نقد سينمائي

منزل في الحقول: تصوير الحياة لا يكفي 

المخرجة المغربية-العراقية "تالا حديد"

أمير العمري

من الأفلام التسجيلية الجديدة التي عرضت في الدورة الـ67 من مهرجان برلين السينمائي فيلم "منزل في الحقول" House in the Fields للمخرجة المغربية- العراقية تالا حديد. والفيلم الذي يبلغ زمن عرضه 85 دقيقة، تريد مخرجته أن يكون الجزء الأول في ثلاثية تعتزم استكمالها مع نفس الشخصيات الرئيسية التي تظهر فيها، مع انتقالها من إحدى قرى جبال أطلس في شمال المغرب، إلى الدار البيضاء ثم إلى أوروبا.

ثقافة الصورة

جاءت تالا حديد أصلا من عالم التصوير الفوتوغرافي، وصدر لها كتاب مصور في الولايات المتحدة، كما أخرجت عددا من الأفلام القصيرة التي يغلب عليها الطابع التجريبي واهتماماتها بالتكوين والتشكيل البصري أكثر من اهتمامها بالموضوع، ثم أخرجت فيلمها الروائي الطويل الأول "إطار الليل" (عام 2014) وهو عبارة عن مشاهد متقاطعة، تدور حول ثلاث شخصيات رئيسية  :كاتب شاب نصف مغربي ونصف عراقي (مثل مخرجة الفيلم) يعيش في المغرب لكنّه يريد أن يعرف مصير شقيقه الذي ذهب والتحق بإحدى الجماعات المسلحة في العراق، ويخوض رحلة البحث عنه عن طريق استجواب من كانوا يعرفونه، ثم يذهب إلى إسطنبول ومنها إلى الحدود التركية مع العراق إلى كردستان ثم بغداد لكنّه ينتهي في بحثه دون أن يعرف أكثر مما كان يعرفه قبل أن يبدأ تلك الرحلة العبثية التي لا يشاهد فيها شيئا مثيرا للاهتمام.

مشاهد من فيلم "إطار الليل"، تالا حديد (2014)

أما الفتاة الصغيرة عائشة (7 سنوات)، فقد اختطفها قواد بغرض تهريبها إلى بلد أوروبي لتشغيلها هناك في سوق الدعارة، وهو بصحبة امرأة يرغمها على ممارسة الدعارة، لكنها متمسكة به رغم نفورها الواضح منه، ثم هناك امرأة فرنسية تقيم في المغرب، فقدت ابنها في ظروف غامضة، تعاني من الوحدة، تقوم بزيارة أمها التي تبدو وقد فقدت النظر وأشرفت على الموت بعد تدهور حالتها الصحية.

هذه القصص المتقاطعة تظهر في الفيلم غامضة مضطربة، ودون أن تتضح مبررات تصرفات الشخصيات التي تظهر فيها، في محاولة من جانب المخرجة- المؤلفة لتجسيد حالة الضياع والوحدة والقلق التي تعيشها جميع الشخصيات ولكن دون نجاح يذكر.

تصوير مظاهر الحياة

أما في فيلمها التسجيلي الجديد "منزل في الحقول" فهي تصور مظاهر الحياة الشاقة التي يعيشها القرويون من سكان قرية مغربية أمازيغية في الشمال، وتتوقف بالكاميرا أمام شخصيات عديدة: رجل يروي تجربته الفاشلة في الهجرة إلى فرنسا عام 1974 بحثا عن عمل، ويصف رحلته من الدار البيضاء إلى باريس مرورا بدنكرك وأماكن أخرى، ليتسلل على نحو غير شرعي إلى الأراضي الفرنسية، وكيف كان يقيم مع مجموعة من المهاجرين مثله في منازل بدائية سرعان ما تتعرض للحرق بالكامل ربما على أيدي الجماعات المتطرفة (أو السلطات)- لا نعرف بالضبط، ثم عودته إلى بلاده بعد أن أصدرت السلطات الفرنسية وقتها قانونا يسمح بدفع عشرة آلاف فرنك لكل عامل مهاجر يوافق على العودة إلى بلاده (هذا الموضوع سبق أن صوره المخرج الجزائري محمود زموري في فيلمه الشهير "خذ عشرة آلاف فرنك وارحل" (1981).

