نقد سينمائي

"ويتني" الأميرة السمراء.. نجومية خارقة ونهاية مُفجعة

عدنان حسين أحمد

ما يميز ويتني هيوستن المغنية والممثلة الأمريكية من أصول أفريقية أنها أكثر فنانة حطّمت الأرقام القياسية على مرّ العصور بحسب موسوعة غينيس

تتكئ تجربة المخرج الأسكتلندي كيفن مكدونالد على رصيد جيد من الأفلام الوثائقية التي يستقصي فيها حياة بعض المخرجين والفنانين ونجوم الغناء العالمي. وقد سبق له أن أنجز أفلامًا وثائقية مهمة أبرزها "أن أكون ميك" عام 2001، والذي يتمحور حول تجربة الملحن والمغني البريطاني ميك جاغر الذي ساهم في تأسيس فرقة الرولينغ ستونز، ثم عزّز هذه التجربة بفيلم "مارلي" عام 2012، والذي يتناول حياة المغنّي الجامايكي المتفرد بوب مارلي الذي يعتبر أشهر مطرب "ريغَيْ" (Reggae) في العالم. أما فيلمه الوثائقي الجديد فهو "ويتني" الذي يركِّز على حياة مغنية البوب الشهيرة ويتني هيوستن وموتها المأساوي الذي أفجع الملايين من محبّيها في مختلف أنحاء العالم.

ما يميز ويتني هيوستن المغنية والممثلة الأمريكية من أصول أفريقية أنها أكثر فنانة حطّمت الأرقام القياسية على مرّ العصور بحسب موسوعة غينيس، إذ حصلت سبع أغنيات متتالية لها على الرقم الأول في قائمة بيلبورد الشهيرة، أما أسطواناتها فهي الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

يحرص مكدونالد على أن يروي في فيلمه قصة سينمائية مكتملة العناصر يدوّن تفاصيلها بنفسه، ليؤكِّد رؤيته الإخراجية ويحقق الهدف الذي يسعى من أجله، وهذا ما فعله في فيلم "ويتْني" الذي تابعَ ولادتها ونشأتها ودراستها، ورصدَ علاقاتها الاجتماعية والعاطفية، وراقبَ تفتّح موهبتها الفنية والموسيقية، ثم عرّجَ على زواجها، وتوقف عند أبرز المشكلات التي واجهت هذا الزواج القلق الذي استمر 14 عامًا وانتهى بالطلاق، لكنه أسفر عن إنجاب "كريسي" التي لم تكن سعيدة في طفولتها وصباها، والغريب أنها فارقت الحياة بنفس الطريقة التي ماتت بها أمها غرقًا في حوض الاستحمام، وذلك بعد أن تناولت الابنة الكوكايين، فيما كانت الأم مصابة بمرض الشريان التاجي الذي فاقمته المادة المخدِّرة وأوقفت نبضات قلبها وتركتها عائمة على ماء الحوض بوجه مقلوب.

لا يُعنى الفيلم بالمنحى الفني فقط لصعود فنانة أمريكية من أصول أفريقية لتصبح أيقونة الغناء الشعبي الأمريكي، وإنما يلامس العديد من المحطات الإنسانية التي تتجاوز حدود الذات والعائلة والأصدقاء، لتنفتح على مدينة نيوآرك (في ولاية نيوجرسي) برمتها، والتي يتجاوز عدد سكّانها ربع مليون مواطن غالبيتهم من السود أو الأجانب من ذوي الأصول الأفريقية أو الهسبانية أو اللاتينية.

وبما أنّ النسق السردي لهذا الفيلم يقوم على التقنية الاستقصائية فلا بدّ أن يطمح المخرج إلى الإحاطة بكل شيء، ولا يترك أي حلقة مفقودة تعوق التواصل في هذا النسق التصاعدي الذي بدأ بالولادة وانتهى بالرحيل إلى الأبدية الغامضة.

 

ويتني.. طفولة على الرصيف

ولدت ويتني في 9 أغسطس/آب 1963 في نيوآرك لوالدين أمريكيين من أصول أفريقية، وهما جون راسل هيوستن وهو موظف حكومي، وسيسي هيوستن مغنية السول والغوسبل (الغناء الإنجيلي)، وتضم العائلة إلى جانبها شقيقها الأكبر المغني مايكل هيوستن، والأخ الأكبر غير الشقيق غاري غارلاند لاعب كرة السلة الذي التحق بها لاحقًا ومارس الغناء في فرقتها.

