نقد سينمائي

الفيلم الوثائقي في العالم العربي

لقطة من الواقع واهتمام المخرج العربي بوحي و سحر الصورة

ضـاويـة خـليـفـة –  الجـزائـر

يقال من لا ماضي له لا مستقبل لديه ، و من بين ما يؤرخ لذاك الماضي الإنساني و الواقع البشري بكل إنجازاته ، إخفاقاته أو استحقاقات رجالاته و صناع قراراته الشريط الوثائقي الذي يعد النافدة التي يطل منها الغير علينا و البوابة التي تقودنا إلى ماضينا و أهم الحضارات التي تعاقبت على سابقينا.
الفيلم الوثائقي في العالم العربي مادة خام يمكن أن تحول لإنتاجات قيمة تثري الرصيد السينمائي غير أنها خطوة سبقنا الغرب إليها في تأريخ أحداثنا و رصد ثرواتنا و كل ما يتعلق بنا و السؤال المطروح هل يمتلك المبدع و السينمائي العربي صناعة وثائقية ليمتلك الفرد المتلقي ثقافة وثائقية ...

من الصناعة السينمائية تولد الثقافة الوثائقية  

الإجابة على السؤال فيها شقين ، صناعة فيلم وثائقي و ثقافة فيلم وثائقي ، فالأولى يجمع الكثير بأنها صناعة مبتدئة في طريقها للنمو بفضل صناديق الدعم ، المهرجانات و كذا الانتشار المتزايد للقنوات الخاصة بالوثائقي التي تأخذ على عاتقها عرض و بث كل ما ينتج من أفلام ، وكذلك بفضل شركات الإنتاج التي تكافح للاستمرار و البقاء في الميدان ، والثانية ثقافة ناشئة وحده الإنتاج الجاد و الجدي كفيل بتطويرها وكذلك بإمكان الإعلام المتخصص زيادة الوعي والتراكم المعرفي وهذا سيؤدي إلى زيادة الإنتاج و تطوير الصناعة السينمائية محليا و إقليميا ، فاهتمام المخرج و المنتج العربي بدأ يتجه في السنوات الأخيرة لهذا الجنس الإبداعي أكثر و يتضاعف و بالتالي الرغبة و المحاولات المتكررة في المضي قدما بهذا الفن تنبأ بأن الفيلم الوثائقي سيحتل مكانة و يتخذ موقعا هاما في المستقل القريب.

