نقد سينمائي

"وينار" .. بورتريه السقوط

 
 
أمير العمري
 
كان أنطوني وينار عضوا بارزا عن الحزب الديمقراطي في الكونجرس الأمريكي، وقد انتُخب وأعيد انتخابه سبع مرات وظل في مقعده من 1999 إلى 2011. وقد عُرف وينار بأفكاره التقدمية ومواقفه المتشددة في مواجهة الجمهوريين، وكان يستخدم كلمات قاسية في وصف ذرائعهم وتبريراتهم التي يسوقونها من أجل تمرير بعض التشريعات وتعطيل تشريعات أخرى. 
 
أنطوني وينار هو نقيض البطل أو البطل المهزوم anti-hero في الفيلم الوثائقي الأمريكي Weiner ("وينار" هي الطريقة الصحيحة في كتابة الإسم لأنه أقرب إلى النطق الصحيح- وليس "وينر").  هذا الرجل الذي كان يتطلع إلى مستقبل مرموق في عالم السياسة كان يعاني من مشكلة غريبة - أغلب الظن أنها لاتزال موجودة - فهو مولع بإرسال صوره العارية إلى النساء والفتيات من المتابعين له على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد خرجت الفضيحة الأولى إلى العلن عام 2011. وكانت لها مضاعفات خطيرة على مستقبله السياسي. 
 
يبدأ الفيلم الوثائقي الذي أخرجه جوش كريجمان وإليس شتاينبرج، بلقطات معظمها مما عرضته قنوات التليفزيون الأمريكية لمواقف وينار السياسية وأهمها دفاعه الشرس عن تشريع يقضي بتوفير أموال لدفع تعويضات لجميع المصابين والمتضررين من هجمات 11 سبتمبر، وفي المقطع الذي يعرضه الفيلم نراه وهو يقف داخل قاعة مجلس النواب، يشن هجوما شرسا ضد الجمهوريين لمعارضتهم الخفية لهذا التشريع ومحاولة تعطيله.
 
النجم الساطع
تلخص اللقطات التي تعرض في بداية الفيلم صورة وينار كرجل مليئ بالحيوية والحرارة، يدافع عن المظلومين، يطرح أفكارا جيدة، يتمتع بالقدرة على المناورة، وبالقدرة على الإقناع. هذا النجم الساطع في سماء واشنطن، سرعان ما سيهوى ويسقط بعد أن تنكشف أولى فضائحه الشخصية عندما تنشر صورة له أرسلها إلى بعض النساء لنصفه الأسفل. ويصبح الأمر كما نرى- مثار اهتمام وسخرية من جانب برامج التليفزيون ومقالات الصحف بعد أن كانت قبل قليل تصفه بالفتى اللامع والنائب المرموق. هكذا هي وسائل الإعلام في أمريكا والعالم. ولكن وينار سيظهر علانية مرات عدة، لكي ينفي بشدة أن تكون الصورة له. لكن صورا أخرى أكثر فضائحية تتسرب من أطراف خفية لا يكشف عنها الفيلم، فيجن جنون الصحافة ويصبح المطلب الأساسي هو "استقل يارجل.. لماذا لا تستقيل؟" ويضطر وينار - في يونيو 2011 - إلى الظهور أمام الصحافة والإعلام لكي يعترف بأنه كذب على الرأي العام، ويعلن استقالته من عضوية الكونجرس متعهدا بأنه سيصلح من أمر نفسه.
 
ولكن هل سينتهي الأمر عند هذا الحد ويذهب الملف الشخصي لأنطوني وينار إلى طي النسيان؟ الأمر ليس على هذا النحو من البساطة، وإلا لما كان قد أصبح لدينا هذا الفيلم الذي يتميز بالإثارة والدقة ومتابعة الموضوع من جميع زواياه، والقدرة بالتالي على جذب انتباه المتفرج من اللحظة الأولى، بما في ذلك الذين يعرفون سلفا ما انتهى إليه مصير وينار. وهذا يعود إلى براعة المخرجين مع المونتير الذي نجح في توليف المادة الهائلة المصورة التي أمكن الحصول عليها بما فيها أدق خصائص الحياة الشخصية من الداخل لوينار، في انفعالاته ومشاجراته وعلاقته مع فريق عمله والأهم بالطبع علاقته بزوجته "هوما عابدين" التي ظلت صامدة طيلة هذه الأزمة ومضاعفاتها كما سنرى. وقد بلغت المادة المصورة 400 ساعة، وعُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان سندانس إلا أن وينار وزوجته رفضا دعوة لحضور الفيلم!
 
