نقد سينمائي

مصطفى الحسناوي

بشار إبراهيم

مات المخرج التونسي مصطفى الحسناوي. ربما من سوء حظه أن رحيله جاء في خضم الأحداث العارمة التي كانت بلده؛ تونس، تشهدها بصخب، فما انتبه أحد، إلا أقل القليل. كانت الأعين مشدودة، والأبصار مشدوهة، والأفئدة متلهفة، والعقول منشغلة، بما يجري في تونس الخضراء، هناك حيث الشعب يعلن ثورته العارمة، ويخرج بغضب. وما كان من السهل الانتباه إلى رحيل مخرج سينمائي، اختصّ لنفسه العمل في سياق الأفلام الوثائقية.
كان الضجيج أعلى من أن يسمع أحد حشرجات الموت، وهي تختطف آخر أنفاس هذا المخرج، الذي أقل ما يمكن أن يُوصف به أنه علم بارز في صناعة الفيلم الوثائقي العربي، خلال آخر عقدين، أو ثلاثة عقود، من الزمن. مخرج استطاع أن يرسم، ويحفر عميقاً، مسيرة مميزة لسينمائي باهر، منشغل بهموم وطنه، وشعبه، وأمته، ساعياً لالتقاط أبرز القضايا والهموم التي تشاغل الناس، في واقعهم اليوم، وفي حيواتهم، ومقاديرها، ومصائرها.
مصطفى الحسناوي، رحل. وترك لنا إرثاً من الأفلام الوثائقية التي تتعدد أسماؤها، كما موضوعاتها، ومضامينها، وأمكنتها، مسافراً بأفلامه، عبر الحدود والحكايات والشخصيات، إلى غير بلد. من بلده الأم؛ تونس، وصولاً إلى فرنسا، مروراً بمصر، بل وتوقفاً طويلاً عند سلسلة أفلام اهتمت بمصر. تحديداً. دون أن ننسى انشغاله بموضوعات تبدو فريدة، أو غريبة، على مخرج سينمائي وثائقي عربي (مارغريت جارنر، ماكس دويتش).
وعلى الرغم من أنني رأيته أكثر من مرة، في غير مهرجان سينمائي عربي، هنا وهناك، إلا أنني لم أتعرّف بشكل شخصي إلى هذه المخرج، الذي كنتُ أدرك أهميته وخصوصيته. كانت المرة الأولى التي أدخل فيها عالمه السينمائي، عندما شاهدتُ فيلمه «مارغريت غارنر»، عام 2006، في مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة. منذ الوهلة الأولى، يمكن للمرء الانتباه إلى هذا الصوت الوثائقي المتميز. إنه ينتمي إلى طابق خاص من المخرجين التسجيليين في العالم العربي، وفي العالم. لديه رصانته، وقوته التعبيرية، وانفتاحه على موضوعات أوسع إنسانياً من تلك الحارات الضيقة التي يلوب فيها كثير من صنّاع الفيلم الوثائقي العربي.
وفضلاً عن عدم معرفتي الشخصية، بهذا المخرج، الذي سأعتز يوماً بأنني عاصرته، ينبغي لي أيضاً القول إنني لم أشاهد جميع أعماله، ولا كافة أفلامه. ولا أعتقد أنه سيكون حسبي من مُنجز هذه المخرج، مشاهدة فيلمين أو ثلاثة من أفلامه. إنه مخرج من ذاك الطراز الذي ينبئك فيلم له بضرورة العمل الجاد على مشاهدة أعماله كافة، والتوقف أمامها، وتأملها.

نبحث في المصادر، والمراجع، الورقي منها والإلكتروني، لنقف على مدى بؤس الحالة النقدية العربية، إذ نجدها وقد قصَّرت أيّما تقصير بصدد هذه المخرج القدير. بل لعل من العسير، على المرء، الوقوع على دراسات وافية لأعماله؛ أفلامه، أو ثبتاً بأسمائها، عناوينها، تواريخ إنتاجها، موضوعاتها، والجوائز التي نالتها. إنه تقصير فظيع. قد يتحمّل نقاد تونس السينمائيين، المسؤولية الأولى عن هذا التقصير!.. ولكن هذا لن يبرئ النقاد السينمائيين العرب عموماً، من هكذا مسؤولية.
كيف يمكن لمخرج على هذا القدر من الجودة والتميز والاستثناء أن يمرّ دون توقف متأن، متأمل، باحث، مجادل، أو معانق، لتجربته السينمائية؟.. كيف تتخلَّف الأقلام عن توثيق تجربته فيلماً فيلماً، مرحلة بعد أخرى، ومحطة تلو غيرها؟..
لا أتنصل من المسؤولية أبداً. هذا إذا صحّ إنتمائي إلى فريق نقاد السينما العرب!.. وإن كنتُ أجد العذر لنفسي في أنني قد عزمتُ، منذ عقد ونصف من الزمن، الاشتغال على السينما الفلسطينية، تاركاً لغيري الاشتغال على حقول سينمائية «قُطْرية»، موازية، مما يتم إنتاجه في في هذا البلد أو ذاك. إلا أنني اكتشفُ اليوم، ومع رحيل المخرج مصطفى الحسناوي، أن ثمة ظلماً ما وقع، وربما سيقع، مع انغلاق دائرة كتاباتي على السينما الفلسطينية، أو تكاد.
لم أنتبه أبداً إلى أن المخرج مصطفى الحسناوي قارب الشأن الفلسطيني، في أي من أفلامه، من قريب أو بعيد. ولعله لم يفعل ذلك، إلا مرة واحدة، ربما. ولكنني أنتبه تماماً إلى أن خروجي من دائرة الكتابة عن السينما الفلسطينية، مرات قليلة، إنما كان لتماس جغرافي، واحتكاك مباشر. كأن أكتب عن السينما السورية، وأنا من وُلد وعاش ودرس، في سوريا. أو أن أكتب أشياء عن السينما الإماراتية، والخليجية، وأنا من يقيم الآن ويعمل في دبي؛ جوهرة الخليج العربي.
دائماً بقيتْ ثمة مسافة منظورة، وملحوظة بالنسبة لي على الأقل، تفصلني عن عالم المخرج التونسي مصطفى الحسناوي. مسافة لم تطوِها حقيقة إدراكي أهمية هذا المخرج، وعلو كعبه، وتميزه الإبداعي عن الكثير من أقرانه، سواء من مجايليه، أو ممن سبقوه، أو ممن لحقوه. مسافة لم تمحها حقيقة أنه ذاك المخرج السينمائي العربي الذي اختصّ السينما التسجيلية، وصناعة الأفلام الوثائقية، وبقي وفياً مخلصاً لها، طيلة تجربته. وهذا وحده ما كان كافياً عندي للاقتراب منه، ومن عالمه السينمائي، والدخول في أعماقه، والتورّط فيها متابعة وكتابة وتوثيقاً وأرشفةً!.. خاصة، وأن جلّ همّي واهتمامي إنما يتجه دائماً ناحية السينما التسجيلية، والأفلام الوثائقية، وينفر من الأفلام الروائية، خاصة الطويلة منها. بإيمان عميق مني أن السينما الحقيقية إنما هي السينما التسجيلية، والأفلام الوثائقية.

