نقد سينمائي

"هوستون: لدينا مشكلة"

 
أمير العمري
 
لم أستمتع بفيلم "وثائقي" طوال العام الجاري 2016، بقدر ما استمتعت بالفيلم الوثائقي- الخيالي- الساخر "هوستون: لدينا مشكلة" Houston, We Have a Problem. فبعد أن شاهدته للمرة الأولى ضمن عروض مهرجان لندن السينمائي (أكتوبر 2016) عدت لمشاهدته مرتين بعد ذلك. هذا فيلم وثائقي وغير وثائقي. صحيح أن معظم مادته المصورة حقيقية، وطريقة عرضه وأسلوب إخراجه شديد الجدية، وموضوعه خطير الشأن، يبدو كما لو كان يكشف لنا فصلا مجهولا من فترة "الحرب الباردة" بين الكتلتين الشرقية والغربية، إلا أن السياق الذي وضعت فيه المادة المصورة الأصلية جنبا إلى جنب مع المادة المصنوعة (المفبركة) هو سياق متخيل أو خيالي مقصود منه السخرية والتهكم، لذلك الأفضل أن نقول إنه ينتمي إلى ما يعرف بـ Mockumentary أي الوثائقي الساخر.
 
مخرج الفيلم السلوفيني زيغا فيرش، يستخدم الكثير من اللقطات الحقيقية ويخلطها بالمشاهد التمثيلية، وبعدد من الشخصيات الافتراضية، لكي يقدم رؤيته الخاصة لسقوط وتفكك يوغسلافيا السابقة، فطبقا لنظرية المؤامرة التي يتلاعب بها ويدور حولها المخرج في فيلمه، فقد جاء تفكك الاتحاد اليوغسلافي الذي أسسّه الزعيم الراحل جوزيف بروز تيتو، طبقا لمؤامرة أمريكية هدفها الانتقام من تيتو بعد أن خذل الأمريكيين بل وخدعهم. ولكن كيف كان هذا ممكنا في عصر الحرب الباردة؟
 
 
سباق الفضاء 
القصة المصاغة جيدا في سياق سينمائي شديد الإقناع، تحقق الدهشة بقدر ما تشيع الفكاهة، تروي أن الأمريكيين كانوا يريدون بأي ثمن اللحاق بالسوفييت في سباق الوصول إلى الفضاء، أي في تطوير نظام الصواريخ الذي يمكن أن يحمل إنسانا إلى الفضاء، وهو أمر معروف بالطبع، وكان السوفييت أول من أطلق إنسانا في سفينة فضاء، هو يوري جاجارين، للدوران حول الأرض عام 1957.. كل هذا هناك لقطات توثق له نراها في الفيلم، لكننا نشاهد أيضا كيف أن تيتو كان قد دشن في أوائل الستينيات برنامجا سريا لتطوير منظومة الصواريخ التي يمكنها حمل مركبات إلى الفضاء، ويصور الفيلم كيف نجح العلماء اليوغسلاف في إرسال خنزير إلى الفضاء لكن المركبة التي كانت تحمله تحطمت فوق إيطاليا وهبط الخنزير سليما لينتهي طعاما شهيا لدى الفلاحين في إحدى قرى الريف الإيطالي!
 
ما يحدث بعد ذلك أن الفشل الأمريكي المتكرر في إرسال مركبة إلى الفضاء بسبب انفجار الصواريخ التي تحملها في الجو كما يقول الفيلم مستخدما لقطات حقيقية، أدى إلى أن تقترح المخابرات الأمريكية على الرئيس كنيدي الاستعانة بالعلماء اليوغسلاف للمساعدة في بناء نظام للصواريخ بعد أن تمكنت السي.آي.إيه من التوصل إلى ما يجري من تجارب متقدمة في يوغسلافيا، وبالفعل تعقد الحكومة الأمريكية صفقة مع الرئيس تيتو، تدفع له بموجبها ثلاثة مليارات دولار من المعونات والدعم المتعدد الأشكال، مقابل أن تبيع يوغسلافيا برنامجها لتطوير الصواريخ. إلا أن الأمريكيين يفشلون في استخدام التصميمات اليوغسلافية فيطلبون من الماريشال تيتو إرسال مجموعة من العلماء اليوغسلاف إلى أمريكا للإشراف بأنفسهم على عمل البرنامج أو يعيد إليهم المليارات الثلاثة، ويستجيب تيتو ويرسل العلماء الذين يحتجزهم الأمريكيون ويرفضون إعادتهم إلى يوغسلافيا لكي لا يفشوا الأسرار التي اطلّعوا عليها هناك.
 
