نقد سينمائي

وَعْد شابة أفريقية

محمد موسى

لم تكن البداية العادية لحياة "جاها دكرية"، شخصية فيلم "وَعْد جاها" (Jaha's Promise) للمخرجين الأمريكيين باتريك فاريلي وكيت أوكالاجا، تنبئ بالانعطافات الحادة التي ستمرّ بها في المستقبل، والتي كادت أن تفقد الشابة الغامبية توازنها ودفعتها إلى وجهات معتمة كثيراً، بيد أن الطريق الذي ستسلكه الشابة، والصراع النفسيّ الصعب الذي خاضته، والنتائج التي أثمر عنها نضالها، سيقربها من الأيقونة النسوية المعاصرة. فالفتاة التي زوجها أهلها وهي في الخامسة عشرة لرجل من بلدها في الأربعين عمره يعيش في مدينة نيويورك الأمريكية، ستنتفض لتغيير حياتها الخاصة، وستبدأ بعدها رحلة صعبة كثيراً محطتها النهائية وقف ختان النساء في بلدها، الممارسة التي كانت هي نفسها إحدى ضحاياها، حيث تركت أثاراً جسيمة على حياتها.

يُسجل العمل التسجيلي الذي عُرض في الدورة الأخيرة لمهرجان شيفيلد السينمائي البريطاني المرموق للسينما للتسجيلية، محطات مهمة من حياة شخصيته، ويكون شاهدا على أوقات صعبة ومضيئة على حد سواء من جهودها لتغيير عادات اجتماعية قديمة وسائدة. وسيكون الفيلم محظوظاً بسبب وفرة ونوعية الأحداث المفصلية التي وقعت في فترة قصيرة نسبياً، والتي سجل الفيلم الكثير منها وعرضها بأسلوب يقترب من الملحمي، حيث يبدأ بسرد قصة الفتاة الشخصية، ومن بعدها دخولها مجال العمل العام في الولايات المتحدة حيث تعيش، ونشاطها في بلدها الأصلي، حيث تواجه خططها للتغيير صعوبات جمّة من محيطها العائلي المباشر والمحيط الاجتماعي والديني العام.

ستنتفض جاها لتغيير حياتها الخاصة، وستبدأ بعدها رحلة صعبة كثيراً محطتها النهائية وقف ختان النساء في بلدها

لا ترضى "جاها" بالحلول الفوقية والنظرية أو العمل عن بعد، وتذهب بنفسها إلى بلدها الأفريقي لتفتح موضوع ختان النساء الحساس. يبدأ الفيلم بمشاهد لواحدة من رحلات شخصيته الرئيسية إلى غامبيا، ويسجل بعض تقاطعاتها العديدة مع ناس عاديين في الشارع للحديث عن موضوع الختان، والتي يكشف بعضها عن معتقدات شديدة التخلف، فالقابلة المأذونة في قريتها والتي تختن الفتيات أيضاً، تعتقد أن الختان مهم كثيراً لتسهيل ولادة النساء في المستقبل، في حين سينقل أحد العابرين الرجال في الفيلم وجهة نظر سائدة في مجتمعات معينة، بأن الرجل فقط هو من يجب أن يستمتع بالعملية الجنسية، والختان وسيلة نافعة لوقف استمتاع المرأة بالجنس!

في موازاة مشاهد لـ "جاها" من رحلتها في بلدها الأُمّ، يقدم الفيلم شهادة طويلة لها من الولايات المتحدة عن حياتها وزواجها هناك، وأثر الختان عليها شخصيا، إذ كان عليها أن تخضع لعدة عمليات جراحية كنتيجة مباشرة للختان، وسينتهي زواجها الأول بالطلاق، وتكاد أن تتحول إلى مشردة في الولايات المتحدة قبل أن تساعدها جمعيات نسوية أمريكية في إيجاد المنزل والدراسة. ستتزوج "جاها" مجدداً وتنجب ثلاثة أطفال، وستتجه بعد استقرارها العائلي تدريجياً وبجهود ذاتية بسيطة لكن حاسمة للعمل الاجتماعي العام، حيث بدأت بمدونة صغيرة على شبكة الإنترنت، قبل أن تتحول إلى شخصية عامة، وصل صوتها إلى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما نفسه، وقابلت الأمين العام للأمم المتحدة.