"منزل في الحقول": توثيق وتقديم صورة من قرية ومجتمع لم يتغير منذ مئات السنين على الرغم من مواجهته مع التغير السريع للحقائق الاجتماعية والسياسية في البلاد ككل

من هذا المدخل الذي يرتبط بتجربة البحث عن مستقبل أفضل في فرنسا بعيدا عن الحياة الخشنة القاسية التي لا توفر الكثير للعيش الكريم، ينتقل الفيلم إلى التركيز على عمل الفتيات الصغيرات في الحقول، في غسل ثمار البطاطا، مع الحشائش والتخلص منها، ولكن المخرجة تتوقف بالكاميرا في لقطات منفصلة جيدة في حد ذاتها، أمام كهل يضرب الأرض بفأسه، ثم صبي يتحدث للكاميرا في لقطة قريبة، عن العمل في الحقول، ثم تصور سوق بيع الخضراوات وطريقة القرويين في استخدام الموازين العتيقة البدائية، ثم تنتقل إلى أسرة من الأمازيغ، من سكان تلك القرية: الجدة المسنة ذات اليد المعروقة، والأم الحزينة، ثم الفتاتين الصغيرتين، ومناقشة حول قرار الملك بمساواة المرأة مع الرجل في حق العمل، وكيف نظم الرجال إضرابا من أجل أن تحصل المرأة على هذا الحق، ولكن الفيلم يصبح منذ تلك اللحظة مكرسا بالكامل لمتابعة حياة الفتاتين، الأولى التي تريد أن تواصل دراستها لتصبح محامية، وكيف تتابع دراستها بالفرنسية في مدرسة البلدة، مع الكثير من لقطات للحقول والجبال مع أصوات الآذان ودقات الساعة، وشقيقتها التي تروي للمخرجة عن الشاب الذي تقدم لخطبتها ثم الزواج منها، وأنها مضطرة بالتالي لترك دراستها لكنها تأمل أنه يمكن أن ينقذها من نمط حياتها القاسية ويصطحبها معه إلى المدينة.. أي إلى الدار البيضاء.

مشهد من فيلم "منزل في الحقول"

غياب الموضوع

المشكلة الواضحة في هذا الفيلم وغيره من الأفلام المشابهة، مثل الفيلم التونسي "زينب تكره الثلج" (وهناك علاقة وثيقة بين الفيلمين في المحتوى والشكل) تتمثل أساسا في "غياب الموضوع"، اكتفاء بمتابعة ورصد تفاصيل من حياة الفتاتين وكيف تمران بظروف متغيرة عبر فترة زمنية تستغرق عاما في هذا الفيلم (وخمس سنوات في الفيلم التونسي)، تخبو خلالها أحلامهما التي يهزمها الواقع. ويصبح الفيلم الذي تتتالى مشاهده وتتوزع عبر الفصول الأربعة للسنة، أقرب ما يكون إلى ما يعرف بالأفلام الإثنوغرافية، أي الأفلام التي تتابع تقاليد وعادات فصيلة معينة من السكان في منطقة بدائية معزولة عن الحضارة الحديثة إلى حد كبير. لذلك يطغى تصوير الفولكلور، وتتوقف الكاميرا كثيرا وطويلا أمام مشاهد إعداد العروس للزفاف، إعداد الحنة، قرع الطبول، الأغاني الشعبية، زفة العروس، الأذان، غسل الأرضيات، الصلاة الجماعية، التوقف أمام وجه الأم الصامت الذي يشي بالخضوع للقدر، الموقد البدائي، حمل الحشائش، الطحين، وكثير من اللقطات العامة للحقول. ويتم تقديم كل هذه المشاهد واللقطات باعتبارها "اكتشافات" مثيرة بصريا في حد ذاتها، تحقق ما يعرف بـ"الإكزوتية" في فنون المستعربين والمستشرقين، أي توجد خارج سياق معين. فالفيلم يفتقد بوضوح، إلى وجود "الموضوع"، فمتابعة تطور الحياة لدى فصيل معين من البشر لا يكفي في حد ذاته لصنع فيلم تسجيلي جيد، بل يجب وضع كل هذه الصور واللقطات في سياق موضوع يريد صانع الفيلم نقله للمشاهدين والتعبير عنه سينمائيا، ولكن فيلم تالا حديد يبدو أقرب ما يكون إلى أفلام المصورين الرحالة الذين كانوا يأتون من الخارج إلى تلك المناطق المجهولة لاستكشاف العادات والتقاليد.

مشهد من فيلم "منزل في الحقول"

إلى جانب الطابع الاستشراقي، يعاني الفيلم من البطء الشديد في الإيقاع، من استغراق اللقطات زمنا طويلا على الشاشة، ومن الانتقالات العشوائية أي التي لا تصنع بناء متسقا يتدرج في رواية قصة، بقدر ما تعبر عن مزاجية المخرجة ووقفتها المندهشة أمام أشياء سبق أن تكرر ظهورها في عشرات الأفلام.

قد ينال إعجابكم