نقد سينمائي

"هنا راديو كوباني"

 
محمد موسى 
 
عادت الشابة الكردية "دولفان" إلى مدينتها السورية كوباني في عام 2015 بعد تحريرها من مقاتلي تنظيم داعش، وبعد معارك شكلَّت وقتها انعطافاً كبيراً في الحرب المتواصلة في الشرق الأوسط، لعنفها غير المسبوق، وكسرها للهالة التي كانت تحيط بـ"داعش"، كتنظيم لا يهزم، وهو الذي استحوذ قبل اندحاره في "كوباني" وفي غضون أشهر قليلة على مساحات هائلة من الأراضي في العراق وسورية. ستبدأ الشابة الكردية مع زملاء لها وبإمكانات شديدة التواضع محطة راديو صغيرة موجهة لسكان المدينة الذين بدأ بعضهم في العودة إلى بيوتهم المدمرة. وثّق المخرج الكردي الهولندي "ريبر دوسكي" أزمانا من عمل محطة الراديو الوليدة في فيلمه التسجيلي "راديو كوباني"، وكان المخرج حاضراً في أيام سلام المدينة السورية، عندما كان سكانها مشغولين في الآن نفسه بين استخراج جثث متفحمة من تحت الأنقاض، ووضع أُسُسٌ بنايات جديدة.
 
من غرفة بائسة ينقطع تيارها الكهربائي باستمرار ينطلق صوت "دولفان" كل يوم، مُحلقاً في أثير المدينة المنكوبة والمهجورة: "هنا راديو كوباني"، هكذا تبدأ المذيعة الشابة فقرتها الإذاعية بتفاؤل لافت. لن نعرف الكثير عن ماضي الشخصية الرئيسية في الفيلم، أين كانت مثلاً في زمن المعارك في مدينتها، فالمخرج لا يطرح أسئلة في فيلمه، ويكتفي بالمراقبة وتوجيه عدسته على شخصياته في حياتها اليومية، ويراهن على التأثيرات النفسية التراكمية التي تتجمّع من فعل مشاهدة هذه الشخصيات المتأرجحة بين ألم ذكريات المعارك عندما اقترب الموت كثيراً من المدينة والتفكير بمستقبل يشوبه الغموض. ستكشف "دولفان"، وهي المبتسمة دائماً في مشهد شديد التأثير عن الشرارة التي أطلقت حماسها للعمل العام، فرفيقة طفولتها، الشابة الجميلة والمثقفة كما وصفت، قطع "داعش" رأسها بساحة المدينة لاعتراضها على ما كان يقوم به التنظيم.
 
بين مشاهد استديو محطة الراديو الداخلية وأخرى تستكشف الحياة في شوارع المدينة يتنقل الفيلم الذي يغلفه الحزن ويمد يدا إلى المستقبل. يسجل الفيلم زمناً استثنائياً خاصاً من تاريخ المدينة، إذ إنها كانت وقت تصوير الفيلم مُغلقة بشكل عام بوجه الإعلام الأجنبي لاعتبارات أمنية، كما أن كاميرات الفيلم ستكون حاضرة لتسجل لحظات تاريخية سيتم على الأرجح العودة إليها مراراً في المستقبل، كرجوع بعض أهلها الذين كانوا في تركيا إليها عبر المعبر الحدودي الذي يقع على أطراف المدينة. بمشاهد طويلة ثابتة يحفظ الفيلم خطوات السوريين الأولى في مدينتهم. خيم الذهول والتأثر الواضح على كثير من السوريين في تلك المشاهد، وشغلهم عن الانتباه لكاميرا الفيلم، ليخرج الأخير بمشاهد طبيعية كاشفة ومهمة.
 
 
السلام في "كوباني" يعني أيضاً مواجهة لا بد منها لسكانها مع الماضي القريب بكل وحشيته، وهو أمر يعيه الفيلم جيداً ويسعى بجدية في وضعه في سياقات القراءة التسجيلية لحاضر المدينة، فيقدم في هذا الاتجاه سلسلة من المشاهد لعمال من المدينة وهم يستخرجون جثثاً من تحت أنقاض أحد البيوت. بدون تعليق صوتي وكاميرا تبحث حالها حال العمال عن بقايا بشرية، يقدم الفيلم مشاهد مروعة فعلاً لما تُخلفّه الحروب من مآس ودمار، وكيف تشوه فعلياً جسد الإنسان وتتركه أحياناً كقطع لحم متفحم. لن نعرف لمن تعود الجثث، ولا يبدو هذا مهماً في البداية، لكن ومع تواصل البحث تتعثر الحفارة الصغيرة بجثة امرأة، وعندما تنتشلها تعلق إحدى رجليها التي لم يصبها التشوه لتسقط من الحفارة. تختزل جثة المرأة تلك بانكسارها ومجهوليتها الأهوال التي حدثت للمدنيين في "كوباني".
 
