نقد سينمائي

"هدية من الماضي".. الوثائقي وتأليف الواقع

رامي عبد الرازق

يمكن اعتبار فيلم"هدية من الماضي" للمخرجة المصرية الشابة كوثر يونس واحدا من أهم التجارب الوثائقية المصرية التي قدمت مؤخرا والذي حظي بالعرض خلال مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية في أبريل الماضي وأعيد عرضه بشكل تجاري محدود عبر شاشة "زاوية" في القاهرة والتي أصبح لها نشاط جيد فيما يخص عرض الأفلام الوثائقية المصرية والأجنبية والتي عادة لا تجد منصة عرض سوى عبر فعاليات المهرجانات المتخصصة.

كوثر يونس مع بوستر الفيلم

ربما أكثر ما يؤصل لأهمية "هدية من الماضي" هو كونه مغامرة وثائقية خاضتها صانعته الشابة- الفيلم مشروع تخرجها من معهد السينما- بشكل يتسم بالكثير من الجرأة والتحدي، ليس فقط على مستوى صناعة فيلم عن تجربة شخصية شديدة الخصوصية داخل أروقة منزلها وعائلتها، ولكن لأنها لم تكن تدري وهي تشرع في وضع الكاميرا الصغيرة بشكل سري داخل تفاصيل حياتها وأسرتها، إذا ما كانت التجربة سوف تكتمل في لحظة ما، أو أن ساعات التصوير الطويلة سوف تتحول لمجموعة فيديوهات عائلية لا تخص سوى أصحابها.

يمكن القول إن المخرجة الشابة اعتمدت في مغامرتها الوثائقية على ما يمكن أن نطلق عليه (تأليف الواقع)، أي تركت للواقع في سياقه غير المعروف أو المتوقع أن يقدم لها حوادث وتفاصيل وشخصيات فيلمها- تقريبا كل الشخصيات التي التقت بها في رحلتها لإيطاليا هي شخصيات لم تكن ضمن خطة الفيلم الأساسية- محافظة على وحدة موضوعها عبر بوصلة الفكرة الأساسية التي استلهمتها من حكاية قديمة في حياة أبيها (دكتور مختار يونس) عن المرأة الإيطالية التي تعرف عليها قبل أكثر من ثلاثين عاما وأحبها، ووعدها بالزواج أثناء دراسته في إيطاليا، ثم كعادة كل العشاق العابرين أخذ منها بعض تذكارات وعاد إلى بلده، ليتزوج وينجب وينسى ثم يقص الحكاية على اعتبارها واحدة من مغامرات الشباب البعيدة.

مع والدها (دكتور مختار يونس)

ولكن الابنة صاحبة الكاميرا الصغيرة والمشروع الطموح بإنجاز تجربة مغايرة تخصها، تلتقط ذلك الشاب الذي لا تزال روحه تسكن أباها، وتحفزه لخوض المغامرة الكاملة معها، ليس فقط من أجل صناعة الفيلم- الذي كان مهددا طوال الوقت بالفشل في العثور على السيدة وبالتالي ضياع الذروة المضيئة التي كللت نهايته- ولكن من أجل الوصول إلى ما يشبه المعنى من وراء رحلة البحث الغريبة عن هدف غامض، فللماضي أيضا ذلك البهاء الفاتن الذي يمكن أن يعيد صياغة الحاضر بلون مبهج، مهما بدا الماضي بعيدا أو منفصلا عن الواقع في ظاهره الحياتي.

الأب والابنة

استطاعت كوثر أن ترسم ملامح شخصيات فيلمها بشكل جيد، بما يعكس فطرة درامية براقة، بالإضافة إلى أسلوبية جريئة في عرض هذه الملامح، بداية من تصويرها لأبيها وهو في الفراش وصالة المنزل وغرفة النوم والسيارة، وكلها أماكن تخص الأسرة، ومن خلال زوايا تبدو عشوائية أو فوضوية او حتى سرية في بعض الأحيان، بما يذكرنا بما قاله يوما المخرج الفرنسي روبير بريسون (كيف تتغلب على معضلة أن تجعل الكاميرا ترى ما تراه أنت) وكان بريسون يقصد بالرؤية أن تجعل الكاميرا تشعر بما تشعر به أنت كصانع فيلم حيال الصورة التي تراها في خيالك ونتصور أن كوثر استطاعت تحقيق ذلك من خلال تلك الكاميرا الصغيرة التي تبدو كأنها ملقاة بلا اهتمام هنا أو هناك لكنها تمنحنها جانبا من المشهد تاركة لنا ان نتصور بقيته.