انتقلت العائلة من نيوآرك إلى شرقي أورانج التي تسكنها الطبقة المتوسطة، ودرست ويتني في "ماونت سانت دومينيك أكاديمي" وهي مدرسة كاثوليكية للبنات في كالدويل التابعة لنيوجرسي، وذلك كي تتفادى التنمّر في المدارس العامة وتتربى على منظومة القيم والأخلاق الفاضلة. وعلى الرغم من الحذر الشديد للعائلة فإن ويتني تعرضت للتحرّش في طفولتها من قِبل إحدى قريباتها، وخلّفت هذه الحادثة جرحًا لم يندمل في ذاكرتها الشخصية.

لم تكن ويتني سوداء البشرة مثل أبويها بل سمراء، حتى إن الأمريكيين من أصول أفريقية كانوا ينعتونها بـ"البيضاء"، لأن سمرتها فاتحة اللون وأميل إلى البياض، فلا غرابة أن نسمع من أهلها وذويها بأن "هذه الطفلة تبدو كالحُلم"، لأنها جميلة جدًا وخفيفة الظل ومبتسمة على الدوام. وكان شقيقها مايكل يصفها بأنها "جسورة وطليقة اللسان"، ولأنها كانت تتبع مايك أينما ذهب فقد أبلغه والده بضرورة الاعتناء بها وحمايتها وإلاّ فسيطرده من البيت إذا حدث لها مكروه.

كانت ويتني تواظب على حضور التراتيل الكنسية التي غذّت ذائقتها الفنية وحبّبتها إلى الغناء منذ وقت مبكر. ولعل الخطأ الأول الذي ارتكبته الأم تحديدًا أنها كانت تترك ويتني ومايكل يجلسان على الرصيف ويبكيان، بينما تذهب هي لتغني لأسابيع أو أشهر عديدة في مدن أمريكية أخرى، تاركة إياهما يعيشان مع أربع أو خمس عوائل مختلفة جُلّهم من الكبار، بينما كانا يحتاجان إلى أطفال في سنهما كي يلعبا معهم، ويتناسيا الفراغ المروّع الذي خلّفته الأم المُنهمكة في عملها الفني.

ويتني تعلمت الموسيقى والغناء في سن مبكرة جدًا، وأتقنت العزف على البيانو في سن الحادية عشرة

موهبة غنائية فذّة صقلتها أمها سيسي

تعلمت ويتني الموسيقى والغناء في سن مبكرة جدًا، وأتقنت العزف على البيانو في سن الحادية عشرة، والتحقت بمسار الغوسبل لليافعين في "كنيسة الأمل الجديد المعمدانية" في نيوآرك، أما قرارها النهائي في أن تكون مغنية محترفة فقد بدأ في سن الثالثة عشرة. ومن ضمن قناعاتها الشخصية والأسرية أيضًا "أن الله جلّ في علاه يحب الغناء، وأننا يجب أن نمجده". وهي تقصد الغناء الكنسي أول الأمر، لكن هذا الشغف تطور للتعلّق بالغناء الشعبي بأشكاله المتعددة، ولهذا فقد كانت تصفها أمها "سيسي" بالبنت الصالحة الجميلة.

كانت ويتني في طفولتها وصباها محظوظة جدًا لأنها تنحدر من عائلة فنية، وحينما يجتمعون في الأعياد بعد العشاء يتحلّقون حول البيانو ويغنّون بدلاً من الانخراط في أحاديث جانبية عابرة.

لا شكّ في أنّ سيسي هي أول منْ اكتشف موهبة ويتني الغنائية، فلا غروَ أن تعتني بها وتطورّها، خصوصًا وأنّ الأم والابنة تعتبران هذه الموهبة عطية من الباري عزّ وجل.

ومن بين الأفكار المؤازرة للثيمة الرئيسية هي أساليب الغناء الثلاثة المعروفة؛ "الغناء من البطن والرأس والقلب"، وقد تعلّمتها جميعًا، لكنها أدركت أيضًا بحدسها العميق أن الغناء الحقيقي والأصيل لا بد أن يصدر من القلب كي يلامس قلوب المستمعين، أما النوعان الآخران فمجردان من المشاعر الدافئة والأحاسيس العميقة، وكأنهما يصدران من الفراغ ويذهبان إلى مدارج النسيان.

