نقد سينمائي

موجز لتاريخ الخوف

لقطة من فيلم Metropolis 1927
 
طارق خميس
 
كتب "آرثر كلاك" (الروائي والمخترع البريطاني) مرّة: "من الممكن أن نصبح حيوانات تعيش حياة هانئة كالكلاب المدللة للحواسيب؛ لكنني آمل أن نحتفظ دومًا بالقدرة على سحب فيش الكهرباء إذا رغبنا في ذلك". تحمل هذه العبارة ثلاثة مخاوف مجتمعة من "الذكاء الاصطناعي". 
 
الخوف الأول: حول طبيعتنا البشرية والتي شيئاً فشيئاً ستقذف بها الآلة خارجًا لنصبح بدون ميزة خاصة عن الحيوانات. والثاني: بأن الحواسيب ستتطور لتصبح قادرة على إحداث ذلك. والثالث: بأننا قد نعجز عن إيقاف هذا التطور الذي قد ينهي البشرية بشكل كلي. وذلك لأن "الفيش" - الذي يَفترض سحبه إيقاف كل مسار التطور - قد لا يكون متاحاً. 
 
صاغ آرثر كلارك نص العمل الشهير "أوديسا الفضاء" بالتعاون مع ستانلي كوبريك، وكأنه أراد الاستعانة بأدوات السينما الخيالية (وهل السينما غير هذه القدرة؟) في المشاركة بالتفكير حول هذه المخاوف، وهو ما فعلته تقريباً كل الأفلام التي تناولت "الذكاء الاصطناعي". حتى تلك الأفلام التي استخدمت هذه المخاوف كعناصر للإثارة والتحريك في أفلام الآكشن، كما نجد لدى سلسلة أفلام The Terminator التي قام بدورها الممثل المعروف أرنولد شوارزنجر.
 
أوديسا: بدايات معروفة لنهايات مجهولة
في فيلم أوديسا الفضاء A Space Odyssey  يبدأ الفلم بمشهد ذو إيقاع بطيء لتجمُّع من أشباه القردة، ينشب بينها نزاع، والفريق الذي يتمكن من استخدام بقايا العظام كأسلحة في النزاع، يتفوق على الفريق الآخر. ويمسك القرد المنتصر العظمة التي استخدمها كأداة في القتل ويلقيها في الهواء، تتبعها الكاميرا وبحركة بطيئة تلتّف العظمة في الهواء، لتتحول فجأة لسفينة تسبح في الفضاء، إن ستانلي كوبريك في لقطة واحدة يقترح فهم تاريخ البشرية بوصفه تاريخ القدرة على استخدام التقنية، من العِظام وحتى السفينة الفضائية كان البشر يغزون كل شيء، ويكتبون تاريخهم الخاص خارج السجل الطبيعي للتطور.
 
لقد تنبأ كوبريك بإمكانية ابتكار "هال" وهو الروبوت المتطوّر لدرجة تمكّنه من قيادة سفينة فضائية في رحلة غامضة المهام نحو المشتري، إنه يتكلم ويتفاعل مع المهندسين في السفينة؛ بل ويشرف عليهم في أوقات سباتهم الطويلة، وإن كان كوبريك غير متأكد من امتلاك "هال" لعاطفة، (كما عبر عن هذه الجملة على لسان أحد أبطال الفيلم)، إلا أن سؤال العواطف لا يبدو ضرورياً؛ في تصورات تقنية لا ترى العواطف سوى منتج عرضي لتطور الإنسان، لا تشكل بالضرورة جوهر نوعه.
اليوم نحن نعرف أن التنبؤ بوجود "هال" لم يكن دقيقاً، لأن ما كان لدينا فعلاً هو روبوت "روفر" على كوكب المريخ والذي يمتلك ذكاء قريب من الحشرة.
 
