نقد سينمائي

نيكول كيدمان وأنجلينا جولي وتضخم الذات

أسماء الغول

"أحب الدور لا الدور بذاته، وإنما ذاتي أنا كممثل في الدور، ولذلك لم أهتم بنجاح الفنان، بل بنجاحي الإنساني الشخصي، وهكذا تحولت خشبة المسرح بالنسبة لي إلى واجهة للعرض، أعرض ذاتي. خطيئة من هذا القبيل، أبعدتني عن المهمات الإبداعية وعن الفن".

هذا ما يقوله الممثل والمخرج الروسي الشهير كونستانتين ستانيسلافسكي في كتابه "حياتي في الفن"، عن التراوح الدائم بين الممثل وذاته، وخطيئة الوقوع في فخ الأنا، فيقول في مكان آخر من الكتاب "لا يرون الدور بل أنفسهم، فلا يحتاجون هاملت أو روميو إلا كزينة جديدة".
ويبدو أن هذه الخطيئة تسللت إلى نيكول كيدمان وأنجيلينا جولي في فيلمي "ملكة الصحراء"، و"قرب البحر".

ولنبدأ بفيلم كيدمان "ملكة الصحراء" والذي يتحدث عن الرحالة البريطانية في بلاد الشرق غيرتود بيل (1868-1921) وقد وصفتها بعض المصادر التاريخية بالجاسوسة البريطانية.
  الفيلم الذي لم يخرج من خانة الاستشراق، بكل ما يقدمه عن البريطاني المرفه الاستعماري الذي يقسم البلاد، مقابل العربي البدوي الكريم، مع فارق أن هناك مشاهد تتعمد تقديم العربي بصوره جيدة؛  كمشهد بين الرحالة وضابط بريطاني يطلب منها أن تعمل جاسوسة لبريطانيا، فترفض ما يجعله يسألها بسخرية عن سبب انجذابها إلى البدو، فترد عليه "أنه شيء أنت وعالمك لن تفهموه أبدا، إنها حريتهم وكرامتهم وشِعرهم عن الحياة".


 الفيلم لم يكن سياسيا فعلا أي ليس فيه ذاك الاشتباك السياسي، كذلك لم يكن فلسفيا بشكل يقدم لنا عمق الشرق وسحره مقارنة مع الغرب الذي كان يلهث وراء كولنياليته بذاك الوقت، خاصة أن السيناريو أبعد ما يكون عن العمق، ولم يكن رومانسيا؛ فالبطلة وقعت في حب اثنين في أول الفيلم ونهايته وكلاهما ماتا، بل حاول الفيلم أن يكون كل تلك الأشياء؛ بعضا من السياسة وبعضا من الأدب في ظلال رومانسية، ما جعله باهتا في قصته وإخراجه وتمثيله.
 تشعر أن الممثلين ضيوف شرف عند الملكة نيكول كيدمان، فقد تركزت المشاهد على جمالها الأشقر وسط الصحراء، في لوحات بصرية طويلة وربما هذا يعود إلى خلفية المخرج الألماني "فيرنر هرتزوغ" الوثائقية.

مشاهد كثيرة تكيل المديح للبطلة على لسان المحيطين بها دون أن تلمس أسبابه، فمثلا الجميع يصفها بالذكية، لكن هذا الذكاء لا تراه متمثلا في أي مشهد أو حوار، فمعظمها حوارات نمطية -من شاكلة "سنزوجك الشيخ العربي.."- وانفعالية، متوقعة، وتدور حول إرضاء الملكة حتى من قبل الباعة في الأسواق الشعبية، وكذلك "فَتوح" دليلها العربي وهو الممثل السوري جهاد عبدو، والذي يمثل بثبات وجدية أكبر وأهم بكثير مما يتطلبه دوره التبعي.