فالوالدة سيسي مغنية السول والغوسبل التي أصبحت لاحقًا مغنية منفردة، والحائزة على جائزتي "غرامي" هي التي علّمت ابنتها ويتني الغناء، ووضعت خطواتها على الطريق الصحيح، لكنها لم تكن معلّمة سهلة، بل كانت مُدرّبة قاسية لا تقبل بالهنات أو النشازات البسيطة، وتراهن على إظهار الإحساس العالي الذي تنطوي عليه كلمات الأغنية التي تؤديها، فلا غرابة أن يختلفا كثيرًا ويعودا من التدريب غاضبتين من بعضهما البعض، لأن المعلّمة لم تكن راضية عن أداء تلميذتها.

راهنت سيسي على موهبة ابنتها وصبرت عليها طويلاً، لأنها كانت تُدرك أنّ موهبة ابنتها تلامس حدود العبقرية الفذّة، ولم يفتّ في عضد هذه الأم شيء، وظلت تواصل التدريب حتى فجّرت ينبوع الإبداع في أعماق ابنتها ففاض غناءً على مدى ثلاثة عقود أو أكثر.

ويتني مع ابنتها الوحيدة كريسي، حيث أدمنت هذه الأخيرة على الكوكايين الذي أفضى بها إلى الانتحار، لتنطوي صفحة الابنة الشابة إلى الأبد

تفكك أسري انتهى بفاجعة

لا يقتصر هذا الفيلم على حياة ويتني هيوستن وتألقها في الغناء والتمثيل إضافة إلى موتها التراجيدي الذي هزّ مشاعر الملايين من محبّيها ومتابعيها، وإنما يتعداه إلى الجانب الاجتماعي وأعمال الشغب في الستينيات، ويلمح من طرف غير خفيّ إلى الأوضاع السياسية والتمييز العنصري وما إلى ذلك.

وما دام الأمر يتعلق بالمغنية ويتني فإنه ينبغي الإشارة إلى أنها تعرّضت للتنمّر حتى في المدرسة الدينية، وإلى التحرّش من قبل قريبتها "ديدي ووريك"، كما أن والديها انفصلا ووصل بهما الأمر إلى الطلاق، وذلك لأن سيسي كانت تخونه مع القسّ، وبدأ الناس يتهامسون كلما جاءت سيسي إلى الكنيسة أو ظهر القسّ ليُلقي مواعظه الأخلاقية على الوافدين الذين يتسقّطون الأخبار بين فواصل التراتيل الكنسية. ومن حُسن حظ ويتني أنّ الأبوين تكتّما على خبر الطلاق، وظلا يواصلان الحضور إلى الأنشطة الثقافية والفنية والدينية معًا وكأنّ شيئًا لم يكن.

أما الأخ غير الشقيق جون هيوستن فقد سلّط الضوء على جانب من شخصية والده المحيّرة، ففي الوقت الذي يغازل فيه بقية النساء فإنه كان غيورًا جدًا على زوجته، ويتنصّت على مكالماتها الهاتفية بعد أن نمت إلى سمعه قصتها الغرامية مع القسّ الذي استفاقت عواطفه على حين فجأة ولم يستطع كبح جماحها.

وفي المقابل كانت ويتني على علاقة بروبن كروفورد التي التقت بها في إحدى الوظائف الصيفية وصادقتها، لكن هذه الصداقة خرجت عن الحدود المتعارف عليها وتركت تأثيرها السلبي على العائلة. وعلى الرغم من أنّ الأشقّاء ينكرون هذه العلاقة، فإنّ ويتني تركت المنزل في سن الثامنة عشرة وذهبت لتسكن مع صديقتها روبن كروفورد تحت سقف واحد.

لم تستمر هذه العلاقة طويلاً، فما أن تزوجت ويتني من المغني المشهور بوبي براون حتى تفاقمت مشاكلها معه، فوافقت على استقالة روبن، لكن ذلك لم يمنعها من طلب الطلاق الذي أزعج ابنتها كريسي مثلما انزعجت هي من طلاق والديها من قبل، لتتفكك أسرتها الصغيرة وتلجأ ابنتها إلى الكوكايين والمخدرات مثلما لجأت إليها ويتني من قبل، وأفضت بها إلى الموت التراجيدي الذي ترك أثره العميق على معجبيها في كل مكان.

