نقد سينمائي

مواهب أطفال كمبالا إلى السينما!

قيس قاسم

وجد ريغان في اللاعبين المحترفين في أوغندا مثالاً وغذاء لأحلامه في أن يصبح مثلهم وأن يسجل يوماً أهدافاً حاسمة مثل تلك التي يسجلها اللاعب "فرناندو توريس".

في مصادفة لافتة نقلت السينما وفي وقت متقارب جداً حياة طفلين من أطفال الأحياء الفقيرة في العاصمة الأوغندية كمبالا والغريب اشتراكهما ليس في الموطن الواحد والعاصمة الواحدة وأطرافها بل في امتلاكهما مواهب رياضية وذهنية، بفضلها انتشلا نفسيهما من البؤس. فـ"موبيرو ريغان" برزت موهبته في رياضة كرة القدم، الشعبية المتطلبة مهارات فنية استثنائية وقدرة جسمانية فيما امتلكت الطفلة "فيونا موتيسي" داخلها عبقرية لاعبة شطرنج؛ اللعبة النخبوية الذهنية. ولقوة الطابع التسجيلي للفيلمين؛ الوثائقي الإسباني The Other Kids والروائي الأمريكي Queen of katwe ما يشجع على تقديم مقاربة نقدية لهما.

"ملكة كاتوي" من إنتاج "ديزني" أسلوب مخرجته الهندية "ميرا ناير"، صاحبة "زفاف موسم الأمطار" و"وداعاً بومباي" أبعدته عن نمطية أفلام الشركة العالمية المعروفة بـ"شخصياتها" الهوليودية الروح في الغالب، وقربته كثيراً إلى الروح الأفريقية. عيشها الطويل في أوغندا ومعرفتها بتفاصيل الحياة فيها إلى جانب ارتكانها في عرض القصة الحقيقة للطفلة الموهوبة (لعبت دورها الممثلة مادينا نالوانجا) على منجز الكاتب الأمريكي "تيم كروثرس" الذي أخذها من الواقع وإعادة صياغتها أدبياً، كلها كانت عوامل إضافية أضفت على النص السينمائي أصالة وساعدت على رفع مستواه عالياً.

الفكرة الجوهرية للنص السينمائي الروائي تتمحور حول قدرة الإنسان على تحدي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به، برهانه على القدرات الكامنة فيه واكتشافها مبكراً. فالمراهقة الأوغندية الأُميّة، التي لم تدخل المدرسة يوماً، ما أن وقعت عيناها على تلك الرقعة بمربعاتها الصغيرة وأحجارها العجيبة حتى شغفت بها وفي الأحوال كافة ما كان لها أن تصبح لاعبة شطرنج محترفة لو لا مساعدة "أستاذها" ابن الأحياء الفقيرة مثلها، الذي تعلم الشطرنج واستخدمه وسيلة دفاع ضد غطرسة أبناء الأثرياء، في حين أرادته الطفلة "فيونا موتيسي" منفذاً لمساعدة نفسها وأهلها في التخلص مما هم فيه ومجابهة واقع آخر، أثرياء البلاد يعيشون فيه حياة مختلفة عن حياتها.

لاعبة الشطرنج الأوغندية كان الناس من توجها ملكة على حيّهم

المخرجة "ميرا ناير" أرادت إبراز ذلك الجانب فعرضت في مفتتح فيلمها الرائع والذي أُستقبل بترحيب نقدي كبير، مشهداً يجمع اللاعبة الفقيرة بمنافستها الغنية اللئيمة التعابير والنظرات في نهائي تصفيات البطولة القومية للشطرنج. ذلك المشهد كان في عام 2011 وحتى تتابع مسار الطفلة قبلها تعود بنا إلى عام 2007، حيث الحياة في أحياء الصفيح في "كاتوي" بائسة تُجبر والدتها على بيع الخضروات في الأسواق واستدانة أثمان بضاعتها البسيطة من التجار وفي الغالب كانت تعجز عن سدادها رغم كدح ابنتها في الشوارع، عارضة بضاعتها على الأثرياء داخل سياراتهم الفارهة. يُشبع "ملكة كاتوي" المناخ الذي أحاط بلاعبة الشطرنج قبل تتويجها ملكة، ولأنه مختلف عن أغلب نتاج "ديزني" فقد عرضت مسيرتها كما هي؛ إخفاقات وتحديات، خيبات أمل وصراعات عائلية سببها الأساس الفقر. فجأة ظهرت الرقعة العجبية في حياتها وغيرتها. وفجأة اكتشف الأطفال المحيطون بها ومدربهم أن ثمة عبقرية كامنة في أعماقها لم يلتفت إليها أحد حتى هي نفسها!.