لقطة من فيلم "أوديسا الفضاء"
 
تاريخ قادم من المستقبل
يبدو "الآخر" الجديد للإنسان هو الآلة، وهو آخر لا تفرضه هواجس الماضي (كما كنا مع الحيوانات) وإنما تقترحه هواجس المستقبل. إن أفلام "الذكاء الاصطناعي" منذ بدايتها تعمل في المستقبل، فهي دائمًا تشير لمستقبل ما، ولذا فإن تتبعّها يعدّ عملًا تاريخيًا من حيث النزعة؛ ولكنه التاريخ وقد كفّ عن كونه كذلك، إنه تاريخ بقدر ما هو مستقبل، أي إمكانات تجعل من المستقبل تاريخ ومن ثم تُرتِّب الخوف اللازم عليه وتشتبك معه، هذه هي لعبة السينما المدهشة بالزمن. 
تحدّيات هذا الحقل قادمة من المستقبل، وكون المستقبل لم يأتِ بعد فجعله حاضراً هي وظيفة السينما، فمن غير السينما يقدر على ثنيّ الزمن وجعل المستقبل مرئياً ؟! .. 
 
"لا يعيد الفن إنتاج المرئي، بل يجعل اللامرئي مرئياً" على حسب تعبير بول كلي، والسينما في الذكاء الاصطناعي تجعله مرئياً ومخيفاً معاً. فلا شيء يدفعك للانخراط في تأملّه، دون أن يثير فيك الإحساس الخفي بالرهبة.  إننا نخاف على "أنفسنا" نحن النوع الفريد بين الكائنات، وخوفنا هو طريقتنا لحماية ذواتنا في الغابة، والإحساس بها أمام النار. والسينما تدافع عن حقها في أن تكون ناراً حديثة للإنسان؛ تبعث فيه الخوف ليحمي نفسه، ويشعر بها في آن واحد.
 
تقع أحداث فيلم "العاصمة" Metropolis 1927، في عام 2026 والمسألة فيه لا تتجاوز صناعة روبوت من قبل عالِم شرير (سيتحول للعلم وحسب، في أفلام لاحقة) يقود ثورة العمال ضد النخبة الحاكمة، ويهدم النظام الاجتماعي.  يبدو الفيلم متأثراً بالنقاشات الاجتماعية وقتها، والماركسية في قلبها. من حيث افتراض طبقة عاملة يُحرّضها "روبوت!" صنعه الأغنياء والعلماء الأشرار.
تخلق الرأسمالية نقيضها (بدرس هيجلي قديم)، ويثور العمال عليها (بدرس ماركسي أصبح قديمًا أيضاً) لكن هذا التناقض الجدلي الذي لعبت فيه الآلة دور الوسيط، يتحول شيئًا فشيئًا في السينما لتحلّ الآلة في الطرف المقابل للجدلية، إن الآخر هو الآلة و الــ"نحن" ليس "الطبقة"، بل الإنسانية نفسها. 
 
قبل صدور الفلم بسبعة أعوام (1920)، كانت كلمة "روبوت" تحمل دلالتها لأول مرّة، في مسرحية تشيكية لكارل كابك، حيث يوجد معمل يدعى "معمل روسام العام للروبوتات" مهمته إنتاج جيش من الروبوتات للقيام بأعمال دنيوية، (وهذا ما تعنيه كلمة "روبوت" في اللغة التشيكية "العمل الحقير")، تُعامَل الروبوتات بشكل سيء فتثور ضد أسيادها من البشر، وتقتلهم وتقتل أيضاً العلماء الذين يمكنهم إصلاحها وصنع روبوتات جديدة. لكنها كما الإنسان الأول تستقلّ عن الآلهة؛ ليكتشف "روبوتان" متميزان إمكانية إعادة التناسل بينهما في إعادة لقصة آدم وحواء.  
 
وعلى النقيض من ذلك كان فيلم "الساحر أوز" The Wizard of Oz 1939 يحمل أمنيات طفولية الطابع، حول تحويل الأشياء لبشر. دون أن يحمل وعيًا داخلياً للطبيعة الفاصلة بين البشر والأشياء. ولدينا "بينوكيو" الدمية التي تريد أن تصبح صبياً حقيقياً (وهي أمنية حققها لها المخرج سبيرلنغ)، والرجل القصديري الذي حلم بأن يكون له قلب (وهي أمنية اشتغل عليها فلم Her لاحقاً) لكن وقتها كان "الذكاء الاصطناعي" مازال يخطو بخطى ثقيلة ومعه خيالات السينما كذلك.
 
