نقد سينمائي

السينما العربية تعود من جديد إلى بروكسل

سنة بعد أخرى، يزداد عدد مهرجانات السينما العربية في العواصم، والمدن الأجنبية، ولكن، في نفس الوقت، تتقلص أيام بعضها لمُواجهة الأزمة الاقتصادية التي تجتاح أوروبا، وغالباً تتصدّر المؤسّسات الثقافية قائمة المُتضررين، ورُبما يكون مهرجان السينما العربية في بروكسل واحداً من أكثرها تضرراً بسبب غياب الدعم الحكوميّ .
وخلال مسيرته، تلقى ضرباتٍ عنيفة كادت أن تقضي عليه نهائياً، وعاش في غيبوبةٍ يبدو بأنه يصحو منها تدريجياً بفضل إصرار الناشطة السينمائية المغربية "رشيدة شباني" التي ترغب اليوم في إنعاش المبادرة التي بدأتها في عام 2006، ومحاولة وضعها من جديدٍ في خارطة المهرجانات السينمائية الأوروبية المهتمّة بالسينما العربية، ومع غياب كلّ أشكال الدعم الرسميّ، فقد تحتمّ عليها مواصلة خطواتها بالتعاون شخصين آخرين يشاركانها نفس الأهداف، وهما "غويدو كونفنتس"، و"غويدو هايسمانس" اللذان يُنظمان مهرجان الفيلم الأفريقي في بروكسل.


رشيدة شباني

 وبعد مخاض عسير، انعقد المهرجان في دورةٍ أولى (وليست سادسة كما تُشير بعض الوسائل الإعلامية العربية) خلال الفترة من 11 وحتى 15 يناير 2012 في صالاتٍ عدة من المدينة من خلال هيكلية تنظيمية جديدة، ولكن مع الاحتفاظ بأهدافه القديمة المُتمثلة في تطوير التبادلات بين الثقافات المختلفة، وفتح أبوابه أمام عالم جديد، وثريّ بالإبداع السمعيّ/البصريّ، والعمل على تحقيق هذه الأهداف بعرض أفلام نوعية من العالم العربي في الصالات السينمائية، قنوات التلفزيون، والمهرجانات في بلجيكا، أفلام فرضت نفسها عن طريق نضجها، حساسيتها، وصحوتها الفنية الجديدة.
كما يسعى المهرجان إلى التأكيد على النوعية الفنية للأفلام، ويمتلك الطموح بتجميع معظمها، وعرضها على جمهور واسع.
ويجد المُنظمون، بأنه مع التطور المُتلاحق لأفلام الجنوب، سوف يحصد تعاطفاً جوهرياً، ويُضاعف من شراكاته مع مؤسّساتٍ أخرى.
وبحسب البيان الإعلامي الذي وصلتني منه نسخة أولية قبل أسابيع من كتابة هذه القراءة، لا يوجد أفلام عربية كثيرة في الوسائل الإعلامية البلجيكية، لأنّ الموزعين لا يهتمون كثيراً بتوزيعها، وهي شبه غائبة عن شاشات التلفزيون المحلية، ولهذه الأسباب تبقى المعلومات عن العالم العربي محدودة تماماً.
وقد توزعت العروض في أربعة أماكن:
قصر الفنون الجميلة، صالة سينما فاندوم، المعهد الأوروبي للثقافة العربية، و"بيانو فابريك"، وخلال خمسة أيام قدم المهرجان تشكيلة من الأفلام الطويلة، والقصيرة، والتسجيلية من عموم الدول العربية، وأفلاماً لمخرجين أجانب تتطرق موضوعاتها لقضايا عربية، أفلاماً رُبما وجدت موزعاً بلجيكياً، ولكنها لم تجد جمهوراً كبيراً، وأخرى تُعرض في بلجيكا للمرة الأولى :
الخروج من القاهرة (هشام عيساوي)، حاوي (إبراهيم البطوط)، عاشقة من الريف (نرجس النجار)، الوتر الخامس (سلمى برقاش)، رحلة إلى الجزائر(عبد الكريم بهلول)، ثوب الشمس(سعيد سالمين)، هل تتذكر عادل؟(محمد زين الدين)، )، الشوق (خالد الحجر)، ابن بابل (محمد الدراجي)، الاختفاءات الثلاثة لسعاد حسني(رانيا استيفان)، نصف ثورة(كريم الحكيم/عمر شرقاوي)، 18 يوم (إخراج جماعي)،......
إدارةً، وتمويلاً، يرتكز المهرجان على تظاهرةٍ كبرى كان  BOZAR (قصر الفنون الجميلة) ينوي تنظيمها تحت عنوان "مصر في الأفلام" بمناسبة مرور سنة بعد الثورة المصرية في 25 يناير، وخلال ثلاثة أيام (من مجموع خمسة) قدم اختياراتٍ من الأفلام المصرية الجديدة يُعرض معظمها للمرة الأولى في بلجيكا، وبحضور مخرجيها، تسمح بفهم أفضل لأسباب الاحتجاجات الشعبية التي أدت إلى سقوط الرئيس السابق، وتسليط الأضواء على المجتمع المصري .