ويتني ما أن تزوجت من المغني المشهور بوبي براون حتى تفاقمت مشاكلها معه، فقد كانت تتعرّض للضرب والإهانة من قبله

أيقونة الغناء الأمريكي.. كان نجماً فهوى

لم تتأسس شهرة ويتني من فراغ، فقد تعلّمت الغناء والموسيقى بإشراف أمها، وبتشجيع من العائلة الكبيرة التي تتضمن أسماء فنية بارزة زرعت فيها الثقة بالنفس، فهي فنانة متعلمة لديها العديد من الأحلام الكبيرة، ففي العام 1983 سجلت ويتني أول ظهور لها على الشاشة وكان أداؤها رائعًا، وحين وضعت اللمسات الأخيرة على أسطوانتها الأولى التي اشتركت في المنافسة على المركز الأول كانت متيقنة من الفوز لأسباب عديدة أبرزها؛ أن حدسها الفني لا يخيب، والسبب الثاني يبدو روحيًا، فهي تعتقد "أن الله سبحانه وتعالى قد أعطاها شيئًا رائعًا لا يُعطيه للجميع"، لذلك قررت أن تطلق أغانيها الواحدة تلو الأخرى، رغم أن الغناء الفردي لم يكن شائعًا بسبب هيمنة الفرق الغنائية التي تؤدى بشكل جماعي.

هكذا وجدت أغانيها الطريق إلى قلوب المستمعين وعشّاق الغناء المنفرد، حيث فازت أغنية "أدّخر كل حبّي لك" بوجودها ضمن قائمة أفضل مئة أغنية، ثم تبعتها أغنية "كيف سأعرف؟"، لتصبح ويتني أفضل نجمة جديدة بحلول عام 1985. ثم بدأت جولاتها الغنائية في العديد من المدن الأمريكية الكبرى، حيث حصلت سبع أغانٍ متتالية لها على المركز الأول، وهذا العدد الكبير لم يحصل عليه إلفيس بريسلي أو فرقة البيتلز الذائعة الصيت.

هبّت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة لتنبش في تاريخها الشخصي والعائلي، وتفتش عن كل صغيرة وكبيرة في قلبها ومشاعرها العاطفية، فلم يجدوا قبل زواجها من بوبي براون سوى علاقتها بصديقتها روبن كروفورد وبإيدي ميرفن الذي تشترك معه في مشاعر حميمة وبضع إشاعات راجت وانطفأت بصمت بعد زواجها الأول والأخير الذي لم يكن موفقًا.

كانت ويتني كريمة جدًا مع أفراد عائلتها والعاملين معها، وكان الجميع -باستثناء والدتها سيسي- يتقاضون رواتب شهرية، حتى شبّهها البعض بالجهاز الأوتوماتيكي للنقود، وسرقها بعضهم، لكنها سرعان ما قطعت النقود عنهم وخاصة والدها، وحينما يئس من عودة راتبه الشهري رفع عليها قضية بمساعدة أحد الموظفين مطالبًا إيّاها بمبلغ مئة مليون دولار.

وبموازاة مشاكلها الزوجية مع بوبي روبن التي بلغت حد الاعتداء والضرب، تفاقمت مشاكلها الصحية بسبب الإدمان، وصارت بحاجة ماسة إلى مراجعة مركز إعادة التأهيل، إذ فقدت الكثير من وزنها، وبدأت بإلغاء بعض الحفلات من دون أي اعتبار لآلاف المعجبين الذين حجزوا التذاكر مسبقًا ودفعوا أثمانها، لكن مغنيتهم المفضلة خذلتهم وعادت من حيث أتت. وبعد هذه الانكسارات العاطفية والفنية والاجتماعية لجأت ويتني إلى العزلة وتناول المخدرات، ومع ذلك فإنها لم تفقد قوة صوتها وسحره الأخّاذ.

