نقد سينمائي

ما بين ظلامية السياسة ولمحات التسجيلية الشعرية

قراءة في الأفلام الأيرانية المشاركة بمهرجان سالونيك الدولي
 سالونيك:  رامي عبد الرازق

اقيمت في الفترة من4إلى13نوفمبر"تشرين الثاني"2011 فعاليات الدورة الثانية والخمسين لمهرجان سالونيك الدولي الذي تنظمه منذ أكثر من نصف قرن عاصمة الأقليم المقدوني في شمال اليونان"سالونيك".
شهد المهرجان عرض اكثر من150 فيلما من انحاء العالم وذلك عبر مجموعة من المسابقات والبرامج التي تتنوع ما بين الدولي والأقليمي والمحلي, فإلى جانب المسابقة الدولية التي ضمت 15 فيلما هناك برنامج آفاق مفتوحة الذي ضم هذا العام 45 فيلما دوليا, ثم مسابقة أفلام من البلقان وتمثل البعد الأقليمي الذي يتخذ من منطقة البلقان عمق استراتيجي وفني له في نفس الوقت, واخيرا بانوراما الفيلم اليوناني التي تمثل البرنامج المحلي الذي يضم كافة إنتاجات السينما اليونانية القصيرة والطويلة عبر عام كامل.
ويمنح المهرجان ثلاثة جوائز اساسية في كل برنامج هي جائزة الأسكندر الذهبية وقيمتها 20 الف يورو والأسكندر الفضية وقيمتها 10 آلاف يورو وجائزة لجنة التحكيم الخاصة وقيمتها 7 آلاف يورو.
وقد ذهبت جائزة أحسن فيلم هذا العام للفيلم الروسي "بورتريه للشفق" إخراج انجلينا نيكونوفا والأسكندر الفضية فذهبت للفيلم التشيكي "ثمانون حرفا" للمخرج الشاب فاسلاف كادرنكا.
وإلى جانب المسابقات الدولية والاقليمية يقيم المهرجان سوق"الأجورا"الدولي لتسويق وبيع الأفلام السينمائية والذي تداول هذا العام اكثر من 250 فيلما من احدث إنتاجات السينما العالمية خلال عام 2011.

"وداعا" مفاجأة المهرجان
من أهم المفاجأت التي حملتها دورة هذا العام عرض الفيلم الأيراني"وداعا"للمخرج محمد رسولوف والذي يمكن أن نتعرف من خلاله على خلفية الأسباب الرئيسية في الحكم عليه بالسجن في ايران العام الماضي, وقد تمكنت إدارة المهرجان من دعوة المخرج الكبير لحضور عرض الفيلم ومناقشة جمهور الحاضرين.
ويمكن تصنيف فيلم"وداعا"على أنه ينتمي لأفلام المقاومة التي تتخذ فيها الأفكار التنويرية والأتجاهات المعارضة من السينما اطارا للتعبير عن همومها الفكرية والسياسية في مجتمع يعاني من سيطرة آلة قمعية تتخذ من الدين سلطة مطلقة للحكم.
 ومشاهدة فيلم رسولوف في ظل الظروف السياسية التي تشهدها مصر خلال الفترة الحالية من صعود التيارات الدينية المتزمتة التي ترى في إيران نموذج للدولة "الأسلامية" تجعلنا نشعر أن السينما لن تموت إذ ما تولى اليمين الأسلامي الحكم في مصر لأن العقول المتنورة سوف تظل تقاوم ظلام الجهالة والكبت الفكري والمعنوي التي تمارسه سلطات تعتبر نفسها ناطقة باسم السماء.

رسولوف والسينما السرية
ولد محمد رسولوف عام 1973 في بلدة شيراز وبدأ حياته المهنية في صناعة بعض الأفلام القصيرة وفي عام 2002 قدم أولى افلامه الطويلة "الشفق" واستطاع أن يلف الانظار له عبر عروض عالمية في مهرجانات لوكارنو ومونتريال وفي عام 2005 قدم فيلمه الطويل الثاني أرض الحديد الذي اخير في نصف شهر المخرجين بدورة مهرجان كان وفي عام 2009 قد فيلمه الثالث "ميدوزا البيضاء".
تعرض رسولوف للاعتقال عام 2010 وذلك بتهمة"ممارسة الأعمال والنوايا التحريضية ضد الجمهورية الاسلامية الأيرانية" وحكم عليه بالسجن لمدة 6 سنوات وبالمنع من ممارسة الأخراج السينمائي داخل ايران لمدة 20 سنة وقد تم إطلاق سراحه بشرط حسن السير والسلوك وهو حاليا ينتظر الحكم النهائي في نظر الألتماس بالعفو في قضيته, وقد قام رسولوف بتصوير فيلمه "وداعا" بشكل أقرب للسينما السرية او سينما الأندرجروند.

