نقد سينمائي

نخيل الكاميرون المنهوب.. عن مطامع المستثمرين في الثروات الطبيعية

سهى صباغ

"نخيل الكاميرون المنهوب" فيلم بثته الجزيرة ضمن سلسلة "عالم الجزيرة" عام 2015

هناك في بلاد الفقر الطبيعة ثرية، شعوب تضمها الغابات والأشجار، وتصيبها العين التجارية التي تُخطط لقطعها وإنشاء مزارع لزراعة النخيل على نطاق واسع واستخراج زيت النخيل. مُناخ غرب أفريقيا مناسب لهذه الزراعة، كذلك القاعدة السياسية لتلك الشركات المتعددة الجنسيات يناسبها أن تصبّ المال والأرباح في خزائنها.

"نخيل الكاميرون المنهوب" فيلم بثته الجزيرة ضمن سلسلة "عالم الجزيرة" عام 2015، حيث يعرض عملية النهب التي تنتهي أخيرا دون أن نشعر بها ونحن نطالع المنتجات التي يدخل فيها زيت النخيل على رفوف المحلات التجارية، وذلك من أطعمة وحلويات ومواد تنظيف وغيرها.

إن كانت صناعة زيت النخيل قد بلغت كلفتها 43 مليار دولار، فتخيل مدى الأرباح التي تدرّها الشركات المنتجة مثل شركة "هيراكليز" و"سي دجي سوك". المطامع المالية تصل بالإنسان إلى أماكن بعيدة نائية، طبيعة بكر تشم رائحة فوائدها عن بعد آلاف الهكتارات.

 

وعود إنمائية.. هل يصدق المستثمرون؟

يمشي أحد المواطنين في الغابة التي ربما لم يعرف في حياته كلها غيرها، يلتقط ثمرة عن الأرض ويُخبر عن فوائدها الصحية، كيفما امتدت يدك تعطيك الطبيعة ولا تبخل، ويردد "إن ما تمنحه الأرض لي هو أكثر مما ستمنحه الشركة".

كما نعلم، ففي كل شيء ربح وخسارة، حتى التكنولوجيا التي اقتحمت حياتنا، فوسائل النقل مثلا ساعدت باختصار المسافات، لكنها ساهمت بشكل كبير في حرمان الإنسان من حركة الجسد، حيث تقلصت قدرته على التحمل ولم يعد كالسابق، فباسم الحضارة والتطور تُنتهك الأرض والطبيعة وحتى أجساد البشر.

يأتي اللاهثون إلى الأموال من بعيد ليأكلوا رزق سكان لا يعرفون من العالم سوى غابتهم الممتدة التي لا يحدها سياج، ستظهر فيما بعد وتُصبح ملكا لشركات أصحابها الذين لم يتنشقوا في حياتهم أكسجين ولا أريج الغابة نفسها، لم يتسلقوا شجرها، ولم يتعاركوا مع تلك الطبيعة ولا أصيبوا بخدوشها.

حيوانات مهددة كالفيلة ستكون في خطر، والتي إن اجتثت أشجار المنطقة التي يقتنونها سيجرد البلد من أصوله، كل ذلك من أجل خزائن أموال لن تصبّ في جيوب أهله. وعد المستثمرون الأهالي البسطاء بأنهم سيتخلصون من الفقر، وستكون هناك خطة إنمائية وحياة كريمة لهم، حيث ستُبنى المدارس لتعليم أبنائهم، وستنشأ الآبار وإلى ما هنالك.

ماليزيا وإندونيسيا خاضتا التجربة وكانت ناجحة، فهما تُنتجان الآن 80% من مجموع زيت النخيل في العالم

الغابة مقابل فرصة عمل!

ماليزيا وإندونيسيا خاضتا التجربة وكانت ناجحة، فهما تُنتجان الآن 80% من مجموع زيت النخيل في العالم، وفي نحو عشرين عاما أصبحت إندونيسيا في المرتبة الـ16 لأفضل الاقتصادات في العالم، لقد أراد الكاميرونيون أن يخوضوا التجربة نفسها رغم التنبيه من قبل جمعيات حماية البيئة والسكان المحليين، فالإفادة متواضعة جدا أمام ما تعطيه الغابة الغنية التي يُريدون أخذها منهم. 