يرحل المخرج مصطفى الحسناوي، وأبحث عما يمكن لي أن أجده من مصادر ومراجع، فلا أجد إلا القليل، وكان لمقالة جيدة ويتيمة (كتبتها أمال فلاح)، وبعض الكتابات القليلة جداً الأخرى، والمتفرقة، أن تعينني في رسم الخطوط العامة، غير الكاملة، للفيلموغرافيا التي خلفها لنا، والتي أوردها هنا، على الرغم من أنني أعلم بعدم باكتمالها، وأنني لا أثق بصحتها: فيلم «الكتابة بدون مجاملة»، عام.. «أحمد الصياد»، عام 1993. «الكتابة تحت الرقابة»، عام 1994. «الآداب الأجنبية، حالة فلسطين»، عام 1997. «ماكس دويتش»، عام 1998. «فؤاد بلامين»، عام.. «أطفال شوارع»، عام.. «السمسمية»، عام.. «القاهرة الأم والإبن», عام 2000. «زمان رمضان», عام 2001. «عندما تغنّي المرأة», عام 2004. «مارغريت غارنر», عام 2006. «ظلال»، عام 2010.
يرحل المخرج مصطفى الحسناوي بعيداً عن وطنه، وفي خضم الضجيج الذي يلف بلده. علمتُ بذلك عن طريق المخرجة السورية الأنيقة هالة العبدالله، التي كان لها أن تنعيه على صفحتها في الشبكة الاجتماعية (فيس بوك)، في لفتة وفاء نبيلة منها، على الرغم من انشغالاتها الملحوظة بمتابعة ثورة الشعب التونسي.
يأتي خبر رحيل هذا المخرج الصموت، مفاجئاً، ومفجعاً. لم نسمع من قبل عن مرضه. ربما شاء كتمان ذلك، ومصارعة مقاديره على الطريقة التي يشاء. ولن نسمع عن تشييعه، ولا العزاء، ولا تكريمه، ولا الاحتفاء به. ليس هو من طائفة النجوم، على الرغم من أهمية كل ما قدمه، وبذله، وفكّر به، وأرساه، وأنجزه، وتركه لنا، تراثاً سينمائياً. ربما هو قدر السينما التسجيلية، والأفلام الوثائقية، أنها قلّما تصنع نجوماً، وتشهرهم.
كأنني الآن أراه. ماراً أمامي، مسرعاً في الممرّ الوثير. كانت المحطة الأخيرة، ما قبل الرحيل الموجع، ليس أبعد من شهر. كان ذلك في مهرجان دبي السينمائي الدولي، حيث أتى المخرج التونسي مصطفى الحسناوي، شريكاً للمخرجة المصرية ماريان خوري، في فيلمهما الوثائقي «ظلال»، الذي شارك في مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية»، وكان له أن فاز بجائزة «الاتحاد الدولي لنقّاد السينما» للأفلام الوثائقية.
ربما كانت تلك آخر الجوائز السينمائية التي ينالها المخرج مصطفى الحسناوي في حياته!.. ولكن يقيني أن الجوائز الأهم التي ينبغي أن نمنحها لهذا المخرج المبدع، هو الوفاء له، على الأقل من خلال المبادرة إلى جمع تراثه؛ أفلامه، وتوثيقها، ونقدها، والكتابة عنها، وتأملها.. وكذلك توفيرها للمشاهد، سواء أكان هذا عبر مهرجان ما، أو عبر مؤسسة ما، حكومية كانت أو مستقلة، أو عبر شبكة ما، سينمائية أو تلفزيونية. دون أن نغفل عن حقيقة أنه يستحق تماماً إطلاق جائزة سينمائية تحمل اسمه.
مصطفى الحسناوي.. في حياتك، لم أبادلك الكلام.. ولكن في رحيلك، اسمح لي أن أقول لك: وداعاً.. مع المحبة والتقدير.

قد ينال إعجابكم