نقد سينمائي

ملامح الدورة القادمة من مهرجان برلين السينمائي

أمير العمري

الدورة القادمة هي الثانية والستين من المهرجان العريق الذي تأسس في برلين الغربية (إبان الحرب الباردة) عام 1951 ويقام عادة في الشتاء لكي يكون البوابة الرئيسية الأولى للأفلام الجديدة القادمة من الولايات المتحدة، إلى السوق الأوروبية السينمائية.
تفتتح الدورة الجديدة في التاسع من فبراير وتختتم باعلان الجوائز في التاسع عشر من الشهر نفسه.
أعلن المهرجان عن وجود 22 فيلما روائيا طويلا في المسابقة الرئيسية، تتنافس هذه الأفلام على جوائز الدب الذهبي والفضي والتمثيل ولجنة التحكيم وغيرها.
أفلام المسابقة تمثل 21 دولة هي البرازيل وكندا والدنمارك والتشيك وألمانيا والصين وفرنسا واليونان وبريطانيا والمجر واندونيسيا والفليبين وايطاليا وسويسرا والسنغال واسبانيا وروسيا والبرتغال والنرويج وأيرلندا والولايات المتحدة. ويجب أن نأخذ في الاعتبار هنا أن واحدة أو أكثر من هذه الدول قد تكون مشتركة في انتاج فيلم واحد.
وتغيب الأفلام القادمة من العالم العربي من المسابقة الرسمية في مهرجان برلين كما يغيب وجود فيلم من اخراج أحد المخرجين العرب المقيمين في أوروبا داخل المسابقة نفسها.
من بين أفلام المسابقة 18 فيلما تعرض للمرة الأولى عالميا، وباقي الأفلام سبق أن عرضت في بلادها.

ومن أفلام المسابقة المنتظرة الفيلم الإيطالي "قيصر يجب أن يموت" للأخوين باولو وفيتوريو تافياني، وهما الشقيقان اللذان يعملان معا في اخراج الأفلام منذ عام 1960 عندما قدما فيلما تسجيليا بالتعاون مع السينمائي التسجيلي الهولندي الأشهر يوريس إيفانز فيلم "إيطاليا ليست بلدا فقيرا". وكان آخر ما قدماه فيلم "مذبحة الأناضول" عام 2007 عن المذابح التي تعرض لها الأرمن على أيدي الأتراك، وهو الموضوع المثير للجدل الذي لاتزال أصداؤه تتردد رغم مرور نحو مائة عام على الأحداث التاريخية التي يرفض الطرف التركي الاغعتراف بها.
الفيلم الجديد يمزج بين العنصرين الدرامي والتسجيلي، ويستند الى تصوير الورشة المسرحية التي أقامها المخرج فابيو كافالي داخل سجن في روما حيث أتاح للسجناء الفرصة لتمثيل مسرحيات شكسبير بعد أن أعاد صياغتها. ومنها مسرحية "يوليوس قيصر". ومن خلال التداخل بين واقع السجناء والدراما الشكسبيرية يطرح الأخوان تافياني الكثير من التساؤلات الفلسفية والأخلاقية والسياسية.

فيلم الافتتاح

يفتتح المهرجان بفيلم "وداعا يامليكتي" للمخرج الفرنسي بينوا جاكو Benoit Jacquot  وتدور أحداثه في أوائل حقبة الثورة الفرنسية وتتمحور حول شخصية الملكة ماري أنطوانيت التي تقوم بدورها هنا الممثلة الألمانية ديان كروجر (صاحبة الدور البارز في فيلم تارانتينو "أوغاد مجهولون".