نورا والظلام
من السهل اسقاط الأراء السياسية على الأفلام خصوصا إذ ما كانت تعري سوءات مجتمع يعاني من أزمات سياسية عديدة ولكن"وداعا"لا يكتفي بمنح مساحة للمتلقي كي يسقط اراءه السياسية بل يعبر عن وجهة نظر صانعه بشكل فيه الكثير من الفنية التي تحترم اللون الأبداعي الذي انتهجه.
الشخصية الرئيسية نورا هي محامية لا تستطيع أن تترافع أمام المحاكم لانها لم تُمنح الأذن "الشرعي"بذلك وبالتالي هي طاقة علمية وثقافية مهدرة, وتحاول خلال الاحداث أن تغادر ايران بأي شكل خاصة أن زوجها الكاتب الصحفي الهارب مطلوب لدى السلطات نتيجة مقالاته السياسية المقلقة لنظام الحكم.
أن نورا تختصر دولة بأكملها تعيش تحت ظلام حكم غاشم, وكونها امرأة يجعلها كتلة درامية معرضة للخطر المستمر من قبل قوى السلطة السياسية والدينية والاجتماعية التي تسيطر على المجتمع, ويعبر المخرج بحساسية ضوئية عن هذا الظلام السياسي والأجتماعي من خلال حزمة من الخفوت والظلال تسقط على رأس البطلة في اغلب مشاهد الفيلم سواء في حجرة نومها أو في شقتها, حيث تعيش بمفردها بعد هرب زوجها, أو حتى فوق سطح العمارة التي تسكن فيها حين تصعد لتدخين سيجارة في جنح الليل لتنفس عن غليانها الداخلي.
ويمثل الظلام الذي يلف رأس البطلة تلك الحيلة البصرية التي تمنح المخرج فرصة للهرب من ارتدائها الحجاب في المنزل أو الفراش حيث من غير المسموح أن تكشف المرأة شعرها في السينما الأيرانية.
ويصنع رسولوف من خلال اسم نورا في مواجهة تلك الظلمة الكثيفة التي تحيط بها نوع من التقابل الدرامي الذي يقوي من الصراع سينمائيا بشكل كبير ومن المعروف أن دلالات الأسماء لها تأثير جيد إذ ما تم توظيفها دراميا دون مباشرة او افتعال وهو ما نجح رسولوف في صناعته عبر اسم الشخصية في مواجهة الاطار البصري العام للفيلم.

مستقبل مشوه
تكتشف نورا أن الطريقة الوحيدة التي يقترحها المحامي المخضرم الذي تلجأ له كي يساعدها للحصول على فيزا للخارج هي أن تحتفظ بجنينها الذي تحمله في احشائها كي تتمكن من الولادة في اي بلد أجنبي, وبالتالي طلب جنسية الدولة التي تسافر إليها, ولكن الازمة الحقيقية هي أن الطفلة التي تحملها نورا طفلة مشوهة جينيا, وعليها أن تقوم بعملية اجهاض قبل مرور 16 اسبوع كي لا يعتبر الاجهاض قتلا للنفس.
وتجد نورا نفسها في مأزق تراجيدي رهيب, فهل تتصرف بأنانية وتستبقي الطفلة بداخلها لكي تضمن الهرب من الجحيم أم تعفيها من حياة معذبة ومشوهة وتجهض نفسها وتظل في ايران!
وعبر رحلة نورا النفسية والمادية في البحث عن حل ومحاولة الحصول على الفيزا يفضح رسولوف العفن المسيطر تحت طبقة السطح الامعة لذلك المجتمع"الأسلامي", فالكل مرتشي بداية من سكرتيرة المحامي الشهير الذي يساعد نورا إلى عامل الفندق الذي يتغاضى عن ان نورا بلا زوج ويقبل أن يمنحها غرفة بشكل غير قانوني, اما الممرضة في مركز الأشعة فتهمس لنورا بأن لديها طبيب يمكن أن يجهضها بسهولة وفي السر ظنا منها أن نورا حملت سفاحا وكأن هذا من الأمور المعتادة رغم أو نتيجة تزمت المجتمع.
اما الحكومة فإنها لا تترك للشعب متنفسا, ففي مشهد ساخر نرى ضابط شرطة يأتي لمصادرة جهاز الأستقبال/الريسيفر الخاص بنورا لأنه ممنوع اقتنائه, وفي المشهد التالي نجد امها تفتح التليفزيون على القنوات الحكومية التي تمثل الأعلام الموجة التي تريد الدولة من خلاله قيادة شعبها, بينما في نفس المشهد رجال الشرطة السرية يقومون بتفتيش الشقة ومصادرة جهاز الكومبيوتر الخاص بنورا وبعض اوراق زوجها.
واستخدام رسولوف تيمة الجنين المشوه يتجاوز هنا نمطية هذه الفكرة التي تعبر دائما عن فكره المستقبل المشوه , فهذا الجنين هو نتاج التشوه المجتمعي والسياسي من وجهة نظره ولكنه مفتاح الخروج في نفس الوقت وهو ما يصعد بفكرة الجنين المشوه إلى مستوى الازمة التراجيدية العميقة ذات البعد السياسي والوجودي في نفس الوقت.