يعود الفيلم بانتظام إلى شخصيته الرئيسية، ليقدمها حينا أثناء عملها، وأحياناً أخرى يرافقها لبيتها حيث تعيش مع أمّها. يوفر عمل "دولفان" الإخباري فرصا عديدة للفيلم لتقديم شخصيات تعكس النسيج الاجتماعي الجديد في المدينة، فاللقاءات التي كانت تجريها المذيعة مع ضيوفها لحساب محطة الراديو ينقلها الفيلم كما هي أحياناً، إضافة إلى مراقبة "دولفان" نفسها، والبحث تحت طبقات الخجل التي تلفّها عن جوهر ما. كما حدث عندما فاجأ الصحافي السوري الذي كان موجوداً أثناء المعارك مضيفته بسؤالها عن مشاعرها هي نفسها تجاه ما حصل، ليغلب الخجل "دولفان"، وتتعلثم وهي تحاول أن تحصر أفكارها.
 
لم تكن المدينة وحدها التي كانت تمسح عن وجهها سخام المعارك وتفتح نوافذها للضوء، إذ إن حدثاً سعيداً سيحلّ على حياة "دولفان" نفسها وأثناء تصوير الفيلم، فهناك شابان يرغبان بخطبتها، وهي تميل لأحدهما فيما تفضل الأُمّ الآخر. يتشكل هذا الخط العاطفي للفيلم ببطء ويتطور ويصل إلى خاتمته السعيدة دون الإسهاب في التفاصيل، كما ستتحول العلاقة العاطفية لـ "دولفان" إلى أمثولة للحياة التي ترفض التوقف أو الموت، فمن المحلات التي بنيت على خرائب البنايات المدمرة، ستشتري الشخصية الرئيسية حوائج حياتها الزوجية القادمة.
 
 
حَصَل فيلم "راديو كوباني" على جائزة أفضل فيلم تسجيلي هولندي في الدورة الأخيرة لمهرجان "إدفا" للسينما التسجيلية في أمستردام. يقدم المخرج في فيلمه الجيد بورتريه مؤثر ويدفع إلى التأمل عن "كوباني"، والذي على الرغم من قربه الزمني من الوقائع القاسية التي شهدتها المدينة، إلا أنه يجد المسافة المناسبة للتعاطي المعمق مع الحدث العام وأثره على الناس العاديين. يُوازن الفيلم بين عرض الأهوال الجسيمة التي شهدتها المدينة وبين الاحتفاء بالإرادة الإنسانية في البقاء والحلم بمستقبل جديد، ويتنقل بحكمة بين الموت والحياة، والقنوط والتفاؤل، ومن مشاهد الخراب وانتشال الجثث، إلى عمال يضعون الأسُسُ لبنايات جديدة وناس تتسوق في محلات متبعثرة على شارع رئيسي دُمرَّ معظمه.
 
سافر المخرج "ريبر دوسكي" إلى كوباني بعد تحريرها في عام 2015، وعن تلك الحقبة كان فيلمه الأول عن المدينة الذي حمل عنوان: "قناص كوباني" (عرض أيضاً في الدورة الأخيرة لمهرجان "إدفا" السينمائي). تعرف "دوسكي" على "دولفان" في تلك الفترة، وعندها قرر أن ينجز فيلماً عن الفتاة الكردية ومحطتها الإذاعية، جنباً إلى جنب مع شخصيات عديدة ستمرّ دون تعريفات أحياناً من الفيلم، كالمقاتل الكردي الذي كان يجلس في كرسي حلاق المدينة، والذي كشف للأخير الذي كان يسأله إذا كان قد قتل بنفسه مقاتلين من داعش أو مدنيين كانوا معهم، بأن أشباح الموتى تطارده في نومه أحياناً، وبأن القتال وإن كان الحل الوحيد في ظروف معينة، إلا أنه يترك ندوبه التي لا تُمحى حتى على المنتصرين.
 
 

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...
حوارات

أخوة الصمت

أربع سنوات قضاها مينتاس ليوثق يوميات كرديين أبكمين ألهماه كثيرا في حياته اللاحقة