ولعل اللقطات والمَشاهد الأرشيفية المصورة هي من أجمل محتويات الفيلم، لأن المتلقي يشعر بأنه يسمع صوتًا جديدًا ومغايرًا لا يشبه الأصوات التي سمعها من قبل، وهذا ما منح الفيلم قوة كبيرة على الصعيد البصري الذي يتزامن فيه جمال الصوت مع براعة الصورة، من دون أن نُغفل القصة السينمائية ذات الحكايات الثلاث الرئيسية، والتي تبدأ بحكاية الوالدين جون وسيسي، وتمرّ بحكاية البنت ويتني وزوجها بوبي روبن، لتنتهي بحكاية ابنتها كريسي، إضافة إلى الحكايات الجانبية التي تؤثث المتن السردي لهذا الفيلم الوثائقي والموسيقي والبيوغرافي المؤلم في نهايته. فبعد صعود ويتني إلى القمة حيث أصبحت أيقونة الغناء الأمريكي فإنها تهوى في خاتمة المطاف إلى الحضيض، حتى إن مئات المعجبين من جمهورها الدانماركي خرج من الحفل غاضبًا ومشمئزًا، وقد وصفتها إحداهن بأنها كانت "مشوشة ومُريعة ومُبهمة"، فيما أعربت أخرى عن استيائها من هذا الأداء المُربك الذي "لا يستحق الـ165 دولارًا التي دفعتها ثمنًا لتذكرة الدخول"، وسواها من التعليقات البذيئة.

المخرج كيفن مكدونالد لم يرد أن يوثق جانبًا واحدًا من حياة المغنية ويتني هيوستن، وإنما التفت إلى جانبين آخرين هما عرض الأزياء والتمثيل السينمائي

بدايات الأفول.. نهاية حتمية

لم يأفل نجم المغنية ويتني فجأة، وإنما جاء على مراحل متعددة تبدأ بالخلافات الزوجية التي أرّقتها حين وصلت إلى صحف "التابلويد" الفضائحية، وشرع الناس يتداولون الأخبار والإشاعات التي تتعلّق بحياتها الشخصية، فقد كانت تتعرّض للضرب والإهانة من قبل زوجها بوبي براون الذي تحمّلته كثيرًا، لأنها في أعماقها لم تكن تريد أن تصبح مطلّقة مثل أمها. وحينما تفاقم سلوك زوجها وكثرت فضائحه وتحرشاته بنساء أخريات؛ وضعت ويتني حدًا لهذه الزيجة التي أثرّت سلبًا على ابنتها الوحيدة كريسي، حيث أدمنت هذه الأخيرة على الكوكايين الذي أفضى بها إلى الانتحار، لتنطوي صفحة الابنة الشابة إلى الأبد.

لجأت ويتني إلى العزلة، فقد كانت تدخل إلى غرفتها في فندق بيفرلي هيلز ولا تخرج منها إلاّ بعد عشرة أيام أو أسبوعين، فيما كانت شركة إريستا للإنتاج تتحمل التكاليف الباهظة، فقد صرفت لها الشركة أكثر من خمسة ملايين دولار ثمنًا للمكث في فنادق الدرجة الأولى واستئجار الطائرات الخاصة وحجز الأستوديوهات الجديدة وما إلى ذلك، بحجة أن العالم أراد أن يسمعها مجددًا مثلما أرادت الشركة أن تطلق أسطوانتها الجديدة، خصوصًا وأن المدير كلايف ديفس قدّم لها أكبر عرض في ذلك الوقت، لأنه كان يراهن على عبقرية صوتها وقدرتها الفذة في إضفاء معانٍ جديدة على كلمات أي أغنية تمر عبر حنجرتها الذهبية.

لم تصغِ ويتني لنداءات الشركة، ولا لأصوات المعجبين الذين يتوقون لسماع صوتها من جديد، بل كانت تلغي الحفلة تلو الأخرى، حتى وصل بها الحال إلى العجز عن دفع تكاليف مركز إعادة التأهيل الذي استقبلها للمرة الثانية، واشترط عليها أن تسدد ما عليها من نقود.

عادت ويتني إلى غرفتها في فندق بيفرلي هيلز ولقيت مصيرها المحتوم، سواء نتيجة الكوكايين أو نتيجة لتفاقم مرض شريانها التاجي الذي وضع حدا لحياتها في سن الثامنة والأربعين. ولأن الفواجع تترى ولا تأتي فرادى، فقد ماتت الابنة كريسي بالطريقة ذاتها كما ذكرنا.

