نقد سينمائي

الأفلام القصيرة تُكمل مسيرتها في مهرجان كليرمون

صلاح سرميني ـ كليرمون فيران (فرنسا)

(Ça Suit Son Court)
هو العنوان الفرنسيّ للنشرة الإعلامية الورقية، والإلكترونية التي تصلنا عادةً قبل انعقاد كلّ دورةٍ من دورات المهرجان الدولي للأفلام القصيرة في كليرمون ـ فيران(فرنسا)، وتقدم في صفحاتها خلاصة جهود فريق العمل، وقائمةً بالأفلام التي تمّ اختيارها في المُسابقات الثلاث (الدولية، الوطنية، والمختبر).
ونحن نعرف رُبما بأنّ الفرنسييّن حاذقون في تركيب هذا النوع من العبارات، والكلمات، حيث يتكوّن العنوان من تلاعبٍ لفظيّ، وكتابيّ يمنح معاني مختلفة، متداخلة، ومتقاطعة :
ـ شخصٌ ما يُكمل طريقه...
ـ الفيلم القصير يتابع مسيرته...
ـ المهرجان يواصل تطوره...
ـ السينمائي يُحضّر إنجاز فيلمه القصير....
تماماً كما حال اسم الجمعية المُنظمّة للمهرجان نفسه (Sauve qui peut le court métrage)، والذي يعني
(أنقذ الفيلم القصير ما استطعت)، وهو شعارٌ انطلق قبل 34 عاماً في مغامرةٍ/مبادرةٍ سينمائية كانت الأفلام القصيرة تحتاجها حقاً، وطوال تلك السنوات تحقق لها الكثير، ورُبما أصبح ذلك المطلب طرفةً قديمة فقدت صلاحيتها، ولكنه، مع ذلك، بقي على حاله، ولم يتغير كي يحث دائماً على الاستمرارية في التفكير، والعمل، والتطوير.
لقد تحول إلى "أيقونةٍ" أدبية غيّرت جذرياً من حال الأفلام القصيرة في فرنسا، والعالم، تحميها نفس المجموعة التي رافقت المهرجان منذ البداية، وحتى اليوم، وبينما كبر هؤلاء عمراً، ما تزال الأفلام القصيرة شابةً، طازجةً، ومزدهرة.

