نقد سينمائي

"مُرتزق"

 
أمير العمري
 
من أجمل الأفلام الأولى التي تعلن عن موهبة سينمائية جديدة فيلم "مرتزق" Mercenaire للمخرج ساشا وولف عن الغربة والاغتراب والخروج عن طوع الوالد، ومغادرة الأرض أي الأصل، وقبول العمل كمرتزق، وعن الإحساس الداخلي بالرغبة في تحقيق الفوز، في الانتصار على الآخر المتعجرف، وإثبات الذات وفي الوقت نفسه التمرد على "الوطن" والرغبة من الفرار خارج أسواره وأسوار التقاليد المقيدة، بما يمثله الوطن من خضوع للأب - السيد، والخضوع للقدر والمكتوب.
 
ليس من الممكن نسب فيلم "مرتزق" ببساطة إلى ما يعرف بـ "أفلام الألعاب الرياضية"، أو الرياضات. صحيح أن بطله الشاب "سوان" وهو في العشرين من عمره، يتوق لأن يصبح أحد أبطال رياضة "الراجبي" العنيفة وفي الفيلم الكثير من مشاهد هذه الرياضة، لكن الفيلم أعمق كثيرا من هذا، فمشاهد ممارسة الرياضة العنيفة في الفيلم ليست مقصودة في حد ذاتها في سياق استعراض خطورة اللعبة، بل لاتخاذها "كناية" عما يتعين على الوافد الجديد من مجتمع آخر في جزيرة تابعة لكاليدونيا الجديدة (المستعمرة الفرنسية في جنوب المحيط الهادئ) لخوض غمار اللعب في فرنسا التي ينتمي من ناحية الجنسية إليها، لكنه يظل غريبا قادما من الخارج، سجينا في شكله وتكوينه وتقاليده وانتمائه العرقي والثقافي رغم أنه يتحدث الفرنسية بطلاقة.
 
 الفيلم مرثية لشاب يبحث عن التحقق خارج نطاق مناخ القمع الأبوي المباشر، وما يتعين عليه أن يفعله لكي يحقق حلمه بإثبات الذات، عبر تحقيق التفوق والجدارة بالوصول الى النجومية في مجتمع يعاديه ويسخر منه وينظر إليه باعتباره كومة من اللحم الرخيص تماما مثل أي عاهرة تبيع أو بالأحرى تؤجر جسدها لقاء المال، أو باختصار "مرتزق" يبيع قوته البدنية لمن يحققون المكاسب المالية من وراءه ويحصل هو على الفتات.
 
 
سوان لا يسعى للمال من أجل المال أو بدافع الشراهة والجشع، بل إنه يمنح كل ما لديه للفتاة الروسية التي يحبها والتي يرى أنها تشبهه في كثير من النواحي، فهي مثله تمنح جسدها لآخرين دون أن تنتظر الشكر، بل لكي تلقى بعد ذلك كل ألوان الإهانة. غير أن علاقته بها، حبه الحقيقي لها وكرمه الكبير معها، وتقديره واحترامه لها لا تثمر، فالابنة التي تنجبها لا تعرف هي ما إذا كانت ابنته أم ابنة شخص آخر، ورغم أنه لا يعترض أو يمانع إلا أن الفتاة تفرّ في النهاية وتبتعد عنه، فربما تشعر أيضا بالغربة عن هذا الكائن الغريب!
 
جاء سوان من "كاليدونيا الجديدة" مدفوعا بالرغبة في تحقيق حلمه واستغلال جسده البدين القوي، ولكنه يواجه معارضة شديدة من جانب والده المتجهم الذي يرفض السماح له بالسفر مع الرجل الذي أغواه بالفكرة ووعده باللعب لحساب ناد رياضي في فرنسا. يتعرض سوان للجلد العنيف الذي يحفر آثارا عميقة في ظهره تبقى مدى الدهر، لكنه يصرّ على الرحيل ويرحل بالفعل لكن مع وصوله إلى باريس يعلم أن النادي الذي كان يريده قد تخلى عنه، فيلجأ إلى قريب له لا يقل شراسة عن والده بل إنه يستغله ويقدمه إلى ناد محلي في بلدة بعيدة، ويقرضه بعض المال الذي سيعود ليطالبه به مهددا حياته منزلا به عقابا بدنيا صارما.
 
