نقد سينمائي

مومباي عالياً

قيس قاسم

لأول مرة في تاريخها تدخل "بوليوود" إلى السينما الوثائقية من بوابة Mumbai High: The musical وسيسجل تاريخ السينما الهندية أن مؤسسة بريطانية، لا هندية، تولت إنتاجه وأخرجه إنجليزيان هما: بريان هيل وسام بينستيد. مع تلك المعطيات الإنتاجية يخطر على البال سؤال منطقي: إذا كان الانتاج لل"بي بي سي" والإخراج بريطاني فمن أين إذن جاءت إليه "بوليووديته"؟ قد يكون الجواب المناسب في هذه الحالة: "من روحه وأسلوبه السينمائي"!.

روح فيلم "مومباي عالياً: المسرحية الاستعراضية" هندية وأسلوبه السردي يشيع مناخاً بوليوودياً، لعبت موهبة مؤلفة موسيقاه الهندية الأصل "ناينيتا ديساي" دوراً مهماً، لا يقل عن دور مخرجيْه، في نقل روح مدينة مومباي إلى المشاهد عبر أغاني الفيلم، التي كتبتها وألفتها بنفسها، أو في الحقيقية فصّلتها على قياس حكايات أبطاله، طلاب مدرسة "فيديالايا سكول" في  منطقة "دارافي"، العشوائية الأكبر في الهند وآسيا كلها! نقلت فيها مشاعر طلابها وأحلامهم بأصدق التعابير وأبسطها مع الحرص على الاحتفاظ طيلة الوقت على رقي مستواها الفني وملاءمتها "درامياً" لكل شخصية فيه، من دون الحاجة إلى بهرجة العروض المعتادة وفي تغييب متعمد للإيقاعات الصاخبة.

من المفيد الإشارة وقبل كل شيء إلى تنازل المخرجين البريطانيين عن بعض شروط الفيلم التسجيلي التقليدية لصالح الفني والجمالي، لاعتبارات فرضها متنه الحكائي عليهما، كونه يعتمد في الأساس على الموسيقى وحوارته (المونولوج) كتبها عملياً أطفال المدرسة بأنفسهم فجاء شاعرياً عفوياً، كما تجلى في المشهد الافتتاحي حين تداخلت أناشيد الصباح، التي كان ينشدها الأطفال وهم في طريقهم إلى المدرسة، مع صوت المطر الموسمي "مونسون" المنهمر بشدة فوق أجسادهم. مشهد شاعري عابر يفضي إلى مشهد عام قاتم كُتبت تفاصيله بكاميرا رائعة ظلت طويلاً تصور داخل المدرسة، لأنها ليست المكان الذي يتعلمون فيه فحسب، بل هي بالنسبة إليهم الحلم والأمل بحياة أفضل من تلك التي يعيشونها في بيوت الصفيح البائسة. أخذ الوثائقي عينات لطلاب في مرحلتي؛ المتوسطة والثانوية وكتب فصول من حياتهم، فيما أخذت كاتبة الموسيقى أجزاءً أو فصولاً من تلك الحيوات وألفت لسردها أغاني تعبر عنها بدقة. كل وقفة لها أغنية ينشدها صاحبها برفقة طلاب آخرين وكأنهم يشرحون لنا بها مشاعرهم والحالة النفسية التي يمرون بها ومن هنا جاءت روحه البوليوودية وتبلورت على شكل مشاهد سينمائية لها خصوصية المكان ولغته.

تراعي إدارة المدرسة الظروف الصعبة التي يعيش فيها طلابها، فتحرص على تأمين بعض احتياجاتهم للحفاظ على نظافته أجسادهم وملابسهم. توزع عليهم مساحيق الصابون مجاناً وتشترط عليهم الالتزام بالحضور إليها بمظهر مناسب. يبلغ عددهم ألفاً وخمسمائة طالب، أغلبيتهم من سكان الأحياء العشوائية، الأشد فقراً في مومباي، وهناك عدد قليل من أساتذتها يعيشون في نفس المكان. ثمة تفهم جيد لأحوال الطلبة وحرص واضح من كادرها التعليمي على انتشالهم من بؤسهم وفقرهم من خلالها.

