نقد سينمائي

قراءة في أفلام مسابقة مهرجان أبو ظبي السينمائي

أمير العمري

تفتتح مساء اليوم الدورة الخامسة من مهرجان أبو ظبي السينمائي الدولي. ويعرض المهرجان من خلال برنامج حافل متعدد الأقسام على مدى تسعة أيام، عددا كبيرا من الأفلام الطويلة والقصيرة، الروائية والوثائقية، وأفلام الديجيتال.
ولعل ما شجع المهرجان على ذلك الانفتاح الكبير هذا العام وضم كل هذا العدد من الأفلام، هو الإقبال الكبير الذي شهدته الدورتان السابقتان من جانب جمهور أبوظبي، سواء من الوافدين أو المقيمين، من شتى الجنسيات والأعمار.
هذا المقال سيركز أساسا، على أفلام المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة التي تتنافس على الجوائز الرئيسية للمهر جان المعروفة بقيمتها المادية الكبيرة التي لا تضاهيها أي جوائز أخرى في أي مهرجان في العالم.
تضم المسابقة 15 فيلما، بينها أربعة أفلام عربية أو من إخراج مخرجين ينتمون للثقافة العربية، حتى لو كانت تلك الأفلام من الإنتاج الأجنبي، الفرنسي تحديدا.
الملاحظ أن هناك فيلمين منها حصلا على دعم مالي من مؤسسة "سند" التابعة لبرنامج مؤسسة أبوظبي للتراث والثقافة (التي تنظم المهرجان) وهو دور أرى أنه من أهم الأدوار التي يقوم بها مهرجانا أبو ظبي ودبي في دعم الانتاج الجديد من الأفلام العربية التي تتناول القضايا العربية، بدلا من الجري وراء المشاركة في انتاج أفلام أمريكية وكأننا نحل أزمة الانتاج السينمائي الأمريكي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في تمويل أفلام تجارية الطابع، من أفلام التسلية الأمريكية الشائعة، إلا لو كان الهدف من التمويل العربي (الخليجي) هو المشاركة في الأرباح المتوقعة، أي
بغرض الاستثمار التجاري في صناعة السينما، وهذا موضوع آخر لا علاقة له بالهدف الثقافي ولا يفيد المحيط العربي في شيء.

الأفلام العربية
الأفلام العربية الأربعة المشاركة في المسابقة هي 3 أفلام من المغرب، وفيلم واحد من تونس. وهو ما يعكس خللا واضحا لا شك فيه.
أولا عدد أربعة أفلام من العالم العربي ليس كافيا، وكان يجب زيادة عدد أفلام المسابقة الى 20 أو 22 فيلما وضم مزيد من الأفلام العربية التي تعكس التنوع السينمائي في المنطقة خصوصا مع غياب تمثيل السينما المصرية أكبر السينمات العربية وأقدمها وأكثرها تنوعا، خاصة والأفلام الجديدة الجيدة موجودة ومتوفرة ولم يسبق لها المشاركة في مسابقات أخرى في المهرجانات الاقليمية. كما أن هناك ثلاثة أفلام جديدة من سورية كان من المقرر عرضها في مهرجان دمشق الذي ألغيت دورته هذا العام بسبب الأحداث الجارية في سورية، وكان يمكن ضم فيلم واحد منها على الأقل الى المسابقة.
بهذا الاختيار أصبح المغرب العربي ممثلا في المسابقة بأربعة أفلام، منها 3 أفلام تمثل بلدا واحدا هو المغرب في حين يغيب تماما المشرق العربي!