ومن بريطانيا يشارك فيلم "راقصة الظل"  Shadow Dancer وهو من الانتاج المشترك بين بريطانيا وأيرلندا، وجرى تصوير الجزء الأكبر منه في أيرلندا، وتقوم ببطولته الممثلة الأمريكية الشهيرة جيليان ارمسترونج.
تدور أحداث الفيلم الي يعرض لقضية سياسية في اطار الشكل البوليسي المثير على شاكلة فيلم "اللعبة الباكية" Crying Gmae لنيل جوردان، في أيرلندا الشمالية في التسعينيات. وتقوم أرمسترونج بدور امرأة مجندة في الجيش الجمهوري الأيرلندي، عائلتها كلها ضالعة في أعمال العنف والارهاب التي تمارسها تلك المنظمة، وكان زوجها قد قتل على أيدي القوات البريطانية، إلا أنها تقع هي في قبضة المخابرات البريطانية ذات يوم قبيل قيامها بتفجير قنبلة في لندن، ويعرضون عليها إما التعاون معهم وإفشاء أسماء رفاقها في المنظمة السرية، أو السجن مدى الحياة، فتختار العمل كمرشدة.
جيمس مارش المخرج سبق أن قدم فيلمين تسجيليين هما "رجل السلك" Man of Wire و"مشروع نيم" Project Nil اللذان عرضا في مهرجاني ساندانس وبرلين. و"راقصة الظل" هو فيلمه الروائي الأول، وقد عرض قبل برلين في مهرجان ساندانس أيضا.

اللحظات الأخيرة

المخرج الفرنسي من أصل سنغالي آلان جوميزالذي شاهدنا له فيلمه التحفة "الأندلس" قبل أربع سنوات، يذهب إلى برلين بفيلمه الجديد "اليوم" Aujourd´hui  الذي يصور فيه عودة رجل من الأمريكيين السود الى وطنه، لكي يواجه الموت. ونراه في الفيلم خلال الأيام الأخيرة من حياته. لكن جوميز يصر على أن الفيلم ليس حزينا بل يمتليء بكل مرح الحياة.
يقوم بالدور الرئيسي في الفيلم الممثل والشاعر والمغني الأمريكي (من أصل افريقي) سول ويليامز. ورغم أن الفيلم صور في إحدى ضواحي العاصمة السنغالية داكار إلا أن الفيلم لا يحدد موقع الأحداث بل يتعمد ترك المجال مفتوحا للتأويل، فالحدث يمكن أن يقع في أي بلد.

المخرج الفليبيني الذي فاز بجائزة أحسن مخرج في مهرجان كان الثاني والستين يأتي بفيلمه الجديد "سجينة" Captive الذي تقوم ببطولته الفرنسية الشهيرة ايزابيل أوبير.
ويأتي المخرج الاندونيسي الذي يطلق على نفسه (إدوين) بفيلم "بطاقات بريدية من حديقة الحيوانات"، كما يشارك المخرج الأمريكي ستيفن دالدري (خارج المسابقة) بفيلمه "صاخب جدا.. قريب جدا" المرشح لعدة لجائزة أحسن فيلم في مسابقة الأوسكار.

