوتوغرافية التي تُبيّن عمليات حرق معدات معمله، لرفضه بعض المرات دفع الإتاوة لهم. الصورة المتشكلة من أحاديث وتجارب المقارعين للمافيا قادت الفيلم للبحث عن آلية عملها في "كالابيرا".

واحدة من أساليب حماية سرية عمل "ندرانجيتا" إجبار المنتميين إليها حديثاً على أداء قسم السرية ومن بين ما ينص؛ أن يلتزم بالكتمان الشديد وعدم خيانتها والتضحية بكل شيء من أجلها حتى لو تطلب الأمر قتل أفراد عائلته والإقدام على الانتحار في حالة شعوره باقتراب رجال الشرطة منه. ألزموهم الاحتفاظ بـ"كبسولة الموت" وباطلاق آخر رصاصة على الرأس عند الحاجة، كل ذلك مقابل توفيرهم المال والحماية لهم ولعائلاتهم. مافيا حقيقية، المتورط فيها لا يمكنه الخروج منها إلا ميتاً.

لا أحد يدري كيف استطاع الوثائقي الوصول إلى المكان وتصوير مراسم أداء القسم. وثيقة نادرة أصر صانع الوثائقي التزام الصمت حول مصدرها، كما حرص على عدم الإعلان عن طريقة مشاركته في عمليات اقتحام رجال الشرطة لمجموعة أوكار وبيوت كبار زعمائها. روح المغامرة طغت على ظاهر الوثائقي ومشاهد كثيرة منه ذكرتنا بأفلام هوليوود لكن باختلاف "واقعيتها". أما المتن الخلفي فكان جاداً رصيناً، يعرف الفرنسي جيداً أن على المتقدم للدخول في منطقة خطيرة عليه رؤية الأمور بأكثر من لونين، فالحكم بالأبيض أو الأسود على الصامتين لا يصلح في ظل قمع وتهديد جديين، لهذا راح بذكاء شديد يعاين الظروف الموضوعية التي تتحكم في سلوك الجنوب الإيطالي. قبل كل شيء سجل بكاميراته مراحل اقتحام الشرطة ليلاً بيت زعيم قبيلة يدعى "العراب". أكثر ما لفت انتباهه عدم مقاومته وعدم العثور على أسلحة في بيته عكس المتوقع، بعد إلحاحه في البحث توصل إلى الأسلوب الخاص بمافيا المنطقة. فبدلاً من المواجهة العنيفة المسلحة اختاروا الجوانب القانونية، حيث يستعينون بأحسن المحامين القادرين على إخراجهم وتبرئتهم من التهم الموجهة ضدهم.

أحد زعماء مافيا كالابريا

بعد شهر من المداهمة سيسمع بخبر إطلاق سراحه، لكنه في نفس الوقت عرف تكتيكاً آخر يستخدم فيه المقارع الشرس، مدعي عام المحكمة، رجال الاعلام وسيلة لتوصيل رسالة إلى المجتمع بكونهم ليسوا فوق القانون وذلك بالسماح بتصويرهم أثناء دخولهم مقيدين بالسلاسل إلى قاعة المحكمة. لعبة "القط والفأر" عنوان اشتغل عليه الوثائقي وكرس وقتاً جيداً له لأن اللعبة ببساطة لم تنته بعد. على المستوى التحليلي لاحظ قوة تأثير خاصية الجنوب في تبجيل العائلة ولهذا وحين ينضم أحد منها إلى المنظمة يجعلون من كتمان أمره واجباً، إلى جانب عوامل خارجية مثل انتشار البطالة. فمعظم شباب المنطقة عاطلون عن العمل، تستغل المافيات حالتهم وتعرض عليهم فرصا لا يحلمون بها، يصبح التخلي عنها وبعد تورطهم في جرائمها صعباً.

بليِن حاول صانع الوثائقي الوصول إلى عمل معاكس يقوده شاب واعِ يسعى من خلاله إلى منع وصول الشباب أمثاله إلى أوكارهم، وحتى بالنسبة للمتورطين معهم يفتح مشروعه الإصلاحي المجال أمامهم للانتقال إلى أجواء سوية. سيقودنا الوثائقي إلى مكان مجهول. فالدولة وأجهزة الشرطة عند قيامها بين فترة وأخرى بالاستيلاء على أملاك كبار رجال المافيا بعد تأكدها من استخدامها كواجهة "شرعية" يغسلون بها أموالهم. أحد المنازل الكبيرة تحول إلى مركز للشباب وكان من ضمن برامجه الممتعة إشراك الشباب في عمليات الكشف عن "ملاجيء" أصحابها. كل بيت لزعيم مافيا لا بد أن يخصص قسم منه فيه للملجأ السري، بحيث يقدر صاحبه على الاختفاء داخله بعيدا عن أعين الشرطة لمدد طويلة تصل إلى عام كامل. فكرة الاختفاء مثل الفئران مقابل الحصول على مال غير مشروع تنفر الشباب وتدعوهم للتفكير في الواقع من زاوية مختلفة. قريبا منه يستثمر راهب القرية الحقول والمزارع المُسيطرة عليها من قبل الدولة لتشغيل الشباب فيها وطرد الخوف من قلوبهم. رغم تعرضها للتلف المتعمد وحرق محاصيلها يصر القس على مقارعة مرتكبيها. رسالتهم له واضحة: كن معنا أو ستخسر كل شيء، نفس الرسالة وصلت إلى الرجل العجوز، الذي لم يكتفِ بزيارة قبر ولده كل يوم بل أصر على عدم التنازل عن شكواه ضد المافيا. كل تهديداتهم لم تنفع، فالخوف بالنسبة إليه وهْمٌ يمكن السيطرة عليه.

يذهب الوثائقي إلى بحث موضوعات الخوف والسيطرة والقبيلة وغيرها بلين مدهش وبطرق غير مباشرة يمرر مضامينها بين ثنايا فيلمه، الذي جاء على كل ما فيه من تفرد؛ غني المضمون مليء بحقائق ومعطيات عن جهة لم يتورع بابا الفاتيكان من وصفها بـ"المنبوذة". جهة رغم بطشها واستهتارها يقف في وجهها رجال شجعان حاول وثائقي فرنسي، وفي مغامرة سينمائية لافتة تقديمهم إلى العالم. 

قد ينال إعجابكم