نقد سينمائي

"يوشوا" في مواجهة الصين العظمى!

قيس قاسم

صلابة مواقف المراهق الهونغ كونغي "يوشوا وانغ" ضد حكومة بلاده الخانغة لتوجهات الصين منذ تسلمها إدارة بلاده من بريطانيا، تدفع الوثائقي الأمريكي Joshua: Teenager vs. Superpower لمعالجة موضوعين في آن. الأول يتعلق بشخصيته وتجربته المثيرة للاستغراب في مجابهة سياسات محلية  تخل بالنظام الديمقراطي والتقاليد السياسية العريقة وأخرى أعم شديدة الصلة بسياسة الصين المخططة لضم هونغ كونغ تدريجياً إلى نظامها الحزبي المركزي، على عكس ما اتفقت عليه في معاهدة "المرحلة الانتقالية" التي نصت على أن تسري على البلاد المُسلَمَة من بريطانيا إلى الصين الشعبية قوانين ما يسمى "دولة واحدة بنظامين" أي أن تحتفظ هونغ كونغ بنظامها الرأسمالي الديمقراطي، الذي ورثته من الاستعمار البريطاني وتعايشت معه لعقود طويلة فيما تتبع من الناحية الادراية الصين باعتبارها تاريخياً جزءاً منها.

في هذه الحالة نحن أمام شخصية فريدة تجسيدها على الشاشة تعطي الوثائقي طابع ال"بورتريه" فيما يُلبسه الاشتغال السينمائي المتعلق بمراجعة واقع هونغ كونع بعد نهاية الانتداب البريطاني وإعادتها إلى الصين، رداء السياسي والتحليلي ويوسمه بالطليعية لقلة الأفلام المتناولة ذلك الجانب حتى الآن.

ما يضفي على تجربة المخرج "جوي بيسكاتيلا" تألقاً هو صبره على مجاراة مراهق جُبل على المثابرة والتحمل والحركة غير المنقطعة والإصرار على النهوض بعد كل كبوة. مراهق مغوار مَلَك موهبة قراءة الوضع السياسي بعين يقظة تسبق عمره وبالتالي كان الزاماً على صانع الوثائقي مواكبة الأحداث التي عاشها والكثير منها من صنع يديه لعدة سنوات وبارتباطه موضوعها بمصيره ومصير شعب وبلد كان لابد من اشباع المستويين السردي والحكائي له والسير في خطوط درامية متوازية حتى لا يأتي جانب على حساب آخر. ففرصة صنع فيلم جيد منها متوفرة والحرص على عدم ضياعها يمكن ملاحظته بسهولة من خلال تجنب اهماله أي مفصل مهم من الحكاية المتشعبة المسارات.

لازم المخرج الأمريكي طالب المدرسة الهونغ كونغي منذ كان عمره في الرابعة عشر وظل معه حتى بداية 2017. دخل بيته وتعرف على عائلته ثم قضى وقتاً طويلاً في تصوير نشاطه ورصد مراحل تبلور وعيه السياسي بإعلان رفضه لبرنامج "التعليم المدرسي الوطني" المقترح من قبل حكومة بلاده، والذي وجد فيه محاولة لغسل أدمغة الأجيال الشابة بسياسات الحزب الشيوعي الصيني ولا ديمقراطيته انطلاقاً من المناهج الدراسية. شدة متابعة الكاميرا له ورصدها تحركاته سهلت التعرف على الشاب العنيد ولخصت اللوحة السينمائية الدقيقة عنه؛ طباعه وخصاله ومن خلالها قابلنا واقع ملتبس لبلاد تعيش لحظة تاريخية فاصلة بين الحفاظ على استقلالها السياسي والثقافي أو الخضوع والاستسلام إلى ارادة القيادة الصينية المتشددة في مواقفها أزاء فكرة اللامركزية وعدم ايمانها بها أصلاً.