لا ترضى "جاها" بالحلول الفوقية والنظرية أو العمل عن بعد، وتذهب بنفسها إلى بلدها الأفريقي لتفتح موضوع ختان النساء الحساس

تتضافر المشاهد المعاصرة للشخصية الرئيسية من غامبيا والشهادة التي تسردها بنفسها عن ماضيها لتجسيد بوتريه ثريا لها وللمحيط الاجتماعي الذي ولدت وعاشت فيه. فهي ستأخذ كاميرا الفيلم إلى بيت العائلة الذي حوّل والدها الإمام قسماً منه إلى جامع، وعندما تحاول أن تتذكر أسماء إخوتها الذين ولدوا من أربع أُمّهات ويتعدون الثلاثين تفشل. في المقابل تترك وفاة والدتها المبكرة بالسرطان أثراً مهماً عليها، سيتعاظم عندما تجد نفسها في علاقة زوجية تعيسة. وعندما تلد ابنتها الوحيدة من زواجها الثاني، ستأخذ وَعْداً على نفسها بتغيير مصير ابنتها كمقدمة لتغيير العالم الذي أتت منه.

تتركز الحركة الاجتماعية التي بدأتها "جاها" (والتي جعلت مجلة "التايم" الأمريكية تضع مؤسستها في قائمة أكثر النساء تأثيراً في العالم قبل أعوام) على شخصيتها الصبورة وغير المحايدة، وإصرارها على تغيير مجتمعها من الداخل وعبر نقاش اجتماعي وفكري مفتوح. فالمرأة الشابة لم تتخل عن قيم الدين الإسلامي الذي تربت عليه، وحاولت عبر نقاش غير متشنج في الدين نفسه البحث عن حجج تنفي علاقة الإسلام بهذه الممارسة التي تعود إلى عصور ما قبل الأديان. يحفل الفيلم بمشاهد لشخصيته وهي تدخل في نقاشات مع طلاب مدارس في بلدها كانت تزورهم، ومع والدها الإمام، وهناك عدة مشاهد جمعتها بأشهر أئِمَّةٌ البلد، حيث نجحت في انتزاع ما يقترب من الفتوى تقول بجواز عدم ختان الفتيات، إلا أنه رفض في المقابل تحريمه.

القابلة المأذونة التي تختن الفتيات في قرية جاها، تعتقد أن الختان مهم كثيراً لتسهيل ولادة النساء في المستقبل

وعلى رغم من الحذر والاحترام الواضحين الذي طبع تعاطي "جاها" مع المجتمع الذي أتت منه، الا أنها (ومعها الفيلم)، لم تتورع عن تسمية الأمور بأسمائها الصريحة، رغم حساسية وحميمية القضية التي يتعاملون معها، بل كان الفيلم يذهب أحياناً إلى حدود غير مسبوقة، في تفصيله للقضية التي يناقشها، مستعيناً أحياناً بصور قاسية تؤيد مزاعمه، وكأن هذا الأسلوب هو الأكثر تأثيراً وقدرة على إطلاق نقاش عام، بدل الاختباء وراء أوصاف مبهمة، أو تَورية من أي نوع، والحديث في كل التفاصيل والآثار الجسدية والنفسية التي يتركها الختان على النساء المختونات.

يُصنف الفيلم التسجيلي هذا ضمن فئة أفلام الحملات الاجتماعية التسجيلية، من التي تهدف إلى تغيير الرأي العام، والتي لا تتوقف عن استعمال كل الطرق الممكنة لتحقيق ذلك، بيد أن حضور "جاها" اللافت، والاقتراب من عالمها، سيمنح فيلم "وَعْد جاها" حساسية فنيّة متميزة ويقربه من الفيلم الذاتي، فهذه المرأة العادية التي لا تغضب بسهولة تعمل بهمة تثير الإعجاب حقا، وتحركها تجربتها القاسية لوقف تقليد اجتماعي آثاره مدمرة. تحركت "جاها" في السنوات الماضية في اتجاهات عديدة، منها رسمي ومؤسساتي (وافقت الحكومة في غامبيا أخيراً على تجريم ختان الفتيات)، وحاولت على الجانب الشخصي العائلي إحداث تغييراً ما، فهي وما أن سمعت بولادة اخت جديدة لها ونية والدة الطفلة ختانها، حتى بدأت محاولات غلفها القنوط وتكللت بالنجاح لأقناع زوجة أبيها بوقف هذا التقليد الاجتماعي للأبد.

قد ينال إعجابكم