الإفتقار لمعاهد سينمائية فجوة يجب تداركها

يرى الباحث و السينمائي الجزائري أحمد بجاوي أن الأفلام الوثائقية بصفة عامة تعاني في العالم ككل من تأثير التلفزيون أولا ، غياب الفرجة السينمائية ثانيا و الإشهار ثالثا ، فالعديد من المحطات التلفزيونية أصبحت تفضل أفلام عن الحيوانات و الطبيعة و تقترح برامج الألعاب و التسلية على حساب الأفلام الوثائقية المحضة بحجة أن الباقة المختارة من البرامج تأتي وفقا لمتطلبات المشاهد لكن في الواقع أن بعض المحطات هي من باتت تفرض هذا النوع من البرامج على جمهورها ، وهذا أدى إلى أزمة كبيرة للفيلم القصير بصفة عامة و الوثائقي على وجه الخصوص ، إلا أن المشكل لا يقتصر على البلاد العربية.
أحمد بجاوي من منظور علمي أكاديمي يرى أن هناك علاقة تكامل بين الفيلم الوثائقي و الروائي فكل وثائقي يحوي رواية و العكس بالعكس و أقرب مثال على ذلك الفيلم الجزائري '' الخارجون عن القانون '' لمخرجه رشيد بوشارب في مضمونه وثائقي كبير عن الثورة الجزائرية حيث يرصد الفيلم كيفية انتقال و تحول النضال المسلح و الثورة من الجزائر إلى فرنسا و إذا نظرنا أيضا للعمل نجد أن الجانب الوثائقي طغى على الخيال.
هذا و يدعو الباحث السينمائي أحمد بجاوي كل من يريد الاستثمار في الشأن السينمائي أن يكون الوثائقي أولى خطواته لولوج هذا الميدان و إن لم يحدث ذلك وجب المرور من هذه التجربة التي ستكسب المخرج الكثير و استشهد بجاوي في ذلك بالمخرج الجزائري الشاب عبد النور زحزاح قائلا '' رغم الشهرة التي نالها عن فيلمه القصير '' قراقوز '' الذي حصد أزيد من عشرين جائزة دولية إلا أنه اليوم التفت إلى هذا الجنس الإبداعي حيث يشتغل زحزاح حاليا على إنجاز فيلم وثائقي و الموسوم ب ''الوادي '' ، و بالتالي لم يتسرع و ينتقل من الفيلم القصير إلى الطويل و هذا راجع لعدة أسباب منها غياب مدارس و معاهد سينمائية متخصصة و في هذه الحالة المدرسة هي الميدان .
و في سياق متصل أكد بجاوي أن التلفزيون قادر على تأسيس ثقافة سينمائية لدى المشاهد العربي لأنه لازال مستهلكا كما توجد حلول أخرى يمكن تقديمها لكل الراغبين في تطوير السينما العربية بما في ذلك الوثائقي الذي سيكون له مستقبل مشرف يكفي فقط - يقول بجاوي- أن نقوم بالخطوة الأولى لتأتي بعدها باقي الخطوات ، مثلا وزارة الثقافة الجزائرية مع صندوق الدعم الذي أترأسه وأشرف عليه نشجع كل ما يصلنا من سيناريوهات و أفلام حتى و إن كانت مدتها 52 دقيقة رغم إدراكنا بأن العمل موجه للتلفزيون إلا أننا ندعمهم لأننا نريد الارتقاء بالصناعة الوثائقية ليقيننا الكبير أنه المدرسة الحقيقة في عالم السينما لكن بالمقابل نتمنى أن يقوم التلفزيون بدوره إذ يمكننا أن نرد الاعتبار للفيلم الوثائقي من خلال التلفزيون كمدرسة تعتمد على تصوير ما يقع في المجتمع ما دامت المادة متوفرة فلماذا نترك الغرب يسبقنا إليها و في حديثه استشهد أحمد بجاوي بالجزيرة الوثائقية قائلا '' الجزيرة وثائقية تقوم بمجهود كبير ولا بد من الاعتراف بأنها دعمت بكل ما تستطيع الفيلم الوثائقي العربي و أتمنى أن تقتدي التلفزيونات و الفضائيات العربية بتجربتها و خاصة أن تقوم بدورها كما ينبغي فتكوين السينمائيين في الحقل الوثائقي مثمر و ايجابي و يعوض الفضاء الموجود في غياب المدارس السينمائية ''.

إستقراء للواقع بأنامل الصورة السينمائية

في حديثه المتواصل عن الفن السابع تلمح نبرة أسف المخرج المغربي عبد الإله الجوهري ليقولها صراحة '' السينما لا تحتل مكانة أساسية في الثقافة العربية ''  فمفهوم السينما عند مجموعة أو قلة من الناس تكمن في الفيلم الروائي و تجدهم يتحدثون عن الفيلم الوثائقي كفن أو جنس سينمائي هامشي و بالتالي الفيلم الوثائقي في العالم العربي لا يحتل مكانة علما أنه من بين أهم الأجناس الفنية لأنه مقياس لقراءة المجتمع و معرفة تحولاته أحلامه و آلامه '' .
مخرج '' كليك و دكليك '' عبد الإله الجوهري أخذ التجربة المغربية للحديث عن الموضوع و إثرائه حيث قدم نموذج بلاده من خلال المركز السينمائي المغربي الذي يدعم الإنتاج السينمائي ، فضلا عن المهرجانات الوطنية التي تعنى بالفيلم القصير و أخرى بالفيلم الطويل في حين أن الفيلم الوثائقي لا يحصل على أي دعم و في المهرجانات لا نجد حتى مسابقة خاصة بهذا الفن وهذا يظهر عدم الالتفات و الاهتمام بالوثائقي بينما في المجتمعات الغربية و المهرجانات العالمية كمهرجان '' كان '' الدولي هناك أفلام وثائقية تفوز بالسعفة الذهبية إذن هذا مشكل نجده بكثرة في البلاد العربية حتى على مستوى المخرجين مثلا في المغرب لا يوجد سوى ست مخرجين و في الجزائر أربع مخرجين في مصر عشر مخرجين لدا يجب أن نعيد الاعتبار للفيلم الوثائقي لأن المجتمعات العربية فيها مواضيع قيمة و متعددة بحاجة إلى اكتشاف و إلى الحديث عنها و للغرب إمكانيات هائلة استغلها في رصد كل ما يتعلق بنا ، بحياتنا ، تاريخنا وتراثنا.
واعتبر ذات المتحدث أن المشكل مركب فالحكومات العربية لا تعي أهمية الصورة ، و بذا سيبقى السينمائي في المراتب الأخيرة بدل أن يكون في أول الهرم و دعم الوزارات أو الشركات جد ضعيف في ظل غياب الإنتاج المشترك و الاستثمار في هذا الحقل ليبقى الشيء الوحيد المشترك بين هذه الدول التاريخ و الماضي إلا أن هناك بوادر توحي بمستقبل مشرف لعلها تعيد الوثائقي للواجهة .