ولاشك أن أسماء المخرجين تلعب دورا مباشرا في الاختيار بغض النظر عن مستوى الأفلام نفسها، ومن الممكن بالطبع أن تكون أفلاما جيدة جدا من وجهة نظر من اختارها.
الأفلام الأربعة هي "ديما براندو" للمخرج رضا الباهي من تونس، أما من المغرب فهناك "على الحافة" للمخرجة ليلى كيلاني، و"رجال أحرار" للمخرج اسماعيل فروخي، و"موت للبيع" لفوزي بن سعيدي.
شاهدنا في مهرجان كان فيلم ليلى كيلاني "على الحافة"، وهو أحد الفيلمين اللذين حصلا على دعم من "سند". وينتمي الفيلم الى أسلوب الواقعية المباشرة التي تقترب من التسجيلية، مع
التصوير في المواقع الحقيقية والاعتماد على ممثلين غير محترفين والاستخدام الحر للكاميرا المحمولة.
ويصور الفيلم حياة مجموعة من الفتيات الضائعات اللاتي يجدن صعوبة بالغة في الحصول على عمل، ويلجأن للاحتيال والسرقة في مدينة طنجة في شمال المغرب. ولا توجد بالفيلم حبكة بالمعنى الدرامي التقليدي. ورغم قوة الموضوع إلا أن الفيلم يميل للاعتماد بشكل أساسي، على الحوارات الطويلة المرهقة التي ارتجل جزء كبير منها، والتي تقتضي من المشاهد أن يبذل جهدا كبيرا لمتابعتها وأرى أنه كان يمكن الاستغناء عن أكثر من نصفها دون أن يؤثر هذا على الفيلم بل ربما كان سيتيح الفرصة لإدخال مساحات بصرية للتنف تغيب تماما عن هذا العمل المرهق للعين والأذن.
لكن هدف المخرجة هو بطبيعة الحال، الإيحاء بذلك الجو الكابوسي الذي تعيش فيه الفتيات المراهقات، لذ لك فقد ركزت أكثر على اللقطات القريبة والمتوسطة، كما جنح الفيلم نحو الاستطراد والدوران حول الفكرة الواحدة، وافتقد ذلك الحس الشاعري الرقيق الذي كان يغلف فيلما يدور أيضا حول الموضوع نفسه وإن باستخدام ممثلين من الشباب الذكور بدلا من الفتيات، وهو فيلم "كازانيجرا".

رجال أحرار
لم أشاهد الأفلام الثلاثة الأخرى ولكن فيلم اسماعيل فروخي "رجال أحرار" Les Hommes Libre  نشر عنه عند عرضه في مهرجان تورنتو (ومن المقرر أن يشارك في الكثير من المهرجانات بسبب موضوعه) أنه يروي قصة "يونس".. وهو مهاجر جزائري مسلم شاب (طاهر رحيم بطل فيلم "نبي") يقيم في مقاطعة فيشي بفرنسا في زمن الاحتلال الألماني النازي للبلاد، ويعمل في تجارة السوق السوداء. تقبض عليه رجال الشرطة ويطلبون منه التجسس على أفراد من العرب المسلمين يترددون على مسجد، تعتقد الشرطة النازية أنه يخفي يهودا بداخله لحمايتهم من الشحن الى معسكرات الاعتقال النازية. وتدريجيا يكبر وعي يونس، خاصة بعد أن يعقد صداقة مع مغني يهودي، فيقرر التطوع للمشاركة في المقاومة الفرنسية ضد الألمان.
وتذكر المعلومات المتوفرة أن الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية، وأن اسماعيل فروخي استعان بالمؤرخ اليهودي الفرنسي بنيامين ستورا Stroa الذي كان يعيش في الجزائر حتى الاستقلال في 1962، وهو متخصص في التاريخ الجزائري. وقد عمل مستشارا تاريخيا لأحداث الفيلم.
الموضوع جذاب، ولكن يبقى أن نرى كيف تعامل معه فروخي وبأي أسلوب، وهل نجح في الوصول بفكرته الإنسانية الى الجمهور في الغرب الذي صنع الفيلم لأجله أساسا.
فروخي هو بالطبع المخرج المغربي الذي أخرج الفيلم الفني الكبير "الرحلة الكبرى" (2004). وقد كتب سيناريو الفيلم الجديد بالاشتراك مع الكاتب الفرنسي آلان ميشيل بلون. والفيلم من الإنتاج الفرنسي بالكامل فقد اشتركت في انتاجه 3 شركات فرنسية هي بيراميد، وفرانس 3 سينما، وسولير، وإن صورت الكثير من مناظره في المغرب.
وإضافة الى فيلم ليلى كيلاني حصل فيلم فوزي بن سعيدي "موت للبيع" أيضا على منحة من مؤسسة سند، وهو من الانتاج المشترك بين المغرب وفرنسا وبلجيكا (والإمارات). وصور في مدينة تطوان في شمال المغرب، ويروي قصة مجموعة من الشباب يحاولون سرقة محل للمجوهرات لكنهم يختلقفون فيما بينهم.
أما فيلم "ديما براندو" (أي "دائما براندو" باللهجة التونسية، ففيه يعود المخرج الكبير رضا الباهي، الذي لعب دورا بارزا في مسيرة الفيلم التونسي منذ السبعينيات، الى السينما بمشروعه الطموح الذي كان قد بدأه منذ سنوات على أن يشارك في بطولته النجم الأمريكي الراحل مارلون براندو، لكن براندو رحل عن الحياة قبل أن يتمكن من الظهور في الفيلم. ويستخدم الباهي المواد الوثائقية التي صورها خلال لقاءاته مع براندو في فيلمه لكنه يعيد بناء الأحداث بحيث يحوله الى فيلم روائي يدور حول العلاقة بين الغرب والشرق، على نحو يذكرنا بالتيمة الأثيرة لدى الباهي منذ "العتبات الممنوعة" (1973) فيلمه الأول، ثم فيلمه الثاني "شمس الضباع"(1976).
وقد عرضت الأفلام الثلاثة (فيلما المغرب والفيلم التونسي) في مهرجان تورنتو الشهر الماضي. وبالتالي لن يكون عرضها في أبو ظبي العرض العالمي الأول كما كان يأمل المهرجان.