 من بين هؤلاء حسب الفيلم - إيفان بافتيش - مهندس الصواريخ الذي نراه اليوم بعد ان أصبح كهلا معاقا، يجلس على مقعد متحرك، وهو يعود للمرة الأولى بصحبة فريق الفيلم التسجيلي إلى بلاده لكي يقابل للمرة الأولى ابنته التي ولدت بعد مغادرته، ويزور قبر زوجته التي أخفوا عنها الحقيقة وزعموا أنه توفي بل وأقامت السلطات اليوغسلافية له جنازة رسمية، ومدفنا يفترض أن يكون جثمانه قد دفن فيه، يقوم الرجل بزيارته مع ابنته، بل ويجعله المخرج أيضا يقابل بعض من كانوا يعرفونه في شبابه ومنهم صاحبة مطعم، تروي له دون أن تتعرف عليه، كيف أنها كانت تعرف بافيتش جيدا الذي كان ضيفا ثابتا على المطعم، وتؤكد له أنه قد مات، بينما يصغي لها الرجل دون أن تبدو على وجهه أي علامة من علامات الدهشة!
 
 
الاغتيال
يفشل العملاء اليوغسلاف في مهمتهم الأمريكية، ويغضب كنيدي غضبا شديدا ويرسل مرة أخرى يطالب تيتو بردّ المليارات الثلاثة من الدولارات ويهدده بقصف يوغسلافيا إن لم يفعل.. ويقوم تيتو بنفسه بزيارة إلى الولايات المتحدة حيث يجتمع بكنيدي قبل ثلاثة أشهر من اغتياله، كما نرى بالفعل في الفيلم. وأثناء زيارة تيتو الرسمية يتعرض لمحاولة اغتيال (كما نشاهد من خلال لقطات الأرشيف)، لكنه ينجو وسرعان ما يعيده الأمريكيون بسرعة إلى بلده خشية على حياته، وقيل إن العملية كانت مفبركة لتبرير قطع المفاوضات بين الطرفين، كما قيل أيضا إن كنيدي كان هو المقصود بالاغتيال لكنه نجا مؤقتا لكي تنجح العملية بعد أشهر قليلة في دالاس.
 
يستخدم الفيلم محادثة هاتفية مفترضة بين كنيدي وتيتو للاطمئنان على صحته وسلامته، وبعد عودته يوقع تيتو - كما نرى - أمرا بإطلاق مشروع ضخم لصناعة سيارة يوغسلافية جديدة هي "زاستافا" (وهو موضوع حقيقي نراه موثقا باللقطات)، وتعويض الولايات المتحدة جزئيا بشحن كميات كبيرة من تلك السيارات، تحملها السفن إلى أمريكا ثم نرى إحداها تسير في شوارع نيويورك كما لو كانت لعبة من لعب الأطفال (والمشهد كله خيالي ساخر بالطبع) .. ولكن "زاستافا" تفشل، ويغتال كنيدي، ثم يأتي جونسون، ثم نرى كيف يتحدث جونسون عبر تسجيل صوتي مفترض إلى وزير خارجيته ويعرب عن غضبه الشديد تجاه تيتو ويطالب بضرورة عمل شيء ضده، ثم يرسل وفدا للتفاوض حول المليارات الثلاثة يصل إلى بلغراد كما نرى بالفعل لكنه لا يتوصل إلى نتيجة، ثم يأتي نيكسون فيهدد بتفكيك يوغسلافيا إذا فشلت في إعادة الأموال التي حصلت عليها. وهكذا يستمر الفيلم الساخر مع كثير من الإقناع من خلال إدخال بعض الشخصيات الداعمة للصور.
 
تصحب هذه المعلومات لقطات عديدة حقيقية تماما لزيارات تيتو المتعددة إلى أمريكا في العصور المختلفة للرؤساء الأمريكيين الثلاثة كنيدي وجونسون ونيكسون، وزيارة أحد رواد الفضاء الأمريكيين الذين هبطوا على سطح القمر فيما عرف برحلة المكوك أبوللو 14 إلى بلغراد واستقبال تيتو له وأحاديث الطيار الأمريكي عن انطباعاته الطيبة عن يوغسلافيا، وكلها مشاهد حقيقية، تمكن المخرج من العثور عليها ووضعها في سياق فيلمه تأكيدا على فكرته الأساسية التي لا يحيد عنها قط. ويعرض الفيلم أيضا لقطات لتيتو في جولاته الخاصة وحياته داخل قصره المنيف كإمبراطور، ولقطات له وهو يتفقد حدائق القصر ويتشمم الأزهار بصحبة كلبه، ثم وفاة تيتو وما يعقبها من جنازته الحافلة.
 
