نقد سينمائي

الافتتاح بفيلم "القاهرة وسط المدينة"

تنطلق اليوم الدورة السابعة لمهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية. ويأتي المهرجان هذه المرة في سنة استثنائية في العالم العربي إنها سنة الثورات التي تضطرم نارها. ولأن المهرجان معني بالقضايا الإنسانية عامة وبالقضايا العربية بشكل خاص فإنه كان مواكبا لحدث الثورة وزخمها.
ولأن الثورة لم تسعف الكثير من المخرجين والوثائقيين لإنجاز أفلامهم أو الانتهاء منها لتصل إلى المهرجان - نظرا لتسارع الأحداث- فإن المهرجان لم يعدم الحيلة في افتتاح دورته بفيلم "استشرافي" تنبأ بالثورة المصرية منذ سنة ونصف على حد تعبير مدير المهرجان عباس الأرنؤوط.


القاهرة وسط المدينة

"القاهرة وسط المدينة" يمتد المشهد فيه على نصف ساعة كانت كافية لأن تضع النقاط على الحروف لفهم مسار مجتمع وحركة غضب بدأت في المفترض من عوالم التكنولوجيا ثم تنزلت واقعا بعدما أثبت الواقع أن الثورة ليست ملاذ الحالمين، وذلك عشية هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي. حينها كان المصريون يلملمون غضبهم ويستعدون لثورتهم مصرّين على إنجاحها. ولم يلبثوا إلا ساعة حتى نجحوا.
الفيلم من إخراج الإيطالية كارولينا بوبولاني تتبعت فيه ظاهرة التدوين الإلكتروني لدى الشباب المصري التي كانت الظاهرة الأكثر خطورة على النظام الحاكم. ولكن لأن التكنولوجيا بين يدي الشباب الحالم يمكن أن تصنع المستحيل فقد كان المدونون فرسان النضال وقوة الرفض الأولى التي افتكت مكانها في المشهد الإعلامي  والسياسي والاجتماعي المصري بل وسرعت وتيرة النضال السياسي الذي تخبطت في الأحزاب وانهزم الكثير منهم تحت تلاطم أمواج الإعلام الافتراضي. وقد أثبتت الأيام أن أولئك المدونين استطاعوا أن يخرجوا الملايين إلى ميدان التحرير حيث استوى العالم الافتراضي حقيقة لتحقيق حلم واحد وشعار واحد "الشعب يريد إسقاط النظام".
تبدو المخرجة كارولينا في فيلمها عليمة بالمنطقة وقد ساعدتها تجربتها الإعلامية على فهم المجتمع المصري والعربي فقد كانت محررة في تلفزيون أوربت ثم أسست شركة لإنتاج التقارير والأفلام الوثائقية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وهي تجربة توجها فيلمها هذا. وأهله إلى أن يكون فيلما افتتاحيا في أكبر مهرجان تسجيلي في العالم العربي.
الثورة والمهرجان في هذه الدورة مفهومان متلاصقان شكلا ومضمونا. فمن حيث الشكل فإن شعار الدورة "الحوار" وهو شعار يعبر في عمقه عن مبادئ الثورة ومقدماتها. فهي ثورة جاءت بالحوار بين الشباب على صفحات الواب رغم التنوع الإيديولوجي والانتماء السياسي لهم. ولأن الحوار لا يكون إلا خيرا. فإن الثورة كانت الخير الأعم.


خالد يوسف في ميدان التحرير

من حيث الشكل الاحتفالي أيضا كان ضيوف الشرف قادمون من ميدان الثورة فالمخرج المصري خالد يوسف وكذا الممثل خالد النبوي والفنان علي الحجار هم الوجوه الفنية التي كانت تضخ دما في السينما والفن المصري كفنانين ملتزمين بقضايا الوطن والأمة ثم ضخوا دماء عند مشاركتهم في ساحة التحرير ليؤازروا الشباب وليشعروهم بأن السينما والفن هو الراعي لجمالية الثورة. وباختيارهم كضيوف شرف إلى جانب بعض شباب الثورة من مصر وتونس يثبت ذلك التلاحم في الرؤيا التي تحكم دورة المهرجان لهذا العام.
أيضا مضمون الثورة حاضر في المهرجان في الندوة التي ستقام على هامشه لتناول موضوع السينما والثورة وطرح إشكالية غاية في الأهمية وهي : هل سيواكب الفنان صوت الجماهير ؟ وكيف ستكون المواكبة؟ ومن المتوقع أن تمثل هذه الدورة مناسبة ثمينة للنقاش الحر حول السينما التسجيلية وطموحات الشعوب سواء في مستوى الأفلام المعروضة أو في قاعات الندوات.

قد ينال إعجابكم