هنا يجسد الفيلم قسوة الأصول القريبة التي تعكس رغبة دفينة في تصفية كل الخلافات بالعنف، ولذلك يتعلم سوان الدرس، فبعد أن يشتدّ عوده يتجه لكي يضرب بسلاح العنف أيضا ليرغم من يهدده على الاستسلام وإعلان التوبة. هذا ما يحدث مع قريبه هذا ثم فيما بعد، مع والده.
 
الواقع في الجزيرة ثابت لا يتغير بل غير قابل للتغيير.. الطبيعة بديعة، ولكن الدائرة مغلقة. وعندما يتواجه سوان مع والده بعد عودته إلى بلده رغبة في استرضاء الوالد والحصول على عفوه عنه والسماح له باصطجاب شقيقه الأصغر معه، يصر الأب على رفضه، بل يحاول أيضا الاعتداء عليه، فيتصدى له وينتزع البندقية من يده بالقوة مما يؤشر للرجل إلى أنه أصبح عجوزا وفقد قدرته على البطش أمام سوان الذي لم يعد طفلا بل شب عن الطوق.. وأصبح الآن رجلا.
 
 
يمضي سوان مصطحبا معه شقيقه الصغير ليعود إلى فرنسا، ليواجه الاثنان واقعا ربما يكون أكثر قسوة ولكن أين المفر؟ سيموت الأب مباشرة بعد أن يفقد سلطته البطريركية، ويعتبر مشهد دفن الأب وحده أحد أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها تأثيرا، وفيه يتم المزج بين التقاليد المتوارثة القبلية للسكان الأصليين في الجزيرة وبين القيم الكاثوليكية المسيحية التي امتزجت معها، ولا ننسى أن سوان نفسه نزل إلى باريس في البداية دون حقيبة، ولكن متسلحا بالكتاب المقدس. 
 
الفيلم شهادة ميلاد حقيقية وبيان على موهبة المخرج ساشا وولف المدهشة، في توظيف الأماكن، ودفع الدراما داخل الفيلم بحيث يجعل من فيلمه - ليس مجرد دراسة لشخصية من عالم آخر - بل عمل مجازي عن تناقضات العيش في مجتمع مختلف، واتخاذ الصراع البدني العنيف في اللعبة مرادفا للرغبة في قهر النفس واكتساب الاحترام، والبحث عن الحب الذي لم يجده بطلنا الشاب في محيط الأسرة، والمعاناة الدفينة بسبب تخلّي الأب عنه ورغبته في اكتساب اعترافه مجددا وهو ما يدفعه للعودة ومحاولة استرضائه التي لا تجدي.
 
ومن أبرز معالم الفيلم دون شك، هذه الموهبة الجديدة المدهشة للممثل الجديد "توكي بيلوكو" الذي يندر أن تراه يتحدث في هذا الفيلم، بل يعبر بوجهه وجسده، بالتفاتاته الحزينة، ونظرات عينيه، يصمت ولكن صمته أقوى من طلقات المدافع.. يميل للتسامح انطلاقا من إيمانه الديني لكنه سرعان ما يدرك أنه يتعين عليه أن يواجه القوة بالقوة.. فهذه هي أصول اللعبة هنا خاصة بعد أن يتعرض لمحاولة القتل من طرف زميل له، لاعب فرنسي يشعر بالغيرة منه ومن تفوقه بل ومن استطاعته اجتذاب الفتاة الروسية الجذابة.
 
إنك تتابع هذا الفيلم كالمسحور، حتى النهاية، تسير مع بطله في معاناته، ترى العالم من خلال نظراته، وتتفاعل مع ما يتعرض له من مشاق، ولكن دون أن تسقط في العاطفية فالفيلم لا ينحرف في اتجاه الميلودراما، بل يبرز تحكم مخرجه في مسار السرد، دون أن يحيد لحظة واحدة عن موضوعه وعن شخصيته الرئيسية.   
 

قد ينال إعجابكم