أزهار الحرب

ويعرض خارج المسابقة أيضا الفيلم الجديد للمخرج الصيني جانج ييمو، صاحب الإضافة الأهم إلى السينما الصينية الجديدة التي صعدت بقوة في التسعينيات، على أيدي أبناء "الجيل الخامس" أي مجموعة الشباب الذين تخرجوا في مدرسة بكين للسينما، وقاموا بتغيير جذري في المفاهيم والأشكال السينمائية.
الفيلم الجديد لصاحب "إرفعوا المصابيح الحمراء" و"العيش" و"جو دو"، يحمل عنوان "أزهار الحرب" Flowers of War وفيه يعود إلى الأحداث التاريخية المروعة التي أحاطت باحتلال القوات اليابانية عام 1939 مدينة نانجنج  Nanjing التي كانت تعتبر عاصمة الصين في ذلك الوقت، وما تلا ذلك من اغتصاب الجنود اليابانيين آلاف الفتيات وقتل آلاف الرجال والنساء والأطفال، وهي المأساة الإنسانية التي خلدها المخرج الصيني الكبير لو شوان في فيلم "مدينة الحزن والموت"  الذي شاهدناه في مهرجان كان عام 2009.
كيف سيتعامل مخرج كبير مثل جانج ييمو مع هذا الموضوع الذي تم تناوله من قبل، سواء في أفلام تسجيلية أو روائية، وما هي الزاوية الجديدة التي سيتناول من خلالها هذا الموضوع الذي يمتليء بالضرروة بالعنف؟ هذا ما سنراه في برلين.
على أي حال فيلم جانج ييمو حصل هذه المرة على موافقة وتأييد السلطات الصينية، بل وكانت الصين قد تقدمت به رسميا للتنافس على جائزة أحسن فيلم أجنبي في مسابقة الأوسكار الأمريكية، وإن لم ينجح في الوصول للتصفيات.
هناك أيضا فيلم "طائش Haywire الذي يشارك بالتمثيل فيه نخبة من الممثلين اللامعين مثل مايكل فاسبندر وايوان ماكجريجور ومايكل دوجلاس وتشاننج تاتوم، وتقوم بدور البطولة فيه جينا كارانو Gina Carano في دور أقرب الى أبطال الكونج فو، على خلفية الانتقام والعنف والمطاردات. ومعروف أن الممثلة الجميلة من اللاتي اشتهرن أصلا بالمشاركة في الحلقات التليفزيونية الشهيرة للمصارعين وأصحاب القوة البدنية العالية.

وفي وسط المهرجان تعرض الممثلة الأمريكية الشهيرة أنجيلينا جولي أول فيلم تقوم باخراجه وهو فيلم "أرض السمن والعسل" الذي تم تصويره في البوسنه. وهو يعرض في المهرجان خارج المسابقة كعرض خاص.

لجنة التحكيم

تكونت لجنة تحكيم أفلام المسابقة هذا العام من المخرج البريطاني مايك لي  Mike Lee رئيسا، وعضوية كل من المخرج والمصمم والمصور الفوتوغرافي الهولندي أنطون كوربن، والمخرج الإيراني أصغر فرهادي، والممثلة الفرنسية شارلوت جينسبرج، والممثل الأمريكي جاك جلينهال، والمخرج الفرنسي فرنسوا أوزون، والكاتب الجزائري الأصل (الفرنسي) بوعلام سنصال، والممثلة الألمانية بارابره سوكوفا.

أما مسابقة الأفلام القصيرة فتضم هذا العام 27 فيلما من 22 دولة. ويضم قسم "بانوراما" 19 فيلما ، و"آفاق السينما الألمانية" 15 فيلما جديدا، وقسم "أفلام الجيل الجديد" 15 فيلما تعرض عالميا للمرة الأولى، من بين 58 فيلما قصيرا وطويلا من 32 دولة. وتكونت لجنتان للتحكيم في هذا القسم منها لجنة من الأطفال وأخرى من الكبار.
وبالتعاون مع متحف الفن المعاصر في نيويورك، تقدم السينماتيك الألمانية عددا من العروض المهمة لأفلام كلاسيكية تنتمي إلى الفترة من 1921 إلى 1936، من هذه الأفلام الفيلم "السوفيتي" "أكتوبر" الشهير للمخرج الروسي سيرجي أيزنشتاين.
ويمنح المهرجان جائزة خاصة (الدب الذهبي) للممثلة الأمريكية ميريل ستريب عن مجمل تاريخها السينمائي، ومن المقرر أن تحضر ميريل لاستلام الجائزة كما تحضر عرض فيلمها الجديد "السيدة الحديدية" عرضا خاصا بهذه ىالمناسبة.
وكانت ستريب قد رشحت ست عشرة مرة لنيل جائزة الأوسكار لأحسن ممثلة (نالت الجائزة مرتين بالفعل). ورشحت أيضا لثماني عشرة لجوائز جولدن جلوب، وقامت بالتمثيل في أكثر من 40 فيلما.
ويحضر الممثل الهندي الشهير شاشي روك خان العرض الاحتفالي لفيلمه الجديد "الملك يعود".
أما القسم الخاص أو المهرجان الموازي (الفوروم) الذي اشتهر به مهرجان برلين (وهو على غرار نصف شهر المخرجين في مهرجان كان) فيعرض 23 فيلما من 20 دولة، من الأفلام التي يرغب القائمون على هذا القسم في تسليط الأضواء عليها ومنها الفيلم الأردني "الجمعة الأخيرة" والفيلم الاسرائيلي "أغسطس: لحظة قبل الثوران" للمخرج الاسرائيلي المناهض للصهيونية أفي مغربي، كما يعرض فيلم لبناني للمخرج غيث الأمين، وفيلم مغربي (مشترك مع الإمارات) للمخرج هشام عيوش.