لقطة من فيلم Her 2013
  
النظام الذي يلغي نفسه
وفي قفزة إلى فيلم  I, Robot 2004 نجد معالجة مختلفة، حيث ينتج البشر النظام الذكي "فيكي" ووظيفته خدمة البشرية حيث يحمل عنها مجمل المهام داخل المدينة العصرية، يسأل الروبوت نفسه يوماً سؤالاً بسيطاً وهو: "من هو العدو الرئيسي للبشرية؟". ليستنتج بأنهم البشر أنفسهم: "البشر هم أسوأ عدو للبشرية". ولذلك فالحل يكمن في استعباد البشر وخلق ديكتاتورية آلية لتحمي البشر من أنفسهم. 
 
والفيلم يحمل اقتراحًا لتلك اللحظات التي تفلت فيها الآلات من قبضة "فيش" الكهرباء، ليس بكونها تمكنّت من وعيها بنفسها، ولكن من خلال وعيها بمهامها بطريقة رقمية بحتة. أي من خلال الذهاب بذكائها لأقصاه. أُنشئت الآلات بحسابات رياضية في فهم الصالح والضار لخدمة البشرية، وهي حسابات قادت الروبوتات لاستنتاج الديكتاتورية كنظام عقلاني في تحقيق صالح البشرية العام.
 
 تبدو الروبوتات هنا كما لو كانت تستقي من إرث بشري حول السلطة، فالديكتاتوريات ترى في الناس العجز عن إدراك خيرهم بأنفسهم، ولذا فالحكم المستبد من شأنه أن يوفر لهم الخير العام. وهي بذلك مصنوعة من نفس المادة المنطقية التي ترى الخير كنتيجة لعملية حسابية، مهملة بذلك كل الكسور العشرية التي تتضمّن إمكانية الخطأ كجوهر كامن في الطبيعة البشرية، بل وكامن أيضاً في طبيعة الخير نفسه، والروبوت كما الديكتاتور أحال البشرية لكائنات رقمية يمكن قراءتها.
 
ليس غريباً إذن، أن الدولة الحديثة المقرونة عادة بوسائل ضبط ومراقبة عالية، لا تستطيع ممارسة سلطتها دون تحويل الناس لأرقام، أو إلى "سكان" بلغة مهذبة.
 
"العقل" لم يعد يبهر أحدًا
تعاملت السينما فيما مضى مع "الذكاء الاصطناعي"  كما لو كان استفزازاً عقلياً، لميزة طالما احتكرها الإنسان وهي الذكاء. ولكن شيئاً فشيئاً لم يعد الذكاء كذلك، ربما لأنه بدأ يتكاثر كالفطر في كل مكان (إنه حتى في جيبك)، من "الصواريخ الذكية" وحتى "الهواتف الذكية"، إن كل الأشياء حولنا باتت تنال نصيب منه. يبدو أن الذكاء لم يعد يُبهر أحداً، وعلى الإنسان أن يبحث سريعاً في خصائص تعريفه ليعاود امتحانها أمام الآلات.
 
لذا اتجهت السينما حديثاً إلى قلعة الإنسان الأخيرة: "الوجدان". نحن أمام أعمال سينمائية مشغولة بــ"وجدان الآلة" بدلاً من عقلها، كما نجد عند المخرج سبيلبرغ في فلمه Artificial Intelligence: AI  حول طفل آلي يمكنه أن يحب. 
وفي فيلم Her 2013 نجد آلة يمكنها أن تحل عاطفياً مكان شريك الحياة، وبكفاءة أفضل. أو آلة يتطور وجدانها لتوقع الآخرين بحبها، وتقع هي لاحقا في حب نفسها كما نجد في فيلم Ex Machina 2015.

قد ينال إعجابكم