 
العودة إلى دائرة الضوء
في عام 2013 قرر وينار العودة إلى ساحة العمل السياسي عندما أعلن اعتزامه الترشح لمنصب عمدة مدينة نيويورك ليخوض السباق مع عدد كبير من المنافسين. ومن الواضح أن تكوينه الشخصي لا يسمح له بالتواري عن الأنظار، ولعل أهم النقاط التي يكشف لنا عنها الفيلم أن شخصية وينار التي تميل إلى الاستعراض والتباهي والجرأة الاقتحامية، تتسق سيكولوجيا، مع ميوله السرية الغامضة إلى "العرض" أو "الاستعراض"، أي نشر وإرسال صوره العارية الجريئة والدخول في "دردشات" جنسية مع فتيات عبر شبكة الانترنت، فهو يدمن على ما يبدو هذه العادة التي تتفق مع ميوله "النرجسية" الغامضة، والأكثر جرأة أيضا أنه يرفض كل تساؤل عن سلوكه هذا، ويثور ويهاجم محدثه هجوما شديدا بحيث يقلب الطاولة فوق رأسه ويحول من يستجوبه - وهو عادة مذيع تليفزيوني كما نرى في مقابلة مع لورنس أودونيل المذيع الشهير في محطة تليفزيون "إم.إس.إن.بي.سي" الفضائية الذي يبدأ الحوار معه بسؤال واحد يظل يكرره بقوة وهو "ما هي مشكلتك؟"، وهو سؤال يجعل صاحبنا يثور في اهتياج شديد، موجها الاتهامات إلى لورنس ثم ينهي المقابلة بشكل حاد وينسحب على الهواء بينما زوجته تراقب الموقف عن كثب، وتكشف لنا نظرتها عن شعورها بعدم الارتياح!
 
منذ أن يعلن وينار خوضه السباق على منصب عمدة نيويورك، يبدأ صناع الفيلم في متابعة كل تفاصيل حياته اليومية، داخل بيته، في مكتبه، وهو يداعب ابنه الصغير الذي يصطحبه معه أحيانا إلى مقر حملته ليتصاعد صراخ الطفل أحيانا فيطغى على أصوات النقاش مع مساعديه حول طريقة إدارة الحملة وسط ذلك الجو العدائي الذي تخلقه أجهزة الإعلام ضد وينار.. ولكن  تظل شخصية زوجته "هوما عابدين" مثار الاهتمام الأكبر من بين كل المحيطين به في الفيلم، فالكاميرا تركز علي ردود فعلها إزاء كل ما يحدث.  
 
هوما عابدين مسلمة من أصول هندية، تزوجت من وينار (اليهودي) عام 2010، وكان الرئيس الأسبق بيل كلينتون شاهد زواجه كما نرى في إحدى لقطات الفيلم، وقد أنجبت منه ابنهما "جوردان زين". و"هوما" هي المساعدة المقربة من هيلاري كلينتون لسنوات طويلة منذ 2008 إلى حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة. وقد قالت عنها كلينتون – كما يتردد في الفيلم - "إنني لم أنجب سوى ابنة واحدة، ولكن إذا قدر لي أن أتخذ ابنة ثانية فستكون هي هوما عابدين". و"هوما" شخصية تتمتع بالجاذبية والذكاء الشديد والمعرفة السياسية والخبرة، ورغم أنها علمانية ديمقراطية، تؤمن بكل الحقوق الفردية، ورغم زواجها من يهودي وإنجابها منه، إلا أن من المثير للسخرية أن يكون الإعلام المصري اتهمها بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين!
 
على الرغم من الضجة التي ثارت حول سلوكيات وينار والحصار الإعلامي حول هوما نفسها: كيف يمكن أن تعيش مع رجل مثل هذا؟ وكيف تصمت، وما الذي يجبرها على هذا الصمت؟ إلا أنها واصلت الوقوف بجانبه بل ووافقت على الظهور معه في المؤتمر الصحفي الذي أعلن خلاله اعتزامه العودة إلى مجال العمل العام، ولعبت دورا كبيرا في دعمه، لكن حماسها ظل يتراجع كما يمكننا أن نشعر من خلال اللقطات التي تتركز على وجهها وهي تتابع تطورات الحملة، ومع تصاعد حدة الجنون الشخصي لوينار، ثم ما سيتكشف أيضا أثناء الحملة من ظهور مزيد من الصور الفضائحية له. رغم كل ذلك فصانعي الفيلم ابتعدوا عن محاورة هوما بشكل مباشر. ولا يكشفون لنا عن أسباب صمودها. وسنعرف فقط بعد عدة أشهر من ظهور الفيلم، في أغسطس 2016، أنها قررت أخيرا الانفصال عنه.
 