كل طالب من العينات المختارة له ظروفه الخاصة لكنهم يشتركون جميعاً بالفقر والحرمان من أبسط شروط الحياة السوية وكثرٌ منهم يأتون إلى المدرسة جياعاً. فـ"ميري" البالغة من العمر 14عاماً تعيش مع أهلها في الشارع القريب من سوق "غاندي" تنام الليل على الرصيف. لا سقف فوق رأسها يحميها سوى خرقة قماش مهترئة ومع هذا تذهب كل صباح برفقة أختها الصغيرة إلى المدرسة جائعة دون فطور، كلها طموح في الحصول على شهادة دراسية وحلم القبول في نادي كرة القدم التابع للمنطقة. مع أختها تنشد أغنية ساحرة مستوحاة من النشيد المدرسي الصباحي المفعم بالأمل وحب الحياة والمدرسة التي يلعبون فيها ويتعلمون. لـ"ميري" حس طبقي لافت تعبر عنه كلما أتيحت لها الفرصة، فالعيش في الشوارع يعلم الإنسان أن ثمة لا عدالة صارخة في البلاد؛ الأثرياء يعيشون في بيوت نظيفة وجميلة والفقراء ينامون شبه عراة في الشوارع وفي أحياء الصفيح التي لا تحميهم من حَر الصيف ولا تقيهم من بَرد الشتاء.

حالة "ميري" تقلق مديرتها لأنها تأتي صباحاً على معدة خاوية مثل الكثير من الطلاب. لا تستوعب الدروس جيداً وتعاني من صداع دائم، ولهذا السبب لجأت المدرسة إلى توفير وجبات غداء بسيطة. المشكلة فيها أن أعدادا كبيرة منهم، وعلى رخصها، غير قادرين على دفع أثمانها!. عن الطعام وندرته يغني طلبة الصف السابع أغنية حزينة لا تخلو من إحساس بالظلم والتمييز الاجتماعي. الغريب أن أغنيات الوثائقي كتبت كلها في الأصل بالإنجليزية ثم تمت ترجمتها إلى عدة لغات محلية لتتناسب مع انحدارات الطلاب العرقية ومع ذلك حافظت على حلاوة روحها وعلى سلاسة إنشادها.

يلاحظ مشاهد الوثائقي البوليوودي الأول جمال اللقطات المقربة فيه إلى جانب الخارجية الواسعة ما أعطاه قوة زخم بصري تغيب عادة عن الأفلام الوثائقية العادية وبخاصة الاستقصائية التي تركز على الموضوع بشكل أساس، يلتفت الفيلم إلى جانب جيد في النظام التدريسي الهندي يتمثل في توفيره منحا دراسية مجانية للطلاب المتفوقين وعليها يقبل الفقراء لشح المال عند أهلهم ويمثل الحصول عليها حلماً للطامحين منهم بالوصول إلى الجامعات.

"أشيش" تلميذ طموح ومرح يريد الحصول على المنحة ليضمن لنفسه الاستمرار في الدراسة والدخول إلى كلية الطب. يحلم أن يصبح جراحاً ناجحاً يساعد الفقراء وفاقدي البصر المحرومين من رؤية جمال الطبيعة وألوانها الزاهية. مع أغنية "ألوان" ينقلنا الشريط  من المدرسة إلى خارجها حيث الشمس تسطع فوق الحقول والأزهار تشع ألواناً، هي ثروة الفقراء في عالمٍ تذهب الثروات فيه إلى الأغنياء فقط. طموحه ليس أقل من الصبية "ايفات" الموهوبة باللغات والرياضيات. والدها مدرس في المدرسة يحصل على دخل جيد من دروسه الخصوصية لكنه مجبر على العيش في بيوت الصفيح لأن كل ما يحصل عليه من مال يدفعه لعلاج ابنته الصغيرة.

تدرك "ايفات" تضحية والدها وتريد أن تجازيه عليها بنجاحها مستقبلاً، باللغات الست التي تجيدها تغني عن العائلة وتضامنها والأمل في شفاء أختها يوماً من مرضها، عينات قليلة بالكاد يلحق الوثائقي على رصد عالمها وكتابته بالموسيقى لكن ثمة مشتركات عامة تجمعهم مع بقية أقرانهم.