وقّع الأهل على عقود استثمار أراضيهم دون معرفة كيفية هذا الاستثمار، وتمّ عقد الاتفاقية مع حكومة الكاميرون وبإشراف وزير الاقتصاد الذي أعفاهم من الضرائب في السنوات العشر الأولى، علما بأن الضرائب هي مصدر أساسي للاقتصاد في البلاد. طبعا الوزير ليس غبيا في الحساب، ولكن على القارئ التحليل. 73 ألف هكتار ستُستثمر بسبعين ألف دولار، علما بأن الاستثمار في إندونيسيا كان بمبلغ سبعين مليونا.

بعض أهالي الكاميرون اعتبر أنهم أفضل حالا كمزارعين في أراضيهم من أن يُصبحوا عمالا في الشركة المستثمرة التي وعدتهم بفرص عمل. زعيم منطقة "ماساكا بيما" فيليب نغيسار اعتبر أن العمالة إفادتها متواضعة جدا أمام ما تعطيه الغابة الغنية، فهناك ثمار قد زُرِعت من أيام جدات الجدات، والأهالي والأمهات يؤكدون أنهم يحرصون على تعليم أولادهم وإرسالهم إلى المدارس.

نساء يعملن ويمشين في الغابة ممشوقات رشيقات، يحملن على رؤوسهن سلّات محملة بما تعطيه الغابة، لسنا بحاجة للتمارين الجيمناستيكية (الرياضية) التي يضطر لها سكان البلاد المتحضرة والآتية منها شركات الاستثمار. نساء لا يعلمن أنهن يتفوقن على أجمل عارضات العالم البلاستيكي، كذلك الرجال فارعو الطول ذوو الأجساد القوية والعضلات النابضة، هذا كله بالإضافة إلى الشجر والغابات وحدة متكاملة.

قرر الرئيس الجديد للبلاد دعم المزارعين الصغار ماديا، وأيضا دعم المطاحن التي تشتري لُبّ النخيل بسعر محدد وتمويلها

قرارات جديدة ربما تكون مُنصفة

رئيس قسم البيئة صموئيل ناغوغو اعتبر أن تقديم الأراضي واختيار المنتجات التي تُزرع فيها يشبه زمن الاستعمار، وتقول آراء أخرى إنه لا بد من بناء اقتصاد ناشئ، فهذه الصناعات لا بدّ أن توجد، مع السيطرة على الطريقة التي تجري بها هذه الأنشطة. تستورد البلاد من الخارج مواد غذائية كثيرة، لذلك لا تستطيع رفض العروض الاستثمارية بشكل مطلق.

لقد قرر الرئيس الجديد للبلاد دعم المزارعين الصغار ماديا، وأيضا دعم المطاحن التي تشتري لُبّ النخيل بسعر محدد وتمويلها، وذلك للحد من الفقر. إذن لا شك في أن الكاميرونيين بحاجة لأراضيهم، فحاليا تستورد الكاميرون زيت النخيل من آسيا، وفيما بعد سيُصبِح الأمر معاكسا، ويُفترض أن تصبح مُصدّرة للزيت، أما بالنسبة لشركات الاستثمار فقد تم تعديل شروط الاتفاق وتخفيض مساحة الأراضي المستثمرة من 73 ألف هكتار إلى عشرين ألفا مع زيادة الضرائب، لكن هذا القرار لم يسُر شركة الاستثمار، فقد أقدم رئيسها التنفيذي بروس روبل على الانتحار في نيويورك عام 2013.

تستورد الكاميرون حاليا زيت النخيل من آسيا، وفيما بعد سيُصبِح الأمر معاكسا، ويُفترض أن تصبح مُصدّرة للزيت

تساؤلات مفتوحة

ينتهي الفيلم تاركا تساؤلات لدى المشاهد؛ إلى أي حدّ أو إلى متى ستصمد الكاميرون إزاء اجتياح الغابات المصطنعة، وإلى أي حدّ سَتُحمى الغابات الأصيلة وثرواتها؟

هل بعد اليوم سيعيش الكاميرونيون بطمأنينة بعيدا عن الطمع في ثرواتهم الطبيعية، وهل ستنجو الطبيعة النقية وثقافة تمتد في القِدَم سنوات طويلة من عيون الطامعين في أراضي الغير؟

يبدو أن الاستعمار يذهب من الباب ليعود ويطل من النافذة، فحماة الأرض يعتبرون ثمن الأرض المدفوع دائما أرخص من الأرض.

قد ينال إعجابكم