 
جاذبية وحماقة
يصور الفيلم وينار كشخصية قريبة من الناس في الشارع، في المؤتمرات التي يشارك بها خلال حملته الدعائية، في أحاديثه مع الداعمين للحملة، في علاقته مع فريقه المساعد، ويستكشف حقيقة مشاعر أفراد الفريق لنرى كيف أنهم قرروا التركيز على البرنامج العملي الذي يطرحه المرشح لا على سلوكياته الشخصية، وهو ما تردده أيضا أكثر من سيدة من المؤيدين له في بداية الحملة، بل ويتعاطف معه الكثير من الرجال الذين يرفضون ما يمارسه المرشحون المنافسون من مزايدات "أخلاقية" عليه. ويجن جنون محطات التليفزيون بعد أن يفشل كل هجومها عليه عندما تقول استطلاعات الرأي أن وينار يتقدم على جميع منافسيه.
في أحد المشاهد يتوجه وينار إلى حي اليهود في بروكلين حيث يحاول رجل يهودي يضع القلنسوة اليهودية على مؤخرة رأسه، وهو من أصحاب الحوانيت اليهودية المنتشرة في الحي، أن يلقنه درسا في السلوك الملتزم ويذكره بأنه أب وزوج ولا يصح أن يفعل ما يفعله، فيصرخ فيه وينار ويظل يردد: هل أنت الله؟ أنت لست الله؟ الله فقط يمكنه أن يحاسبني! 
 
بورتريه شخصية مثيرة للجدل
على مدار الفيلم ونحن نتابع كل هذه التطورات، يتم استخدام المقابلة التي سجلها مخرجا الفيلم مع وينار، وهو يتحدث بوقار وبنغمة حزينة، عن زوجته، عما سببه لها من ألم، وعن رغبته الحقيقية في التوبة وعن مشروعه الطموح لإنقاذ مدينة نيويورك واستعادة مجدها والقيام بمشروعات حقيقية من أجل سكان المدينة. هذا الحوار يتم تقطيعه على مدار الفصول المختلفة للفيلم التي تسبقها عناوين مثل (8 أسابيع على التصويت) و(6 أسابيع على التصويت) وصولا إلى "يوم التصويت).
تنجح وسائل الإعلام في الوصول إلى فتاة تدعى "سيدني"، تتحدث عن علاقتها بوينار عبر شبكة تويتر، وكيف أنها كانت تنهره بسبب سلوكياته كرجل متزوج، وتشي ببعض التفاصيل المثيرة عما كان يجري بينهما من حوارات يعيد المخرجان وضعها في سياق كوميدي باستخدام أصوات ممثلين. وتتابع الكاميرا هذه الفتاة التي تدفعها بعض أجهزة الاعلام لأن تصل إلى مقر وينار لتواجهه في اليوم الأخير وهو يلقى هزيمته القاسية حيث حصل على أقل من 5 في المائة فقط من الأصوات بعد أن كان يتمتع في بداية الحملة بنحو ستين في المائة. 
 
يمكن اعتبار الفيلم صورة شخصية أو "بورتريه" لرجل مثير للجدل، وكيف ساهم بلا وعي في إسقاط نفسه وتشويه صورته والقضاء على مستقبله، بتلك السلوكيات الغريبة التي رغم انكشاف بعضها علانية وصولا إلى مستوى الفضيحة العامة، إلا أن جرثومة الضعف داخل شخصيته جعلته يواصل هذه التصرفات بما لا يصلح معه في نهاية المطاف سوى إسقاطه. وهو ما يحدث بشكل فادح.
 
أود أن أضيف فقط أن وينار، رغم مواقفه التقدمية فيما يتعلق بالسياسة الداخلية، كان صهيونيا متعصبا، وصاحب مواقف يمينية في السياسة الخارجية، فقد صوت مع غزو العراق في 2002، كما حاول في عام 2006 منع الوفد الفلسطيني من دخول مبنى الأمم المتحدة وطالب بطرده باعتباره وفدا من "الإرهابيين" الذين "يجب أن يحزموا حقائبهم الإرهابية الصغيرة ويرحلوا"، كما اتهم منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وصحيفة "نيويورك تايمز" بمعاداة إسرائيل.
 

قد ينال إعجابكم