الانتقال الفوقي بين الدول أربك الشعب وجعله في حيرة من أمره لهذا عاد الوثائقي إلى سنوات ما قبل عام التسليم 1997 وأعطى فكرة عن حياة هونغ كونغ السياسية والأقتصادية مع تسجيله المواقف اللّينة التي اتبعها الرئيس الصيني جيانغ زيمين إلى حين وصول الرئيس شي جينبينغ، الرافض بقوة استقلالية هونغ كونغ النسبية، فدعى لذلك تشديد قبضة الصين عليها والعمل على جرها إلى الوطن الأم والتوافق مع سياساته "الاشتراكية" عبر تعينه قادة محليين ينفذون بدورهم ما يطلبه منهم والاعتماد أكثر على أجهزة الشرطة والجيش لفرض سياسته!.

قرأ الطالب نصوص المقترح الجديد ووجد فيها ما يضر بمستقبل الأجيال القادمة فأخذ يحشد الطلبة أولاً لرفضه وبعد وقت قليل أسس حركة أطلق عليها اسم "سكولارزم" تدعو إلى النضال الطلابي السلمي ووقف اصدار القانون الجديد. خطواته التحريضية ودقة تحركاته وانتظام أفكاره لفتت اليه أنظار العالم، لدرجة أطلقت عليه الصحافة لقب "جان دارك" لمعاندته وقوة معارضته لسياسة حكومة بلاده التعليمية وسيتصاعد الأمر لاحقاً لتتحول دعواته الاحتجاجية إلى مواجهة مع قوى عظمى وليكتسب وقتها عنوان الوثائقي "يوشوا: مراهق ضد قوة عظمى" مصداقيته ستزداد كلما مضى في تسجيل وتحليل الصراع على الأرض. لمزيد من التحليل يلجأ صانع الوثائقي إلى مقابلة خبراء وصحافيين يعرفون البلاد جيداً. مطلعون على تفاصيل ما يجري فيها من قرب ولهذا استعان في كل خطوة ومرحلة من مراحل تصعيد المواجهة بآرائهم الخاصة وحرص على نقل فهمهم لمنطقة شديدة الغموض، ليعمق مسار تحركاته ولا يخضعها لمنطق السير الدائم مع الحراك الشعبي فحسب.

أظهر رئيس الوزراء الجديد وبعد أداء القسم في بكين مرونة في التعامل مع حركة الطلبة وقَبِل مقابلة "يوشوا" شخصياً، لكنه تصور أنه قادر على اخماد حماسته وكان مخطئاً فبعد اللقاء راح المراهق يصعد بعد أن اكتشف محاولة السياسي لكسب الوقت فقرر إثرها احتلال ساحة "سيفيك" وسط العاصمة ودعوة الناس للمجيء اليها والاستماع إلى وجهات نظرهم. في الأيام الأولى لم يحضر سوى عدد قليل من الناس لكن مع نصب خيمهم والبقاء في العراء لأيام اقتنع كُثر بدعوتهم وبجديتهم فزاد مع الوقت أعدادهم وامتلأت الساحات بهم. في وقفات الاحتجاج جاءهم رئيس الوزراء ووعدهم بدراسة مطالبهم بشرط اخضاع القانون الجديد ل"مرحلة تجريبية".

مرة أخرى واجه السياسي المحنك مواقف شباب واعي يعرفون ما يريدون فأعلنوا الاعتصام العام وأعلنوا معه فشل تمرير لعبة الحكومة، لادراكهم أن مجرد طرح المشروع سيصبح بعد مدة قصيرة واقعاً يصعب تغييره. تواصلت الاعتصامات في الشوارع والساحات لاكثر من شهرين سجل خلالها الوثائقي التقلبات والمواقف والمشاعر المتضاربة للمشاركين وتابع انتقال عدوى الثورة السلمية إلى مجاميع أخرى من الشعب. انضم إليهم بروفسور في علم التاريخ وأطلق على حركته اسم "المظلات" دعا فيها إلى احتلال كل الشوارع والساحات واعلان النفير العام. في طليعة كل تلك المواقف كان المراهق "يوشوا" وزملاؤه في الطليعة. صمودهم وعدم تراجعهم أبهرت الناس فتحولت حركتهم مع بقية الحركات إلى موجة غضب شعبية رفضت تبعية حكومة هونغ كونغ لبكين وارتقت المطالبات إلى مستوى رفض تعيين رئيس وزراء حكومتهم من المركز الصيني كما تنص الاتفاقات؛ فالشعب الهونغ كونغي هو من يحق له ترشيح وانتخاب قادته. سترفع المطالبة بحرية اختيار الزعماء المحليين حرارة المواجهة مع الصين أعلى وأعلى وبدورها ستلجأ السلطات الصينية إلى الجيش والشرطة لقمع المتظاهرين. أساليب قمعهم الوحشية واستخدام العنف المنفلت ضدهم وحجم التضحيات الكبيرة تطلبت مراجعة قادة الحراك الشعبي لتكتيكاتهم وحتى أهدافهم.