من فينيسيا
إذا تجاوزنا الأفلام العربية في المسابقة، سنجد أن هناك أربعة أفلام من تلك التي عرضت داخل وخارج المسابقة في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، هي "منهج خطر" و"الحصان الأسود" و"دجاج بالخوخ" و"يوميات فراشة".
أهم هذه الأفلام جميعها وأكثرها قربا من السينما الفنية، سينما الشعر والسحر والجمال والتأمل الفلسفي هو فيلم "دجاج بالخوخ" Chicken with Plums للمخرجة الايرانية الأصل.. الفرنسية الجنسية ماريان ساترابي وزميلها المخرج فنسنت بارونو. والفيلم تحفة حقيقية في رأي كاتب هذه السطور. وقد يكون هو الفيلم الأجمل في المسابقة كلها.
يليه مباشرة فيلم "منهج خطر" لديفيد كروننبرج الذي يصور العلاقة العاطفية الحميمة المعقدة بين يونج (تلميذ عالم النفس الشهير فرويد) وسابينا شبيلرين (كيرا نايتلي) المريضة التي تشهد ولادة علم النفس الحديث، والتي يتولى علاجها يونج ثم تتعقد علاقتهما، ويتدخل فيها فرويد إلى أن تتجه ماريا لدراسة علم النفس وتصبح هي نفسها فيما بعد طبيبة نفسية. فيلم بديع بتكويناته وأدائه التمثيلي الرائع بين الثلاثي الذي يقوم بالأدوار الرئيسية وفي المقدمة مايكل فاسبندر في دور يونج.
أما "يوميات فراشة" فهو فيلم من أفلام الرعب الحديثة، مصنوع بدقة ويعتمد على سيناريو ملييء بالتفاصيل التي تعتمد على التحليل النفسي للشخصية الرئيسية، وهي تعاني من هواجس خاصة تجعلها تتشكك في امتلاك زميلة لا في السكن الجامعي قوة سحرية وأنها توظفها من أجل تدميرها، وهي الحالة المعروفة في علم النفس بـ"البارانويا". والفيلم بديع بالفعل، ويتميز بالأداء الرائع لمجموعة الممثلات الشابات، وكذلك بالاخراج المتقن والتصوير الذي يضفي طابعا سحريا على الصورة. وهو من تأليف واخراج المخرجة الكندية ماري هارون.