بدوره، أصبح المهرجان موعداً لا يمكن الاستغناء عنه لكلّ من يعمل في هذا الحقل الإبداعيّ إنتاجاً، إخراجاً، توزيعاً، ترويجاً، وبرمجة.
وعلى الرغم من التقلص المُتواصل لميزانيته، يثبتُ بأنه واحدٌ من المهرجانات الأكثر أهميةً في تخصصه، بدون إغفال مهرجاناتٍ محلية، وعالمية أخرى تخيّرت خططاً برمجية مختلفة.
ينعقد المهرجان عادةً في الأسبوع الأخير من شهر يناير، وبداية فبراير من كلّ عام (تنعقد الدورة الـ 34 خلال الفترة من 27 يناير وحتى 4 فبراير 2012)، أيّ بعد فترة قصيرة من احتفالات أعياد رأس السنة، وهكذا، وُفقاً لتاريخ انعقاده، يمكن القول، بأنه يفتتح سلسلة المهرجانات الكثيرة في فرنسا بدون انشغال خطاباته، وأدبياته بهذه الميزة، والتباهي بها، ولكن، بإمكاننا التأكيد، بأنّ المُتابع المتخصص سوف يجد فيه حصيلةً وافرةً من الأفلام القصيرة المُنتجة في عام 2011 كانت تطمح إلى المُشاركة في إحدى مسابقاته، ولم يفلت منها إلاّ 170 فيلماً، و230 آخرين توزعت في التظاهرات، والبرامج الموازية، بينما تجمّعت الأفلام المُتبقية في "سوق الفيلم القصير" الذي يُعتبر بحقٍّ الأضخم من نوعه، ويتخطى عدداً عموم الأفلام القصيرة التي يجمعها زميله "ركن الفيلم القصير" في مهرجان كان الذي سوف يحظى بدوره بنصيبٍ من الأفلام المُنتجة في الشهور الأولى من عام 2012، وهذا يعني، بأنّ كلّ منصة سينمائية (كليرمون ـ فيران، كان) تمتلك بمفردها مميزاتٍ لا تتوفر في الأخرى، وهو ما يجعل الاهتمام موجهاً نحوهما بنفس الدرجة من الانتباه.
وللدلالة على الأهمية القصوى لهذا المهرجان، تشير الإحصائيات المُعلنة، والمُتوفرة بكرمٍ في موقعه، إلى أرقام تكشف عن حال الأفلام القصيرة في المشهد السينمائي العالمي، حيث وصل إلى إدارته :
6124 فيلماً قصيراً في دورة عام 2009 (59 فيلماً في المسابقة الوطنية، 75 فيلماً في المسابقة الدولية، 43 فيلماً في المختبر).
6524 فيلماً قصيراً في دورة عام 2010 (56 فيلماً في المسابقة الوطنية، 75 فيلماً في المسابقة الدولية، 41 فيلماً في المختبر).
6753 فيلماً قصيراً في دورة عام 2011 (63 فيلماً في المسابقة الوطنية، 79 فيلماً في المسابقة الدولية، 34 فيلماً في المختبر).
7132 فيلماً قصيراً في دورة عام 2012 (59 فيلماً في المسابقة الوطنية، 77 فيلماً في المسابقة الدولية، 34 فيلماً في المختبر).
لقد أصبح بدون مبالغة (مغارة علي بابا للأفلام القصيرة)، يغرف منها المحترف ما يشاء، إذا امتلك الرغبة، الوقت، والجهد لمشاهدة آلاف الأفلام التي تجتمع فيها كلّ عام، أتمكن بدوري من الإستمتاع بحوالي 2000 فيلماً، يجد بعضها مكاناً له في مهرجان الخليج السينمائي في دبي (المُسابقة الدولية، تقاطعات خارج المُسابقة، برنامج للأطفال، وبرامج أخرى تخصصية،...).
مع مسابقاته، تظاهراته، وتنظيمه، يوفر المهرجان حالاتٍ من الإثارة السينمائية الدائمة، نتوقعها، وننتظرها في كلّ دورة، تتطلب اللهاث من صالةٍ إلى أخرى، والوقوف في طوابير لا يعرف أطوالها إلاّ أولئك القلائل المحظوظين الذين حصلوا على دعوةٍ مرة لمُتابعة المهرجان، فأصابهم الإدمان إعجاباً بنوعية الأفلام القصيرة، والبرمجة بشكلٍ عام، أو أصبح، بالنسبة لآخرين، محطة سينمائية قبل الانتقال منها جواً إلى مهرجان برلين، أو تحول، بفضل ذكاء البعض، وبحسبةٍ سياحية، ومالية إلى رحلةٍ ممتعة يتصادف انعقادها في الأيام الأخيرة من موسم التخفيضات الشتوية في فرنسا.
بشكلٍ عام، تتوّجه الأنظار نحو المُسابقات الثلاث (الدولية، الوطنية، والمختبر)، وتمتلئ الصالات بالضيوف المحترفين القادمين من كلّ أنحاء العالم، وسكان المدينة، ومعظمهم من طلبة الجامعات (كليرمون ـ فيران مدينة طلابية بإمتياز)، جمهورٌ مثاليّ متعطشّ لمُشاهدة كلّ شيء في المهرجان، وفي هذه الحالة الجميلة، والمُبهرة، يتحلى الجميع بالشغف، وهم يمارسون رياضة الركض، والانتظار، فإن لم يجد أحدهم مكاناً له في هذه الصالة، رُبما يناله الحظ في صالةٍ أخرى، وإن تأخر، لن يبقَ أمامه ـ إن كان واحداً من الضيوف المُعتمدين ـ  إلاّ التجول في ردهات "سوق الفيلم القصير"، أو مشاهدة أفلاماً عن طريق شاشاتٍ فردية، وفي جميع الأحوال، لن يتذمر، أو يصيبه الملل، لأنه سوف يقضي أياماً ثرية مشحونة بمُتعة اكتشاف عدداً كبيراً من الأفلام هي الثمرات الأجمل التي قطفتها لجان الاختيار.
كوبا اليوم
اختارت الدورة الـ 34 لمهرجان كليرمون ـ فيران تسليط الأضواء على الأفلام القصيرة في كوبا، ومنحت الفرصة لاكتشاف المخرجين الكوبييّن الشباب، واللقاء مع الشخصيات الحقيقية، أو المُتخيلة في أفلامهم، والتعرّف على المجتمع الكوبيّ اليوم من خلال 41 فيلماً قصيراً توزعت في 6 برامج يمتدّ تاريخ إنتاجها من عام 2000 وحتى اليوم، وتُظهر في مجموعها حركةً إبداعيةً تترجم تغييّرات الهوية الكوبية، "سينما الشارع"(كما تصفها الأكاديمية "آن ماري ستوك" المتخصصة بالدراسات الإسبانية، والسينمائية) تمّ إنجازها بطريقةٍ "حِرَفية" في بعض الأحيان، ولكنها ثرية، وواعدة.
يعود تاريخ فكرة هذه التظاهرة الاحتفالية إلى عام 2006 عندما بدأت الخطوات الأولى من التعاون، والتبادل بين مهرجان كليرمون ـ فيران، ومهرجان السينما الشابة في هافانا.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ فريق المهرجان الفرنسيّ يتابع باهتمامٍ أعمال جيلٍ من السينمائيين الشباب يتعامل مع الفيلم القصير كوسيلةٍ تعبيرية حقيقية.