لا تُصالح..فلن تغادر
ويمنح رسولوف لمتلقيه المساحة كي يتعاطي شعريا ودراميا مع سياسية الاحداث من خلال استخدام موتيفات مثل السلحفاة التي تربيها نورا وتغير لها الماء كل يوم, ولكن بيتها الزجاجي ينكسر فنتقلها إلى صينية مسطحة صانعة حولها جدار من ورق الجرائد, ولكن السلحفاة في سعيها الدؤوب للخروج من البيت الزجاجي تهرب وتضيع من نورا, وهي اشارة درامية شديدة الذكاء لأن المتلقي يتصور أن نورا هي السلحفاة وانها سوف تغادر في النهاية ولكنه يخلف ظننا في المشهد الأخير حيث يقبض على نورا قبل ساعات من ذهابها للمطار.
كذلك يخلي رسولوف شريط الصوت من اي مؤثرات دخلية على البيئات التي يتحرك فيها سواء في شقة نورا أو في المكاتب التي تذهب إليها او في عيادة الطبيب ويحافظ سولوف على تيمة موسيقية واحدة وثابتة يطلقها في لحظات شعور الشخصية بذروة التوتر والأختناق الأنفعالي الداخلي وإذا ما اضفنا هذا التقشف الصوتي إلى حالة الخفوت الضوئي وانتشار البقع المظلمة في الكادر فإننا نقترب كثيرا من حالة الفيلم نوار او الفيلم الأسود.
ان رسولوف ينقل لنا رسالة أخيرة عبر مشهد القبض على نورا رغم أن كل جريرتها انها تحاول الهرب من الجحيم:"لا تُصالح" قوي الظلامية والكبت والدكتاتورية فأنت "لن تُغادر" ابدا ولن تهرب..فقاوم.

أبنة..والد..أبنة
ثاني التجارب الايرانية التي عرضت ضمن برنامج آفاق مفتوحة هو فيلم"أبنة..والد..أبنة" للمخرج الشاب بانهاب اركاهودا ريزاي وهو من مواليد عام 77 في بلدة شازاند وتخرج عام 2000 من قسم الفن والأخراج السينمائي بجامعة سوري بطهران وقد بدأ بانهاب رحلته الفنية من خلال ممارسة التصوير الفوتغرافي حيث اشتهر بصوره ذات البعد الشعري وذلك لمجموعات الأعراق المختلفة والقبائل التي تسكن في مختلف الاراضي الأيرانية.
فيلم أبنة والد أبنة هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج بعد فيلمه الأول "ضوء في الضباب" الذي انجزه عام 2007.

