نقد سينمائي

سحر مافات في كنوز المرئيات: بين القول والفعل

حسونة المنصوري

كلما ذكر اسم المخرج المصري مدكور ثابت في حضوري تساءلت بكل أمانة عن عدم معرفتي بأعماله اذ كان يقدم أحيانا كأحد الأسماء المعروفة في السينما المصرية ويقول البعض في السينما العربية عامة. وبلغ بي الشك حتى أنني لمت نفسي على بعض التقصير إذ  لا يعقل لمن يعنى بالسينما أن لايكون عارفا بتجربة مهمة في مصر ومصر بالذات. وذهب بي التساؤل ومحاسبة النفس حتى اتهامي بالأحكام المسبقة إذ غالبا ماأعتبر أن مخرجا يتبوؤ مراكز مسؤولية وخاصة في دولة عربية لايمكن،أو لنقل من الصعب جدا، أن تنتظر منه شيئا يذكر في ميدان الإبداع الفني.
 وبالفعل فإن للسيد مدكور ثابت تاريخا معروفا بالإدارة السينمائية المصرية وخاصة المراكز ذات البعد السياسي منها. فقد مر بالجامعة من خلال التدريس ثم الإدارة على رأس جامعة الفنون، كما تولى إدارة المركز القومي السينمائي وتربع السيد مدكور لسنوات على رأس الإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية. وهنا مربط الفرس : ان كنت تؤمن بالسينما فلابد أن تكون لك القناعة التامة بأن الفن والرقابة لايلتقيان.
ومع ذلك سعيت إلى مشاهدة الفلم الجديد لهذا المخرج وعنوانه " سحر مافات في كنوز المرئيات" وهو حديث الإنتاج وعرض لأول مرة في افتتاح مهرجان يعنى بالسينماءات العربية في عرض دولي أول. وازدادت مخاوفي عندما علمت بالأمر: ففلم مصري جديد لايهمش بهذا الشكل إن كان له طرح جدي. فالسينما المصرية بمحاسنها ومساوئها لها من القدرة ما يمكنها من اكتساح أي مهرجان مهم وعلى الأقل من بين المهرجانات العديدة والمتعددة في الدول العربية.
والحقيقة تقال أن موضوع الفلم يشد الإنتباه لا محالة. فالملخص الذي حصلت عليه قبل أن أشاهد الفلم زاد في فضولي وتسلحت بأكثر الأحاسيس إيجابية. عندما تقرأ بأن في هذا الفيلم الوثائقي " يقلب المخرج في دفاتر بلده السياسية والسينمائية معا على امتداد مائة عام، أي منذ اختراع السينما وإلى غاية اليوم" لايمكنك الا أن تقول ما شاء الله عمل جبار في ميدان يسهل فيه الإنزلاق. فليس لأي كان أن يقرأ تاريخ دولة عربية دون المساس بمصالح بعض أصحاب النفوذ متى تحلى ببعض النزاهة. وقلت في نفسي كثير من الأنظمة تسمح بالنقد طالما جاء من الداخل وبعض المخرجين يقدرون في لحظة وعي على أن يرتفعوا بالخطاب السينمائي ولو داخل أكثر الأنظمة رجعية.
وزاد في شغفي عبارة أخرى قرأتها في الملخص وهي  أن السيد مدكوريقدم "من الأرشيف السينمائي مفاجئات من العيار الثقيل عن الأزمنة المتعاقبة حيث يبدأ من صور التقطها الأخوان لوميير عن أول قطار يطلق صفارته في مصر، ليمر بالعهد الملكي، ثم ثورة الضباط الأحرار وتولي محمد نجيب السلطة، مارا بسنوات حكم عبد الناصر والسادات، إلى أن يبلغ عهد الرئيس الحالي محمد حسني مبارك." هنا قلت ان كان هناك في الفلم عيارثقيل في تاريخ مصر فسيكون والله فلم من عيار أثقل.
ويقدم الفلم على أنه مقاربة طريفة وتقدمية لتاريخ مصرحيث نقرأ : " وفي هذا العمل الوثائقي الكبير، تتشابك المشاريع التنموية مع الحروب والدسائس والمؤامرات، وتتقاطع دروب مصر بين ملكية حزينة سقطت بعد طول ترنح، وجمهورية لم تكتمل، الخ". ألا يبعث هذا على الأمل في عمل سينمائي جدير بالإحترام.
بهذه الأحاسيس الإيجابية والإستعداد النفسي الأكثر إيجابية أقدمت على مشاهدة الفيلم وكلما تقدمت في المشاهدة كلما بدأت كل هذه الإيجابية تتلاشى وتترك الفضاء لخيبة الظن أولا ثم تحولت إلى إحساس بالغضب وحتى الغضب أضحى في النهاية ردة فعل أكثر مما يستحقه هذا الفلم.
 النص الذي قرأته لم يكذب في وصف المحتوى ولكن زاد في تجميل النية معطيا الفلم ومخرجه نوايا هي أبعد ما يمكن في نظري عن الخطاب الخطر الذي يحمله هذا الفيلم. فمن السهل أن يعتقد مخرج أن بإمكانه تلخيص قرن من التاريخ أو ربما يتخيل أنه سهل. ولكن ماهو صعب هو تقديم قراءة لهذا التاريخ تكون لا فقط موضوعية بل وأمينة بمعنى أنها لاتغطي عين الشمس بالغربال.وهذا للأسف ما لم يقم به الأستاذ الدكتور مدكور ثابت وهذا ما لم نلحظه في فيلمه الأخير.