أسلوب شغل المخرجة الهندية رائق معتمد على التصوير والإنارة الخافتة والرهان على تعبير المكان بوصفه بطلاً. فالحي الفقير حي ينمو ويتفاعل بسرعة مع كل إشارة تحول إيجابية في صالحه. في العمق ثمة فكرة تقول؛ إن النجاح الفردي والمساعدة النزيهة لا يتجاهلها الناس لهذا يُتوجون أبطالهم ملوكاً. لاعبة الشطرنج الأوغندية كان الناس من توجها ملكة على حيّهم؛ "كاتوي" كتعبير عن امتنانهم لها وتشجيعاً لموهبتها وإصرارها على تجاوز الواقع وتحسينه. قوة الأمل والمثابرة عناوين بارزة يمليها ظاهر التجربة، لكن قوة الشكيمة والتماسك الداخلي كان يراد له أن يبرز من خلال الحوارات المعمقة المعبرة وقوة تعبير الممثلين، وكالعادة أبدع الصغار في أداء أدوارهم وهم من أعطى الفيلم عفوية وجعلوه حقاً فيلما "عائليا" ودراميا/ تسجيليا في آن وثّق حياة بطلة ارتقت سلم لعبة الشطرنج من الصفر وغيّرت به حياتها وحياة عائلتها.

فالرياضة والألعاب الذهنية في أحايين كثيرة تكون خلاصاً كما كانت للطفل "موبيرو ريغان" في وثائقي الإسباني "بابلو دي لا تشيكا"؛ "الأطفال الآخرون" وأخذت نفس المنحى الدلالي للفيلم الأول بفارق أن قصته نقلها وثائقي صِرف، جميل جمع بين حلاوة روح لعبة كرة القدم وجمال أرواح أطفال فقراء وجدوا فيها مستقبلهم.

المراهقة الأوغندية الأُميّة، التي لم تدخل المدرسة يوماً، ما أن وقعت عيناها على تلك الرقعة بمربعاتها الصغيرة وأحجارها العجيبة حتى شغفت بها

أكثر من مجرد لعبة!

قوة المِثال والجلادة والرهان على الموهبة عناصر توفرت في حياة الطفل الأوغندي "موبيرو ريغان" وكان لا بد من عرضها بكل تفاصيلها عبر ملازمة زمنية طويلة، راهن عليها المخرج الإسباني مستغلاً عوامل التأثير الكروي الكوني على الأطفال في كل مكان ليجري مقارنة بين محترفين من بلاده وبين الأوغندي، الذي وجد فيهم مثالاً وغذاء لأحلامه في أن يصبح مثلهم وأن يسجل يوماً أهدافاً حاسمة مثل تلك التي يسجلها اللاعب "فرناندو توريس". حدة الاختلاف بين العالمين، الأول العالمي/ الاحترافي حيث الملاعب العملاقة المبهرة بجمهورها وخضرة ملاعبها وبين آخر ساحاته الترابية مغطاة بالنفايات ولاعبوه الأطفال يرتدون ملابس رياضية ممزقة لا شيء فيها يشبه تلك التي يرتديها الإسبان سوى الأسماء المطبوعة عليها.

حين شرع الوثائقي في تسجيل حياة ابن الأحياء الأشد فقراً في كمبالا كان عمره وقتها خمس سنوات. سيظل معه طويلاً يلاحق بكاميرته مسار حياته الكروية ليعرف كيف ستنتهي موهبته؟ النهاية الصحيحة أم كما في الغالب تذهب وتتلاشى في خضم انشغالات العيش واشتراطاته القاسية. والدته تخبرنا بأنها تركته للشارع لأنه لا يحب سوى كرة القدم ولأنها فقيرة لا يتوفر في بيتها الطعام أرسلته إلى "القمامة" ليعتاش منها. كان ابن شارع "ماهرا" كما يصفه مدربه "بابيرا أنطوني"، يتدبر أمره ويحصل على ما يحتاج جسده الصغير من طعام للنمو.

تابع الوثائقي صعود فريق "ريغان" إلى نهائيات الأندية المدرسية

وجد فيه موهبة نادرة لاحظها من خلال مراقبته وهو يلعب بين المزابل مع أقرانه كرة قدم. أراد ضمه إلى فريقه وتوفير فرصة تعليم له من خلال حصوله على منحة دراسية/ رياضية. بعض المدارس في العاصمة كمبالا تقبل طلاباً فيها مجاناً شرط توفرهم على موهبة رياضة ما. لم تخلُ حياة الطفل الموهوب من أخطاء، فالشارع يفرض قوانينه. سرق وانضم إلى مجاميع سيئة لكنه كان يتمتع بروح طيبة وحب للكرة تشغله عن الانغمار كلياً في المساويء والشرور. لاحظ ذلك مدربه فعرض عليه العيش مع بقية فريقه الصغير في بيته المتواضع.