التسجيلية الشعرية
التعرف على خلفية المخرج الشاب الذي بدأ حياته من خلال التصوير الفوتغرافي لتيمات شعرية تخص المجموعات العرقية في ايران تجعلنا نجد مفتاح قراءة فيلمه الروائي ذو الشكل التسجيلي الذي ينحو بأتجاه شعرية صريحة ولكنها شعرية تتسم بنوع من النظرة الاثنية او الفحص الثقافي للأعراق التي تعيش خارج دائرة التركيز التي تمارس على أهل المدن.
لا تليق كلمة الأحداث بطبيعة الحبكة أو الاحكبة التي يمارسها الفيلم عبر شخصياته القليلة جدا والمنعزلة في اطراف بلدة جبلية تسكنها الثلوج والأصداء البعيدة, فنحن أمام خمسة شخصيات فقط لا غير  ثلاثة أخوة في اعمار مختلفة ووالدهم العجوز الذي يعمل كبائع للوقود وسائق عربة الوقود الذي يمر بشكل دوري لتزويدهم بحصة الوقود المطلوبة للبلدة.
هذه هي الشخصيات التي تتحرك عبر سبعين دقيقة شديدة التكثيف والعمق من خلال أسلوب اقرب لتسجيل الوقائع اليومية ولكن من خلال قصدية تجريدية واضحة تفسح المساحة للشعر وووجهة النظر السياسية في نفس الوقت.

الزمن..ما الزمن!
يشرع المخرج في اكساب فيلمه الصبغة التجريدية بداية من العنوان "أبنة أب ابنة" أنها صفات مجردة تعكس وضع عائلي لكن بلا اسماء فالأسماء لا تهم في تلك العزلة ولا تفيد, أن المتلقي لا يشعر برغبة في التعرف على اسماء الشخصيات في تلك البقعة البعيدة أنهم في النهاية بشر يعيشون خارج الحياة المدنية المعروفة , أنهم ينتمون للحضارة المدنية الحديثة فقط عبر شاشة التليفزيون المشوش التي تنقل لهم اخبار الدولة السياسية التي يعيشون ضمن حدودها.
وتدريجيا نكتشف ان التجريد لا يتصل بأسماء الشخصيات فقط فنحن نعلم مثلا أن هذا هو سائق عربة الوقود وأنه يحب ابنة بائع الوقود الذي يحضر بشكل دوري ولكننا لا نعلم اسمه ولا نعلم دورة قدومه وهل هي اسبوعية أم شهرية أم هي دورة عشوائية وهو الأقرب لاننا نشاهد بعض اهل البلدة أحيانا ما يأتون للسؤال عن الوقود ولا يجدون.

ويوازي هذا التجريد الدرامي تجريد بصري يتمثل في متابعة قصة الحب التي من المتفرض أنها تنمو ما بين سائق العربة و ابنة بائع الوقود من خلال كادرات واسعة ثابتة يبدوان مجرد عنصرين صغيرين داخل لوحة طبيعية هائلة من الجبال والثلوج والسماء وكأنهم أحد تلك الصور الفوتغرافية الشعرية التي بدأ المخرج حياته بالتقاطها كما اسلفنا فيما سبق.
يبدو سائق العربة وابنة البائع ظلين صغيرين في مشهد كوني هائل وكأنهم أدم وحواء يلتقيان من جديد في هذا الفراغ الثلجي الكامل وبدون أن نسمع جملة حوار واحدة أو نقترب منهم في اي لقطة متوسطة أو كبيرة نتابع تطور قصة الحب التي تكاد تكون هي الحدث الوحيد والأساسي في هذه اللوحة الشعرية الساحرة.

النفط مقابل الحب
يقول روبير بريسون أن السينما ليست صورة ولكنها صورة زائد صورة أي من خلال العلاقة بين اللقطات والصور التي تجسدها يتشكل جسد الفيلم ويتطور وينمو ويفصح عن حياته ومكنوناته سواء الشعرية أو السياسية, والمخرج هنا لا يتوقف أما تلك الحالة التسجيلة البحتة التي تظهر لنا عبر متابعة التفاصيل اليومية الشحيحة لتلك الأسرة الصغيرة ولكنه يتجاوز ذلك إلى الحديث عن الفكرة السياسية التي تمثلها تلك الأسرة.
 أن اختيار مهنة بائع الوقود ليس عشوائيا خاصة إذ ما اقترنت تلك المهنة بمشاهد متابعة الاسرة للتليفزيون الذي يعتبر صلتهم الوحيدة مع العالم الخارجي-اي خارج حدود بلدتهم المنعزلة- ويختار المخرج بعناية طبيعة الاخبار التي يبثها التليفزيون وأغلبها اخبار عن سعر النفط الذي يرتفع ويهبط محركا التوجهات السياسية والأقتصادية للعالم.
وفي المقابل الذي تبيع فيه ايران كأحد اكبر الدول المصدرة للبترول النفط بملايين الدولارات نجد هذه الأسرة التي تمتهن مهنة بيع الوقود تعاني من حالة فقر مدقع يجعلها تعيش كأنها في زمن غابر, حتى أن المواد التليفزيونية الاثيرة لديهم والتي يستغرق المخرج مشهدا بأكلمه كي يوضح اهمية ضبط ايريال الأستقبال التليفزيوني بالنسبة لهم, هذه المواد اغلبها مسلسلات ابيض واسود قديمة وهي دلالة زمنية هامة تعكس الزمن الحقيقي الذي تعيشة تلك الاسرة الأيرانية وفي بلد يسابق كي يدخل النادي النووي.
والنفط أو الوقود يمثل المحور الرئيسي في حياة الأسرة التي تمتهن بيعه وهو نفسه السبب وراء انطلاق قصة الحب الصامتة الجميلة ما بين سائق عربة الوقود وابنة البائع العجوز وكأنه يحضر لهم الوقود مقابل الحصول على الحب.