ظاهريا يبدو الفيلم وكأنه يتمحور حول شخصية الأب مختار يونس، ومغامرة العثور على حبيبته الإيطالية التي هجرها ذات يوم، لكنه في الحقيقة يحتوي على حضور قوي لشخصية كوثر نفسها، الابنة ومحركة الأحداث –أي صاحبة فكرة الرحلة وشراء التذاكر واستخراج الفيزا والبحث على الإنترنت عن المرأة- وعليه يمكن اعتبار الفيلم دراميا من بطولة كوثر وليس مختار يونس، من ناحية أن كوثر هي الشخصية الأساسية التي بناء على قراراتها تتحرك الأحداث وتتطور دراما العمل.

"هدية من الماضي" ابنة تبحث عن حبيبة والدها بعد 33 سنة

أما الأب فعلى مستوى الميزان الدرامي فهو شخصية اللابطل أو (anti hero) حيث تبدو قراراته هي ردود أفعال على ما تتخذه شخصية كوثر من قرارات، بل إنه مع تطور الصراع ما بين الأب والابنة يحدث ذلك التمرد الملفت من اللابطل على البطلة، وهو ما ترصده كوثر في لقطتين هامتين، واحدة في حجرتها بالقاهرة والثانية في الفندق بإيطاليا، وكلتاهما من اللقطات التي ساهمت في إثراء المحتوى الدرامي الواقعي للفيلم، حيث يرفض الأب وصاية كوثر المعنوية والمادية، وشعوره بأنها تتخذ القرارات التي تتعلق بالرحلة نيابة عنه، أو بشكل أكثر عمقا فإنه يرفض تلك الاستجابة الباطنية التي تحركه باتجاه السفر والبحث رغم ميله الشديد لذلك، وذلك لاعتبارات شخصية تخص كونه شخصية عنيدة وذات حيثية نابعة من كونه أستاذا أكاديميا مثقفا صاحب تجربة مهنية وحياتية ثرية ومتنوعة.

أما كوثر فرغم أن حضورها الصوتي أكثر اتساعا على مستوى زمن الفيلم من حضورها بصريا إلا أنها استطاعت مونتاجيا أن تجعل من هذا الحضور الصوتي تجسيد كامل لشخصيتها وأفكارها وانفعالاتها داخل الفيلم دون افتعال أو تنظير ولكن بسلاسة شديدة.

استطاعت كوثر أيضا أن تجعل من حضورها ما يشبه التعليق أو الوصف الصوتي للأحداث وسياقات الانتقال من مرحلة لمرحلة أثناء الإعداد للسفر والرحلة، دون أن تتورط في وصف مباشر أو كاسر لإيهام الحالة الطبيعية، والتي يسير عليها الفيلم في سياقه الواقعي، فلم تتوقف في أي لحظة لتتحدث مع المتلقي أو توجه له أي إشارة تدل على وجوده بل هو دائما خارج المعادلة الفيلمية تماما، وهو ذكاء فني منها، لأنها عبر ذلك الإقصاء ووضع المتلقي في تلك الزاوية السرية – زاوية الكاميرا المائلة أو المخفية أو المحمولة طوال الوقت- حفزت لديه أكثر الرغبة في المتابعة واستفزت ذهنه وحواسه لاستكمال التفاصيل الغائبة، وتجاوز المشاهد الإدارية الخاصة بالانتقال والحركة والسفر وأخيرا انتظار لحظة العثور على المرأة ولقاء الأب معها.

وتجدر الإشارة إلى تلك الخصوبة الصوتية التي تشكلت منها ملامح شريط الصوت خاصة في الاستعانة بصوت وأغاني عبد الحليم حافظ رمز الرومانسية في زمن الأب في مختلف محطات الرحلة وبشكل عفوي تماما وطبيعي كجزء من حالة الأب المزاجية وطقوسه اليومية وفي نفس الوقت كجزء من السياق الصوتي لرحلة البحث عن حبيبة سابقة وهي رحلة تتسم بجانب كبير من العاطفية والرومانتيكية القادمة من زمن آخر.

يمكن اعتبار أن المونتاج الذي قام به ثلاثة مونتيرين كان له فضل سردي ضخم على بث إيقاع حيوي وفي نفس الوقت مفهوم وغير غامض بل إنه حتى في مشاهد أو لنقل لقطات المطار أو محطات السكة الحديد في إيطاليا كل لقطة كان لها ذلك المدلول الدرامي وتلك اللمحة الإنسانية والشعورية والعاطفية التي اقتصنتها الكاميرا من بين تفاصيل كثيرة وكانت مهمة المونتاج هي تنقيتها من كل الشوائب التي حولها وإبرازها ولو في ثوان معدودة.