حالياً، يترأس مهرجان السينما الشابة في هافانا المخرج "فرناندو بيريز فالديس"، ومن تسعفه الذاكرة، سوف يتذكر بعض أفلامه : " Madagascar" عام 1994، "Life is to Whistle" عام 1998، و" Suite Habana" عام 2003.
يقدم هذا المهرجان في كلّ عام عموم الإنتاج الكوبيّ من الأفلام القصيرة، والتسجيلية، والتحريك، وينظمه فريقٌ صغيرٌ، ونشيطٌ يعمل في قلب "المعهد الكوبي لفنّ الصناعة السينمائية".
وقد أصبح بالنسبة للمخرجين الكوبييّن فضاءً متميزاً للحوار يأتون إليه من كلّ أنحاء الجزيرة لتقديم أفلامهم المُنتجة بطريقةٍ مستقلة، أيّ خارج إطار الإنتاج التقليدي.
الإشكالية التي يواجهها هؤلاء، بأنّ فرص عرض أفلامهم نادرة، وأصبح البعض منهم يستغلّ إمكانيات البث عن طريق الأنترنت، ولكن، بسبب انتشاره المحدود في كوبا لم تتمكن هذه الأفلام من الوصول بسهولةٍ إلى الجمهور، ولهذا، تأتي أهمية عرضها في مهرجان السينما الشابة في هافانا، وتجد إدارة مهرجان كليرمون ـ فيران هذه التظاهرة منطقية، وضرورية، وهي فرصة لتكريم المهرجان الكوبيّ الذي احتفل في عام 2011 بعشر سنواتٍ على تأسيسه، كما تسمح أيضاً بالاحتفال بمناسبة 25 سنة على تأسيس "المدرسة الدولية للسينما، والتلفزيون" في "سانت أنتونيو دي لابانوس" وذلك بتقديم مختاراتٍ من أفلام طلبتها، ويعتبر الكاتب الكولومبي "غابرييل غارسيا ماركيز" واحداً من مؤسسيها.
في إحدى دوراته السابقة، احتفى مهرجان كليرمون ـ فيران بالكلاب في الأفلام القصيرة، ورُبما يكون هذا الأمر مُستفزاً لمن يمتلك علاقةً سطحيةً مع السينما، ولا يمكن التكهن مسبقاً بردود أفعال هؤلاء عندما يعرفون بأنّ الدورة الحالية القادة بعد أيام سوف تذهب بعيداً في استفزانا، لأنها، ببساطة، سوف تجعلنا نلاحق الذباب، وحشراتٍ أخرى من خلال ثلاثة برامج تتضمّن 34 فيلماً قصيراً.
حسناً، القراءة التالية عن هذا المهرجان العتيق تتطلب منا الحذر....

قد ينال إعجابكم