الأبنة الأخرى
الأبنة الأخرى التي يتحدث عنها عنوان الفيلم تعتبر بلورة لجيل كامل نشأ في تلك العزلة الجبلية الثلجية حتى اصابه تراجع ذهني حاد واصبح اقرب لسكان الكهوف أو الازمنة البشرية الاولى وهي على عكس من اختها الأصغر التي يمكنها اتصالها بسائق العربة أن يصبح لها علاقة ما مع العالم الخارجي تنتهي بأن تتزوج وترحل مع زوجها سائق العربة.
لكننا نشاهد هذه الاخت وهي تمارس تلك العادت العرقية المعروفة بالنسبة لأهل البلدة وهي الصيد عن طريق تقليد اصوات نوع من الطيور وانتظار أن يحط قريبا من الصوت لتصطاده وهو مشهد يتكرر أكثر من مرة ويعكس جزء من دورة الحياة البطيئة والنمطية لهذة الأسرة.

ويكاد الفيلم يخلو من أي مؤثر صوتي أو تيمة موسيقية معزوفة فالحالة التسجيلية التي صاغها المخرج جعلت شريط الصوت لا يحتوي سوى على الاصوات الطبيعية المطلقة لهذه البلدة أو للواقع اليومي للأسرة المتمثل في النظرات المتبادلة في صمت أمام صوت التليفزيون الذي لا يذيع سوى الأخبار أو المسلسلات والأفلام القديمة.

 أثر العصفور
يتجلى الشعر خلال كادرات الفيلم ليس فقط من خلال تشكيلية اللقطات ومساحات الصمت والسكون بها أو من خلال الثبات الذي يمثل السمة الأساسية لأغلب اللقطات وقد قلنا ان المخرج بدأ حياته المهنية كمصور فوتغرافي, يتجاوز الشعر كل هذا إلى العديد من الصور والتشبيهات البصرية التي تتخذ دلالات شعرية رائعة ربما اهمها لقطات اللقاء العاطفي الصامت لظلال الحبيبن سائق العربة وابنة البائع, ولقطات العصافير الجبلية التي تراقب حركة الأخت الكبرى في محاولة صيدها الطير النادر, وتكتمل موتيفة العصفور الشعرية التي يؤسس لها المخرج من البداية وذلك في اللقطة الأخيرة التي تمثل بلورة الرؤية الأثنية والسياسية والشعرية للمخرج حيث تغادر الأبنة الصغرى في الشاحنة مع السائق وفي اللقطة التالية نشاهد ذلك العصفور الذي ظل يراقب عملية الصيد وهو يطير من فوق مساحة ثلوج صغيرة تاركا مجرد اثر صغير لا يذكر, أنها الرؤية التي تبلور مراكمة التفاصيل خلال زمن الفيلم فهذه الأسرة تمثل العديد من المجموعات العرقية والأثنية التي تنتشر في انحاء ايران ولا أحد يشعر بها أو يفكر فيها او يشغل باله بوجودها وهي تعيش حياتها وترحل دون ان تترك اثرا اللهم إلا ذلك الأثر الذي يتركه مثل هذا العصفور الصغير على مساحة ثلج بيضاء قد تذوب في اي وقت.      

قد ينال إعجابكم