حركة "المظلات" و"احتلال الساحات" تراجعتا خوفا وحرصا على أرواح الناس، أما المراهق الشجاع فأعلن الاضراب عن الطعام. لأيام أضرب وبعد ضعف مقاومة جسده للجوع والعطش أُجبر على دخول المستشفى. التطورات المتسارعة أجلت البت بالمشروع ولم تلغيه كلياً، فيما تطلبت الأوضاع من المراهق وأصحابه مراجعة شاملة لنشاطهم. في هذا الجانب يسجل الوثائقي علامات شخصية مقرونة بسن المراهقة من بينها؛ الغيرة والحب والتوصيفات الفجة. وصوفوا قائدهم بـ"الآلة".. لا يُبيح بمشاعره ويصعب اقامة صداقة شخصية معه. فيما برر هو ذلك؛ بجدية المواقف وصعوبتها. هذا الجزء الممتع من الوثائقي يقدم مثالاً على قدرة المخرجين المتمكين من موضوعهم على إيجاد مساحات "استراحة" لا تنفصل عن نسيج العمل لكنها تخفف من ضغط التصعيد المستمر بخاصة في الأفلام الديناميكية الحركة. في الأحوال كافة سيتغير الكثير من تلك الانطباعات "السلبية" خلال العمل المشترك وسيُقوم رفاقه مواقفه وسلوكه الصارم إيجابياً.

قوة الوثائقي الأمريكي تكمن في قدرته على التنقل بين مفاصل الأحداث وصولاً إلى الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمصير أمة وجدت نفسها في لحظة أمام خيارات صعبة وتصدى لها، على غير المتوقع شباب ومراهقين صغار في البداية، ثم تطورت لتصبح حركة شعبية توجت بإعلان نيتهم تشكيل حزب سياسي يهدف إلى تغيير المواقف من داخل المؤسسات وإلى توزيع الشباب على مراكز اتخاذ القرار، فجاء قرار حل حركتهم متوافقاً مع وعي سياسي تبلور خلال العمل الحقيقي وخلال مواجهات قدموا فيها خسارات أقلها ترك دراستهم لفترات والدخول إلى المعتقلات والتعرض للضرب والخضوع إلى مراقبة أمنية مشددة  دائمة ومع كل ذلك نراهم مصرين على المضي في مواجهة الصين العظمى دون خوف.

وثائقي "جوي بيسكاتيلا" يرتقي إلى مستوى الوثائقيات الممتعة فيما تقدمه من معلومات وحقائق عن حراك يحاول الطرف المتسلط عدم إظهاره للعالم، فيما حركة المراهقين والطلبة والسينما الوثائقية تنشره وتجلى ذلك بوضوح في فيلم "جوي بيسكاتيلا"، الذي أتاح لنا فرصة التعرف على شخصية نادرة شجاعة شديدة الارتباط بموروث ثقافي وفلسفي آسيوي، وعلى المستوى السياسي عرض لنا التصادم الناشيء بين رؤى مختلفة لمفهوم السلطة وطريقة حكم الشعوب. فالصين تريد عبر برامجها التعليمية غرس ثقافة استبداية حزبية فيما أبناء البلد يريدون الاحتفاظ بما نالوه من ديمقراطية وحرية تعبير ترفضها بكين وعند الحاجة تستخدم قوتها ونفوذها لقمعها وتجربة "يوشوا" بينت مقدار خوف الدولة العظمى وأتباعها في الداخل من حرية الرأي ومن شجاعة مراهقين وطلبة سبقوا الآخرين في وعيهم فأعلنوا رفضهم لـ"غسل الدماغ" الصيني.

 

 

قد ينال إعجابكم