الحصان الأسود
وقد تعجبت كثيرا من اختيار ادارة مهرجان أبو ظبي للفيلم الأمريكي "الحصان الأسود" (العنوان حرفيا "الحصان الداكن" Dark Horse).. لأن أساس الكوميديا فيه يمكن في السخرية من شخصية شاب عربي (خليجي تحديدا) هو الذي يحمله الفيلم مسؤولية تدهور الحالة النفسية لبطل الفيلم البدين الذي يتصف بالبراءة الشديدة مثل الأطفال وهو يسعى للتحقق ولو من خلال التشبث بالحلم الكاذب.. حلم الحب والارتباط بامرأة يتضح أنها سبق أن تزوجت من ذلك الشاب الخليجي (ويدعى محمود) وكيف أنه مخادع وزنديق وكاذب، يتلاعب ببطلنا ويكاد يؤدي به للجنون.
والفيلم من النوع الكوميدي الشائع، الذي يعتمد على سيناريو مسرحي قائم أساسا على المفارقات التي يتم التعبير عنا من خلال الحوار.
وجدير بالذكر أن هذا الفيلم من إنتاج وتمثيل حفنة من السينمائيين الأمريكيين اليهود مثل تود سولوندز المخرج، والممثلين جوستين بارتا وسالما بلير وزاكاري بوث. ويعتبر الفيلم على نحو ما، من الأفلام العنصرية البغيضة التي تتجه قصدا الى النيل من جنس آخر، هو هنا تحديدا، الجنس العربي.

ومن الأفلام التي سبق أن عرضت بمهرجان تورنتو أيضا نجد فيلم "محظوظ" Lucky اخراج أفي لوترا، وهو يصور كيف يغادر طفل من قبيلة الزولو في جنوب افريقيا قريته ليذهب الى المدينة لكي يبدأ حياة جديدة لكنه لا يجد أحدا يساعده بل يتجنبه الجميع، ويعاملونه بازدراء، إلى أن تقابله امرأة هندية عجوز تدعى بادما هي التي تتبناه وتصبح بمثابة ام بالنسبة له. وقد لقي هذا الفيلم اعجاب الكثير من النقاد الذين اشادوا بموضوعه المؤثر الذي يقدم صورة واقعية لواقع جنوب افريقيا حاليا بما في ذلك موضوع العنصرية التي لاتزال قائمة على نحو ما.
من إيران يعرض في مسابقة أبو ظبي فيلم المخرج أشقر فرهادي "انفصال" A Separation الذي فاز بالدب الذهبي في مهرجان برلين وقد مضى على صنعه نحو العام حاليا. ولا أعرف لماذا لم يجد المهرجان فيلما إيرانيا حديثا لعرضه بالمسابقة والأفلام الإيرانية كثيرة!

مأساة هندية
ولاشك أن حصول المهرجان على الفيلم البريطاني الجديد تريشنا" Trishna لمايكل وينتربوتوم (الذي عرض للمرة الأولى أيضا في تورنتو) هو أمر يحسب لصالح المهرجان، فهذا الفيلم لم يعرض في بلاده حتى الآن، وهو معد عن رواية توماس هاردي Tess of the D'Urbervilles وهو تحول مشهود في عالم وينتربوتوم السينمائي الذي انشغل خلال السنوات العشر الأخيرة بالقضايا السياسية في عالمنا. وهو يعود هنا الى تلك التراجيديا التي سبق أن تصدى لها كمخرج في فيلم بديع أخرجه عام 1996 بعنوان "جود" Jude (من أوائل الأفلام التي ظهرت فيها كيت ونسليت) عن نفس رواية توماس هاردي، وكان يدور في الأجواء الحقيقية للرواية أي في الريف البريطاني في أوائل القرن العشرين. أما الفيلم الجديد فتدور أحداثه في الهند، وأساس المأساة فيه بالطبع هو أيضا ذلك الحب الذي ينشأ في ظروف تاريخية واجتماعية تنتهي به الى نهاية دامية.
يقوم بدوري البطولة فيه فريدا بنتو (المليونير الصعلوك، ميرال) وريز أحمد.
تبقى ثلاثة أفلام هي فيلم من اليابان (أتمنى)، وفيلم أمريكي "رامبارت" وفيلم مكسيكي اسباني مشترك بعنوان "أسباب القلب" (عرض في تورنتو أيضا، وهو أهم الأفلام الثلاثة وربما يكون المفاجأة الحقيقية في المسابقة.. من يدري!

قد ينال إعجابكم