 
 أولى الشخصيات التي تظهر وتتحدث في الفيلم هي كما أشرت من قبل، شخصية المهندس الوهمي إيفان بافيتش الذي يقوم بدوره بإقناع شديد ممثل سلوفيني، ثم شخصية جنرال يوغسلافي سابق يظهر عدة مرات في الفيلم يروي شهادته أمام التليفزيون بعد أن يرتدي ملابسه العسكرية القديمة ويضعون له الماكياج على وجهه، ويتحدث الرجل بصرامة تامة في تجهم العسكريين الذين عملوا في ظل النظام الشيوعي ومازالوا يتمسكون بالدفاع عنه، فالمفترض أنه كان شاهدا على الأحداث ومشرفا على المشروع السري لبناء الصواريخ في قاعدة تقع تحت الأرض.. وصور القاعدة التي شاهدها في الفيلم حقيقية تماما، ويتضمن الفيلم لقطة لتيتو وهو يقوم بزيارة هذه القاعدة التي يعود إليها المخرج من حين إلى آخر لتصويرها بعد أن أصبحت مجرد أنفاق مهجورة تحت الأرض تستخدم في تخزين بعض المواد المستهلكة، ويصطحب فريق الفيلم التسجيلي (أي الفيلم الذي يصنعه فريق فني داخل فيلمنا هذا) المهندس إيفان بافيتش إلى القاعدة القديمة ليصورونه هناك وهو يروي ذكرياته!
 
كذب الوثائقي
أما الشخصية الحقيقية التي تظهر بين حين وآخر في الفيلم، فهي شخصية المفكر والكاتب السلوفيني سلافوي جيجك الذي يتحدث عن المؤامرة الأمريكية لتفكيك يوغسلافيا، يشرح ويحلل كثيرا، ويسلط الكثير من الأضواء على الصورة المتخيلة للأحداث لينتهي مؤكدا بقوة على أنها "حتى لو لم تحدث إلا إنها حقيقية".. أي أنه يقول لنا ببساطة إن الخيال يمكن أن يكون أقوى من الواقع، وهي إحدى الحيل الأخرى الأساسية في الفيلم الذي يعبث مخرجه من البداية، ويتلاعب بفكرة أن ما نشاهده باعتباره وثائق حقيقية قد تكون مزيفة وأنه من السهل الضحك على المشاهدين بادعاء تقديم الحقيقة لهم، أي أن الوثائقي يمكنه أن يكذب حتى لو صدقت الصور التي يتضمنها.
 
ولعل أكثر الأجزاء دلالة على هذه الفرضية ما يتضمنه الفيلم من لقطات نادرة شديدة الجمال للزيارة التي قام بها تيتو مع عقيلته، على متن باخرته الشهيرة الخاصة إلى المغرب، وكان الملك الحسن الثاني في استقباله في ميناء الدار البيضاء في أبريل 1961 أي بعد شهرين من تولي الحسن الثاني الحكم وكان كما يظهر في الصور لايزال شابا يتمتع بالوسامة والبراءة. ويقول الفيلم إن باخرة أخرى كانت تصاحب الباخرة الرئاسية للماريشال تيتو، كانت تحمل كل الأجهزة والمعدات الخاصة بمشروع الصواريخ اليوغسلافي تم إرسالها أولا إلى القاعدة الأمريكية في المغرب ومنها إلى القاعدة العسكرية في هوستون بالولايات المتحدة.. وكانت زيارة تيتو الرسمية مجرد غطاء للصفقة، وخلال الزيارة مشاهد لقطات لتيتو وهو يرقص ويدق الدفوف مع مجموعة من النساء المغربيات القرويات.
 
إن المزج بين الحقيقة والخيال في سياق متخيل ساخر هو ما يكسب هذا الفيلم جماله ويجعله قريبا من المشاهدين، ولكن لاشك أن الحيلة لن تنطلي على أحد، بل إن الفيلم رغم جديته الشديدة في المعالجة، يكشف من البداية أن هدفه هو السخرية، وإن كانت فكرة المؤامرة الأمريكية بهدف تفكيك يوغسلافيا تتردد في سياق الفيلم على أساس أنها فرضية يمكن أن تكون صحيحة ولها مبرراتها. وفي جعبة السينما الوثائقية الكثير الذي لم نشاهده بعد.
 
 
 

قد ينال إعجابكم