 

الملكة السمراء.. أفلام روائية

لم يرد المخرج كيفن مكدونالد أن يوثق جانبًا واحدًا من حياة المغنية ويتني هيوستن، وإنما التفت إلى جانبين آخرين هما عرض الأزياء والتمثيل السينمائي، فقد ساعد جسدها الرشيق أن تكون عارضة أزياء، لكنها لم تحب هذه المهنة كثيرًا، لأنها كانت تعشق الموسيقى والغناء وتريد الانقطاع إليهما، لذلك سرعان ما غادرت هذه المهنة واتجهت لاحقًا صوب التمثيل الذي أحبّته أيضا وأجادت فيه.

اشتركت ويتني في خمسة أفلام روائية ووثائقية أبرزها "الحارس الشخصي" الذي أخرجه ميك جاكسون، وتناصفت فيه البطولة مع الممثل كيفن كوستنر الذي يلعب دور حارسها الشخصي الذي يوفر الحماية للنجمة الموسيقية من متعقب مجهول الهُوية. وقد نجح هذا الفيلم وحقق إيرادات عالية، وأصبحت موسيقاه التصويرية هي الأكثر رواجًا، إذ بيع منها 45 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم.

أما الفيلم الثاني فهو "انتظار الزفير" للمخرج فورست ويتكر، وعُدّ الفيلم في حينه "ظاهرة اجتماعية"، حيث يتناول قصة أربع نساء أمريكيات من أصل أفريقي يلتقينَ في كثير من الأحيان ويتناقشن في الحب والزواج، لكنهن يواجهن صعوبة في العثور على أزواج مناسبين. وقد جسّدت ويتني دور "سافانا" المنتجة التلفزيونية الناجحة التي تنتظر من حبيبها المتزوج أن يتخلى عن زوجته ويقترن بها، لكنها تتيقن بأن هذا الحبيب لن يتخلى عن زوجته أبدًا، وعليها أن تجد فارس أحلامها الذي يحبها كما هي عليه، ويخلص لها مدى الحياة.

ويدور الفيلم الثالث "زوجة الواعظ" حول مَلاك يهبط إلى الأرض ليساعد واعظًا في الحفاظ على كنيسته ومنزله الشخصي في أحد الأحياء الفقيرة بمدينة نيويورك. أما الفيلمان الأخيران فهما "ويتني: هل يمكن أن أكون أنا" للمخرج البريطاني نيك برومفيلد، وفيلم "ويتني" مدار بحثنا ودراستنا للمخرج الأسكتلندي كيفن مكدونالد، والذي ترك بعض الفراغات في فيلمه لعله يملأها في وثائقي قادم، فالأم لم تقل كل شيء، ربما لأنها كانت غائبة وبعيدة عن المنزل بسبب عملها وحفلاتها الغنائية المتواصلة، كما أن بوبي براون (زوج ويتني) لم يتحدث عن إدمانها على المخدرات رغم أنهما كانا يتناولانها معًا. ولعل السؤال اللافت هو "لماذ لم يستطع كيفن مكدونالد إجراء مقابلة قصيرة مع صديقتها روبن كروفورد، رغم أنه أجرى العديد من المقابلات الاستقصائية مع الأهل والأقارب والأصدقاء والموظفين الذين عملوا معها طوال رحلتها الفنية المثيرة؟".

لا يعود نجاح هذا الفيلم لكاتبه ومخرجه كيفن مكدونالد فقط، وإنما لفريق العمل الذي اشتغل بروح جماعية كي يوثّقوا تاريخ هذه الملكة السمراء التي حققت نجوميتها بسرعة خارقة، لكنها هوت مثل نيزك هابط من أعالي السماء، وماتت ميتة مؤسفة توجعت لها قلوب الملايين الذين أحبّوها حتى النَفَس الأخير.

وعلى الرغم من كثرة استعمال اللقطات والمَشاهد الأرشيفية، فإن تصوير نيلسون هيوم في مجمله كان جميلاً، وتبقى العديد من لقطاته راسخة في ذاكرة المشاهدين، وهذا الأمر لا يتحقق إلاّ بوجود مونتير من طراز سام رايس إدواردز الذي أمدّ الفيلم بانسيابية عالية أنقذته من بعض العثرات التقنية في سرديته البصرية السلسة.

قد ينال إعجابكم