الوثائقي ... بأدوات بسيطة و إرادات فولاذية

و إن كان العالم العربي يشهد محاولات على هذا الصعيد فإنه وجب القول أن المنتج و المخرج العربي بدأ يهتم بهذا الجنس الإبداعي بفضل التحفيز و صناديق الدعم و كذا المهرجانات ، و هي خطوات كلها تدفع قدما بالفيلم الوثائقي الذي يتخذ من الواقع سندا له فهو واقع يولد من الخيال و هو صنف بات محل اهتمام الهواة المخرجين و ساعده على ذلك الفضائيات عربية متخصصة.
يرى المنتج و المخرج الفلسطيني نزار حسن أن هذا الصنف من الأفلام انتعش في العشر سنوات الأخيرة بدليل الكم الهائل للأفلام المنجزة لأن أدوات عمل الفيلم أصبحت في متناول اليد إذ يمكن مثلا القيام بعملية المونتاج في البيت.
هذا و استحضر نزار حسن تجربة الجزائر و فلسطين معتبرا إياها  رائدة في تصوير واقع البلدين فهما على حد قوله جزء من حركة التحرر الوطنية و أهمية هذه التجارب تكمن في أنها تعاملت مع البيئة و الإنسان بينما تأسف مخرج فيلم '' جنوب '' اتهام البعض لها بأنها سينما ترويجية و دعائية في حين أنها ليست كذلك بل الإثنان خضعوا لمفاهيم و معايير و تقاليد سينمائية مشرفة جدا فضروري جدا إتحاد السينمائيين العرب للدفاع عن سينماهم و التأسيس لعهد جديد .
 
الوثائقي في مواكبة للأحداث و التأريخ لها بلغة سينمائية

والحديث عن واقع إنتاج أفلام وثائقية على المستوى العربي في الوقت الراهن يرتبط إلى حد كبير بالأوضاع التي تعيشها المجتمعات العربية و من الأسئلة المتداولة اتجاه السينمائي العربي إلى توثيق الثورات ففي هذا السياق أكدت الإعلامية و الناقدة السورية لمى طيارة أن توثيق الأحداث الحالية يعود للمخرجين و السينمائيين أصحاب السيناريوهات ، وفي هذه الحالة  سنشهد انقسام بين راغب في توثيق للواقع و بين مؤرخ موثق لأحداث سابقة عاشتها المنطقة العربية في فترة زمنية معينة.
وفي سؤال عما إذا كان الفرد العربي يمتلك فعلا ثقافة وثائقية أجابت طيارة قائلة '' المشاهد العربي يميز بين الفيلم الوثائقي و الفيلم الروائي في حين يفتقد القدرة على التمييز إن كان العمل قد نفد بطريقة سينمائية أم تلفزيونية ، وفي هذه الحالة يكون أقرب للريبورتاج ،غير أن لجهل بهذا الشيء لا يقتصر على المشاهد بل حتى على بعض المخرجين ، لكن و لحسن الحظ هناك من المخرجين من يعول عليهم للارتقاء بالصناعة الوثائقية بعدما أثبت الكثير منهم جدارته في الميدان بالوصول إلى مراتب جيدة و مشرفة في العمل التوثيقي '' و من الأمثلة التي تستشهد بها لمى طيارة في حديثها فيلم المخرج المغربي محمد بلحاج " هل تستمر الرسالة " عمل تناول حياة و مسيرة المخرج السينمائي السوري الكبير محمد العقاد و الذي اعتبرته عمل سينمائي راقي و رفيع المستوى كما استحضرت ذات المتحدثة مثالا آخر للفيلم المصري " جلد حي " لمخرجه الشاب فوزي صالح الذي يرصد حياة الأطفال في عمالة الدباغة و نماذج أخرى عن الوجه المشرف للصناعة الوثائقية لعدد من المخرجين العرب .
وخطوة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة فضروري جدا دعم روح المبادرة و تعزيز الجسر التواصلي الذي يبدأ بصناع العرض و ينتهي عند المشاهد لإبراز الوجه الجديد للصناعة الوثائقية العربية و تطلع لمستقبل سينمائي مشرف لدول و مجتمعات تمتلك من الإمكانيات ما يلزم و من الطاقات ما يكفي .

Article Ad

قد ينال إعجابكم