يمكن أن نلمح أيضا أن من زاوية (تأليف الواقع) أن الواقع كان سخيا على المستوى الدرامي والإنساني مع المخرجة في كثير من محطات الرحلة ويكفي أنها التقت بذلك الشاب المصري المقيم في إيطاليا والذي ساهم بشكل كبير في توجيه مجرى الأحداث باتجاه العثور على المراة الإيطالية، والأروع من ذلك أن المخرجة بشكل إرادي أو غير إرادي استطاعت أن توظفه في دور (الصفي الدرامي) أي صديق البطل الذي يتحدث معه تاركا لأفكاره العنان ولمشاعره التدفق وهي إحدى الوسائل الدرامية المعروفة في التعبير عن مكنونات الشخصية دون حديث مباشر مع الذات أو مونولج داخلي.

غريزة وثائقية

من أسئلة التأليف والواقع التي يطرحها فيلم كوثر سؤال اللقطات التي تبدو فيها المخرجة منهارة وباكية عندما تشعر أن الرحلة توشك أن تفشل نتيجة عدم القدرة على الوصول للمرأة الإيطالية، فهل كانت المخرجة تتعمد ترك الكاميرا مفتوحة طوال الوقت للحصول ما يجود به الواقع من تفاصيل في حكم الغيب بالنسبة لها ولكنها ربما تصبح لقطة أو فصلا أو مشهدا من الفيلم! أم إنها كانت تترصد تلك اللحظات مستشعرة أنها يمكن أن يكون لها مكان في سياق التصوير!

أغلب الظن أن كلا الفعلين كان في بال المخرجة وهي تتحرك حاملة الكاميرا الصغيرة طوال الوقت، هنا يمكن أن نرصد تشكل ما يمكن اعتباره (غريزة وثائقية) أي تحول فعل التصوير والحركة الفيلمية إلى فعل غريزي لدى صانع الفيلم أو ما أطلق عليه المخرج إيان سيفان (الموقف الوثائقي من الحياة) فالفيلم يتحول من مجرد فكرة أو سياق تصويري وفني إلى موقف من الحياة نفسها أو وجهة نظر في العالم.

هذا الموقف أو الغريزة الوثائقية هي التي حافظت على ذروة الفيلم الحقيقية أو لنقل تلك الذروة الكامنة في جوهر الرحلة نفسه، فبعد لقاء باتريشيا حبيبة الأب الإيطالية وبعد أن تفرد المخرجة مشاهد كاملة لذلك اللقاء بكل تفاصيله والحوارات العفوية فيه ما بين الأب والحبيبة والابنة والصديق نصف المصري، يتساءل المتفرج هل انتهت الحكاية بتجلي اللقاء الغريب وشبه المستحيل من البداية أم أنه لا يزال هناك ما يمكن أن يقال في نهاية الرحلة !

ماذا لو !

لو أن المخرجة اكتفت بمشهد اللقاء كنهاية للحكاية لم يكن لأحد أن يلومها فهي قد أدت للمتلقي ما وعدته به منذ اللقطة الأولى حين قدمت تذكرة السفر إلى أبيها ولكنها المخرجة تقدم لنا نهايتها الخاصة وليست نهاية الحكاية كما طرحها الواقع وسجلتها الكاميرا، فعقب اللقاء وفي طريق العودة تتلصص المخرجة على عينا ابيها في محاولة للنفاذ إلى داخله على اعتبار أن العيون هي نوافذ النفس، في لقطات جانبية قريبة لوجه الأب تبدو الدموع متجمدة في عينيه، ثم يبدأ النوم في مداعبته تدريجيا كأنما يختلط لديه الواقع بالذكرى أو بتصورات عن حياة أخرى ربما كان له أن يعيشها لو أنه عاد إلى إيطاليا وتزوج من باتريشيا، لا تسأل المخرجة أباها عما يدور في رأسه تاركة للمتلقي أن يفترض أو يفكر أو يضع نفسه مكان الأب، ملقية سؤالا (ماذا لو؟) على نفسها وأبيها والجميع ! وبشكل لم يكن من الممكن طرحه إلا عقب تحقق اللقاء واكتمال الرحلة بالهدف الأول والأساسي لها !

ملصق الفيلم

قد ينال إعجابكم