يُقسم المخرجان عرض المشترك بينهما إلى قسمين؛ الأول توجز مضمونه (الامتحانات السنوية ونتائجها) والثاني تكثفه (دروس الإنشاء) التي يسطر فيها التلاميذ مشاعرهم الشخصية والقسمان جرى التعبير عنهما بلغة سينمائية عمادها هذه المرة الموسيقى إلى جانب العنصر الثابت: الصورة. الجامع بين التلاميذ، وعلى اختلاف مستوياتهم الدراسية، حبهم للمدرسة، فهي منفذهم إلى حياة وحين يتخرجون منها ستتوفر لهم فرص الانتقال من حالة البؤس التي تخيم على بيوتهم إلى أوضاع أحسن. في داخل "بيوتهم" مشاكل لا تنتهي والمفارقة أنه وبسبب شح المال يضطر ساكنوها ـفي حالة تأخرهم في تسديد إيجاراتها الشهريةـ  لتركها والبحث عن أمكنة أخرى تُبعد التلاميذ عن مدرستهم وتزيد من معاناتهم في الوصول إليها،انعكاس الوضع الخارجي بوضوح على حياتهم العائلية. فالفقر والبطالة والأمراض تنغص حياتهم داخل جدرانها المهترئة والعاجزة عن حماية خصوصياتهم. أما المرأة فهي الأكثر عرضة للأضرار والاستغلال في ظل وضع طبقي واجتماعي ما زال يميز بين الجنسين بحدة.

يسجل الوثائقي حالات انتحار وقتل وشجار عنيف أثناء تصويره المنطقة ولعرضها يجري عملية مزج مونتاجي رائع بين الصورة وبين كلمات الأغاني التي تسرد تفاصيلها الدراماتيكية. التمييز الحاد بسبب الفقر والشعور العام بكراهية الأغنياء لهم، تجسدت في الوثائقي من خلال جمل عابرة قالتها تلميذة لم يتجاوز عمرها عشر سنوات أثناء حوارها مع فريق العمل. كلمات شجعت المؤلفة الموسيقية على كتابة نص خاص بها يناسب مضمونها الداعي إلى فرض ضرائب كبيرة على آدميتهم!" أما البراءة فهي المشترك الأعظم بينهم. مع كل فقرهم تراهم يتراكضون مبتسمين مرحبين بالحياة مفعمين بالأمل في رؤية مستقبل أفضل لهم ولأهلهم.

تفرض ريادة الوثائقي "البوليوودي" التوقف عند أسلوبه والتدقيق في مقدار صحة انتسابه إلى تلك المدرسة الهندية الخاصة، والمتمثلة في طغيان الحلمي فيها على الواقعي. اللافت في الفيلم  وبسبب طبيعته أسلوبه السردي المازج  بين الغنائي والحكائي، عدم قدرته على المضي بعيداً في التراجيديات الشخصية، كما يجري عادة في الأفلام الهندية، لأن صناعه رفضوا منذ البداية أن تأتي "البكائية" على حساب "الواقعية" ومع هذا ظل مستوى "الدرامي" فيه عالياً، خففت نسبياً من طغيانها حلاوة الأغنيات وسلاستها.

إلى جانب كل ذلك يظل الإحساس بغيات "الهوية السينمائية" ملازماً لمُتابعهِ وربما يعود سبب ذلك إلى حداثة هذا النوع من الشغل السينمائي الشديد التنافر. فالايقاعات الموسيقية البوليوودية السريعة وخفة الحبكات الدرامية فيها تبدو ـ هذه المرة ـ غريبة وغير متآلفة مع "الجدية" والانضباط الدرامي الذي أراد صانعوه تجييره لخدمة التوثيق لا العكس. أما العنصر الأهم فيه فيتمثل؛ في توفيره متعة الفرجة بأعلى درجاتها وبها حقق عنصراً أساسياً في معادلة الفيلم الناجح، إلى درجة أصبح صعباً على مشاهده الفصل بين موضوعاته الاشكالية وبين الرغبة الشديدة في المضي مع موسيقاه إلى أبعد المديات.

هل كان ذلك انجرافاً نحو "الهندية" على حساب الوثائقية؟ ليس تماماً، لكن ثمة شيئا من هذا قد حدث في الفيلم لم يظهر بشكل فاقع لأن روحه المتفائلة قربته كثيراً من رائعة داني بويل "المليونير المتشرد" وأبعدته بمسافة معقولة من عاديات السينما البوليوودية.

 

قد ينال إعجابكم