رِتم الفيلم المتوقع والبطيء والمتشابه يسود، فلا شيء يشفع للمُشاهد انتظاره الطويل، فلن تتحرك الأحداث أو يزور التشويق الفيلم حتى نهايته؛ والمشهد الأول الذي بدأ به الفيلم خادع تماماً إذ يطل الضباط البريطانيون على خريطة بلاد الشام، في حيرة أمام التقسيم الذي سيصبح لاحقاً اتفاق "سايكس بيكو1916"، ويطلبون خبيراً فيقترح أحدهم الرحالة "جريتورد".
 وتشعر بسبب هذا المشهد البدئي أنه سيكون لها دور سياسي مهم في الفيلم، لكن الفيلم يذهب في تكنيك السرد الرجعي إلى حياة هذه الرحالة، ليبقى المشهد الأول معلقاً فلا يعود إليه المخرج، ولا يكون أساسياً في الفيلم، ولا تلعب هي دوراً في أي شيء بارز خلال الفيلم الذي سيظل سينمائيا أيقونة استشراقية لا أكثر.

من صحراء نيكول كيدمان إلى بحر أنجلينا جولي، التي تعمدت في إخراجها وكتابتها وتمثيلها لفيلم "قرب البحر" إبراز ذاتها وتميزها، وفرادة علاقتها بزوجها الممثل براد بيت في مباهاة نرجسية.


فقد جاء الفيلم وكأنه رد على كل التساؤلات التي تحوم حول علاقتها بزوجها براد بيت، والذي كان زوجها في الفيلم، كذلك على كل من يتساءل عن شكل جسدها بعد العملية الجراحية التي أجريت لها مؤخراً.

وكان هذا الرد جريئا فهي تتحدث بانفتاح عن تعاسة زوجين يقضيان إجازتها في قرية بفرنسا ويستمدان إلهام استرجاع حرارة علاقتهما وقدرة زوجها على التأليف من خلال التلصص على غرفة زوجين عروسين مجاورة من خلال فتحة بالجدار.
الفيلم الطويل والذي يعتبر دعاية سياحية جيدة للقرية الفرنسية الساحرة التي ظهرت في الفيلم، تشعر من خلاله أن أنجلينا أرادت إبراز ذاتها كزوجة وأنثى ومخرجة وكاتبة في أن تتناول نفسها وزوجها وعلاقتهما في عزلة عن العالم ولكن في النهاية كي تقول للعالم عنهما، فمن الصعب أن تفصلهما كزوجين عن ذهنك وأنت تشاهدهما في دورين نمطيّين لفنانيّن يعيشان فترة ما بعد فقدان نجوميتهما.

 فقد كانت راقصة مبدعة وكان هو مؤلفا ناجحا، إلا أنهما يدخلان صراعا من الغيرة والكراهية ومحاولة تحطيم بعضهما البعض، لتكتشف أن خلف هذه الأزمة؛ تلك القصة القديمة الجديدة والثيمة المتكررة " الأطفال"، فهي عقيم وتشعر بالغيرة من العروس في الغرفة المجاورة.

الفيلم الذي سبب لشركة الإنتاج  Universal Picturesخسارة تقدر ب40 مليون دولار على غير المتوقع منه، بعد أن جمعهما الفيلم الناجح "مستر آند مسز سميث" عام 2005، كان التجربة الإخراجية الثالثة لأنجلينا بعد فيلمي "أرض الدم والعسل" للعام 2011، وفيلم "آن بروكن" للعام 2014.

حاولت جولي التخلص من أزماتها الحقيقية في فيلم مثلته وأخرجته وكتبته وغالبا أنها نجحت في ذلك، ولكن عبر تاريخها كمخرجة وممثلة أصبح في رصيدها فيلم غير ناجح.
وربما يجب عليها قراءة ما يقوله ستانيسلافسكي عن هذه المعضلة "مضى العرض، وصفقت لي التلميذات لأنهن لم يمايزن بين الدور والممثل الذي يؤديه، وأنا الأحمق، رحت أزهو متفاخراً مضيفاً إلى أخطائي السابقة خطأً آخر جديداً، بل لقد أصبحت هذه الأخطاء أوضح، لأنني الآن أستطيع ضبط نفسي الذي تعلمته من أنانيتي".

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...