العالم العربي في البانوراما

ضمن الاحتفاء بموسم "الربيع العربي" أو الثورات العربية في المهرجانات السينمائية الدولية يخصص المهرجان في اطار قسم "بانوراما" مساحة للأفلام التي تتناول القضايا السياسية في المنطقة.
ونود الاشارة بوجه خاص هنا الى مغزى افتتاح قسم بانوراما بالفيلم البريطاني "الثورة المترددة" للمخرج شون ماك اليستر، الذي قام بتصويره في اليمن، وهو عن مرشد سياحي يمني يتخلى عن عمله لكي يلتحق بصفوف الثوار ضد ديكتاتورية علي عبد الله صالح في بلاده.
ويصور هذا الفيلم التسجيلي كيف تلعب الصداقة التي تنشأ بين هذا الرجل وبين مخرج الفيلم، دورا أساسيا في نمو الوعي السياسي عنده.

وتعرض ثلاثة أفلام تسجيلية عن الثورة المصرية وما بعدها، أولها فيلم "كلمات شاهد" الذي تصور فيه مخرجته ردود فعل الناس في شوارع القاهرة تجاه الانتحابات البرلمانية التي تجري للمرة الأولى في مصر بدون قيود على الجماعات التي كانت محظورة في السابق، وكيف يشعر الناس العاديون أن مطالبهم الأساسية لم تتحقق، ويبدون اهتماما قليلا بموضوع الديمقراطية ما لم تتحقق المطالب الأساسية لهم في الحياة.
وهناك فيلم "في ظل الرجل" الذي يعرض وجهات نظر النساء اللاتي شاركن في الثورة، ويطالبن اليوم بضرورة الحصول على حريتهن في المجتمع الجديد الي يتطلعن الى اقامته في مصر لكن هناك اصرارا أيضا على ضرورة فهم أحداث الماضي من أجل استيعاب التغيير الي حدث بعد الثورة.
والفيلم الثالث هو "العذراء، الأقباط وأنا" للمخرج الفرنسي من أصل مصري نمير عبد المسيح، وكان قد عرض في مهرجان الدوحة ترايبيكا، وهو يصور رحلة المخرج إلى مصر، بعد أن شاهد مع والدته في أحد الأيام شريط فيديو عن ظهور السيدة العذراء في مصر.
وشاهدت والدته مثل ملايين المصريين الأقباط هيئة السيدة العذراء على الشاشة، في حين أنه لم يتمكن من مشاهدة أي شيء. فيسافر نمير بعد ذلك إلى مصر ليشكك بهذه الرواية، ويقدم فيلماً حول هذه الظاهرة وعلاقة الأقباط في القرية ومفهومهم لهذه الظاهرة وتماثلهم معها تماما.
وفي جعبة مهرجان برلين أو "البريناله"- كما يطلق عليه اصحابه- الكثير والكثير من الأفلام والمفاجآت.. فلننتظر ونرى!

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...