المخرج ثابت مذكور                                                                                                   ..ولقطة من فيلمه                     

يبدأ الفيلم بسرد أفكار متداولة وبديهية  حول دور الصورة وأهميتها في التاريخ المعاصر للفنون والأهم دورها في اظهار الحقائق. ثم يؤكدالمخرج الذي يتدخل من خلال التعليق على الصور على أن المخرج النزيه هو الذي يعمل على التدقيق والتفحص في الصور التي تؤرخ لمرور الزمن والسياسات. في الواقع لايختلف اثنان على هذا. المشكل في نظري هو هل أن المخرج الذي يقول هذا يفعل ما يقول. وحتى عندما نراه يمثل ويمسك بأشرطة أفلام فإن القول والفعل ليسا إلا مبالغة.
فلم أتقدم في المشاهدة كثيرا حتى رسخت لدي القناعة أن الإجابة سالبة وياللأسف. بل لقد انتابني احساس أن تكرار هذا المبدأ والتأكيد عليه هو في الواقع تعبير على شيئين اثنين. الأول أن المخرج لا يفعل ما يقول فعلا وهو واع بذلك. إذ لا يكفي أن تقول أنك تتفحص الصور لأن تكون فعلا من المتفحصين. الثاني أن هذا الوعي مرفوق برغبة تغريرية بالمشاهد فالقناعة بنزاهة الصور في حين أنها تحمل خطابا "بروباغندي" باتخاذ وجهة نظر تجميلية للتاريخ المصري في خدمة بعض الأطراف دون أي مساحة انتقادية هو تلاعب بالحقائق. 
من حق الدكتور مدكور ثابت أن يعبر عن قناعاته الشخصية من خلال السينما طبعا. ,لكن لاداعي من اعطاء الدروس في نزاهة العمل السينمائي وهو مكرس لخدمة نظام سياسي بطريقة بعيدة كل البعد عن الإستقلالية. وربما لهذا السبب بدى الفلم خاو من أي عمق فكري أوجمالي.
يعرف المخرج (كما يعلم الجميع) أن سرد التاريخ بتفاصيله مستحيل لذلك اختارالتوقف عند محطات مهمة في تاريخ مصر. وهذاما يتعلمه الطلبة في معاهدالسينما والتلفزيون. ولكن هنا تكمن مسؤولية المخرج في الخطاب الإجمالي للفلم ويؤكد ذلك الكلام الذي يرفقه للصور. فيبدو أن الفكرة الأساسية للفلم تمجيد لمصر، وليس المقصود هنا التقليل من ذلك، . لهذا بدى الفيلم كأنه تجميع لبعض المشاهد حسب تسلسل الأحداث دون تقديم قراءة عميقة لها. لكأني بالمخرج نسي أو تناسى أن الأمر يتعلق أساسا بعمل فني لابوثيقة تربوية موجهة لتلامذة المدارس الإبتدائية. هذا هو الخلط الذي نعيبه على هذا المخرج أو على الأقل في هذا العمل.
 لعل الإيجابي في العملية هو تمكن الأستاذ الدكتور مدكور ثابت من الحصول على صور لم تكن في حوزة الأرشيف المصري  بل كانت محتكرة من قبل بعض المؤسسات الفرنسية والإنجليزية. ولكن هذا دور مدير المركز القومي للسينما لا دور المخرج الذي يطرح على نفسه مشروعا فنيا وفكريا وثقافيا. الأكيد أن الدكتورثابت يعرف جيدا الفرق بين الإثنين. في العادة لاتستهويني الكتابة حول الأفلام التي لا تعجبني. ولكن عندما يتعلق الأمر بعمل يحمل خطابا خطيرا يهزأ بالفن والثقافة مكرسا مبادىء التخلف والرجعية فإنه يصبح من الواجب أن نقول على الأقل أن هذا لايعقل في القرن الواحد والعشرين.
ولانملك هنا إلا أن نتفق مع بعض ما قرأناه. حيث يكتب أحمد شقير(القاهرة): "فقد يكون هناك جهداً مبذولاً في تجميع اللقطات السينمائية ، ولكني لم أشعر بأي جهد فني تم بذله في تنفيذ الفيلم  .. فيلم سحر مافات للأسف أفسدته السياسة والنفاق ..
 

قد ينال إعجابكم