وقد رافق هذا الحدث طاولة مستديرة جمعت بعض الوجوه السينمائية الدالة، مثل : رانيا استيفان، هشام عيساوي، إبراهيم البطوط، خالد الحجر، دانييل زيسكيند، ووائل عمر مؤسّس (Middlewest Films) شركة جديدة مستقلة لإنتاج الأفلام التسجيلية.
في الحقيقة، المُتابع لاختيارات مهرجانات السينما العربية، أو المُهتمة بها داخل الوطن العربي، وخارجه، سوف يلاحظ بدون عناءٍ، بأنها تعرض نفس الأفلام تقريباً، وبينما يمكن اعتبار هذا التكرار إيجابياً، ومن مصلحة المخرجين، والمنتجين، إلا أنه يعكس أوضاعاً سلبية تتعلق بالإبداع السينمائي العربي بشكلٍ عام بغضّ النظر عن الحالة الإنتاجية، والتوزيعية التي تتزايد فرصها بفضل التقنيات الجديدة، وكلّ أشكال الدعم التي ظهرت في أكثر من بلدٍ عربي، وأجنبي، ومهما تضاعف عدد الأفلام المُنجزة من طرف سينمائيين عرب، وآخرين من أصولٍ عربية، يبقى محدوداً مقارنة مع نسبة تعداد السكان في عموم البلدان العربية، والمهجر.
الأكثر لفتاً للانتباه، بأنه لو تفحصنا هذا الكمّ المحدود أصلاً، سوف نستخلص منه، وفي أحسن الأحوال، حصيلةً تكفي لمهرجانٍ واحد متخصص بالسينما العربية، ولهذا السبب، لا تجد المهرجانات حلولاً أخرى غير التسامح في اختياراتها، وعرض نفس الأفلام، مع الإشارة بأنّ المهرجانات الخليجية (الدوحة، أبو ظبي، دبي) أصبحت الانطلاقة الأولى لمعظمها، والمصدر الأساسي الذي تنهل منه كلّ المهرجانات اللاحقة في تاريخ انعقادها.
وبدون أن يكون الأمر سلبياً في حدّ ذاته، إذا أحصينا اليوم عدد المهرجانات المُهتمة بالسينما العربية في الداخل، والخارج (وقد أصبح من الضروري حصرها في دليلٍ خاصّ)، سوف نجدها أكثر عدداً من عموم الأفلام الجيدة، والمتوسطة القابلة للعرض في مهرجانٍ واحد (25 فيلماً روائياً طويلاً، 25 فيلماً تسجيلياً، 25 فيلماً روائياً قصيراً، 5 أفلام تجريبية، فيلم تحريك واحد).
مع التأكيد أيضاً، بأنّ بعض هذه الأفلام ليست بالضرورة جيدة، ولكن، تجد لها مكاناً وُفق خطةٍ برمجية خاصة بهذا المهرجان، أو غيره : التيمة، تشجيع الإنتاج الوطني، ذوق المُبرمج، أو الإدارة الفنية للمهرجان ...

قد ينال إعجابكم