لا يغفل الوثائقي، المدهش في مستوى كتابته وتصويره وقدرته على إغناء متنه الحكائي بعناصر حيوية لم تتوقف لحظة طيلة زمنه، عرض الواقع بكل تفاصيله لأن "الأطفال الآخرين" هم نتاجه الموضوعي. هم نتاج بلد غارق في الفساد السياسي والإداري أزماته المالية حصيلة الفوارق الطبقية الحادة وسيطرة لصوص السلطة على المواقع المهمة فلا يعود للفقراء مكان لهم فيها. الجوع يدفع الأمهات للتخلي عن فلذات أكبادهن فيما تمتليء معاصم الأثرياء بالذهب والمجوهرات والساعات الثمينة.

في وسط كل ذلك الخراب ثمة بشر طيبون مثل المدرب المتطوع وأستاذ التربية الرياضية في مدرسة "كمبالا القديمة". يقبل الأخير الموهوبين ويوفر لهم فرصة دخول مدرسته. فأبناء أحياء الصفيح لا فرصة لهم ولا منقذ إلا دراستهم والدراسة في هذه الحالة تحتاج إلى موهبة و"ريغان" يملكها. يراوح الوثائقي بين عالمين غني وفقير لكنه يبحث عن المشتركات. مقابلاته وتسجيلاته شهادات كبار اللاعبين الإسبان تجلي حقيقة؛ أن كرة القدم هي أكبر من مجرد لعبة حينما تقترن بقيم وأحلام مشروعة. هي حلم ملايين من البشر يريدون تحسين أحوالهم منطلقين في البداية من تقليد المشاهير. حلاوة كلام اللاعبين وبخاصة "ماتا" و"توريس" وأهدافه الحاسمة أضفت جمالاً على الوثائقي وخففت من حدته وسوداويته.

الكرة طريق كثير من الأفارقة للخروج من براثن الفقر إلى عالم الأحلام.

 كان على مدير المدرسة مراقبة تطور موهبة "ريغان" وكانت مسؤولية مدربه توفير الطعام له. ربط الموهبة وتطورها بالغذاء المنعدم أصلاً يثير الحزن. انتبه إليه المخرج وراح يجري مقارنة بصرية بين كل خطوة يخطوها الأطفال إلى الأمام وبين ما يتوفر لهم من طعام بسيط. كان الرز الأبيض أهم وجباتهم لكنهم وفي مرحلة معينة حرموا منه وبالتالي حرموا من دراستهم والسبب كان؛ الفساد. سرق مدير المدرسة أموال المنح المخصصة للرياضة وهرب إلى جنوب أفريقيا.

شكل الحدث منعطفاً دراماتيكياً في مسار الوثائقي وأجبره على المضي في ملاحقة مصائر الأطفال بعد أن ذهب كل واحد منهم في طريق. ستبدو محاولة المدرب ومساعديه توفير الحد الأدني لعيش الأطفال ومنعهم من العودة ثانية إلى الشوارع والعيش وسط القمامة مهمة شبه مستحيلة. صراعهم الأخلاقي وتضحياتهم حرص صانع الوثائقي على تثبيتها دون خوف من إغراق الفيلم بـ"انفعالات" حادة قد تفسده. في فصول منه سيلاحق صعود فريق "ريغان" إلى نهائيات الأندية المدرسية فعلى لحظاتها الحاسمة ونتائجها توقف مستقبله.

كان مصيره مرهوناً بفوز فريقه بالبطولة وقبوله ثانية في "كمبالا القديمة". سينجح الطفل وسيذهب الوثائقي لعرض مكنونات ومعاني الرياضة وبخاصة كرة القدم، لأنها هي من أنقذت حياة أطفال كُثر من فقراء أوغندا وغرست فيهم روح العمل الجماعي والتضحية والإصرار على تحقيق الأحلام. كل إنسان عنده حلمه الخاص وحلم اللاعبين الفقراء في العالم كله تقريباً؛ أن يحترفوا الكرة ويصبحوا من مشاهيرها، لكن الفيلم يراهن أيضاً على عرض المنافع المتبادلة بين رعاية المواهب وبين مردوها اللاحق. يعرض أسماء كروية أفريقية مهمة اعتبرت أن الفوز الحقيقي لكل لاعب هو إعادة ما حصل عليه يوم كان معدماً ليستفيد منه طفل آخر موهوب مثل "ريغان". كل لقمة يأكلها تعينه على اللعب أحسن بل وحتى في هز شباك الخصم كما يفعل "توريس".

 

 

قد ينال إعجابكم