نقد سينمائي

أفكار وملاحظات حول البافتا الجديدة…

يوم الأربعاء الماضي حللت لساعتين في ضيافة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما التي توزّع جوائز البافتا السنوية. الزيارة كانت تعريفية والحديث مع رؤساء الأقسام واللجان كان مفيداً من حيث أنه مهما يعرف المرء عن موضوع معيّن إلا أن هناك أكثر مما يعرف إذا ما سنحت له الفرصة.
مثلاً هناك ثلاث دورات يتم فيها ترشيح الأفلام والسينمائيين. الأولى هي الأكبر حيث كل الأفلام المختارة توضع في الملعب الكبير ليتم انتخاب خمسة عشر في كل قسم أو نوع. ثم هناك الدورة الثانية التي يتم اختيار الأفلام والشخصيات المنتخبة ويتم الاختيار على خمس في كل قسم. والدورة الثالثة هي تلك التي تختار من كل خمسة الفائز. هذا يشبه عملنا نحن في الغولدن غلوبس باستثناء أن الاختيار ينتقل من العدد الكبير إلى خمسة مباشرة ثم إلى واحد. كذلك يفعل أعضاء الأوسكار الأميركي.
علمت أيضاً أن هذا العام شهد دخول 285 فيلماً إلى "الإنتخابات" كما يمكن تسميتها. وهو عدد يقل بتسعة وثلاثين فيلماً عن عدد الأفلام الجديدة التي شاهدتها هذا العام والتي توزّعت بين أفلام سبعة مهرجانات ( 140 فيلماً) وأفلام شوهدت على الشاشات الكبيرة في عروض خاصّة أو عامّة (129 فيلماً) وتلك التي شوهدت على أسطوانات على شاشة تلفزيونية عريضة وجلّها في الأشهر الثلاث الماضية بسبب ترشيحات الغولدن غلوبس (55 فيلم). المجموع 324 فيلماً. وإذا كان ذلك يبدو عدداً كبيراً أذكّر بأن الناقد البريطاني ديريك مالكولم يؤكد أنه شاهد أكثر من 500 فيلم، ولابد أن هناك نقاداً كُثر حولنا شاهد كل منهم أكثر من 400 فيلم خصوصاً إذا ما تمتّع بالقدرة على حضور المهرجانات المتتابعة ولم يكن مطلوباً منه، على عكس كل من أعرف، الكتابة اليومية لأكثر من جهة حتى يستطيع إيقاف نزيف التكلفة التي تكبّدها لحضور المهرجان الذي هو فيه.
يوم الأربعاء أيضاً، كان اليوم الأخير للتصويت. أخذ أحد المحدّثين يُشير لي بأصبعه ليعرّف بزملائه الذين انتشروا في المطعم الصغير في الطابق الثاني من مبنى الأكاديمية. وكاد أن يخبرني بملامح الترشيحات حتى تلك الساعة لولا أنه أمسك نفسه، لكن ما قال لم يكن مفاجئاً: "الفنان" و"هيوغو" و"كرة المال" و"الأحفاد" و"حصان حرب" يتقدّمون الترشيحات الفيلمية الإنكليزية. "حرائق" (ذلك الفيلم الكندي الذي تعاطي مع حرب أهلية عربية معتنيا بها لبنان من دون أن يسمّيه)، "بينا" ل?يم ?ندرز، "انفصال" للإيراني أشقر فرهادي و«البشرة التي أعيش فيها" للأسباني بدرو ألمادوفار. محدّثي لم يحدد العناوين دائماً بل أحياناً ما أتي على ذكر المخرج او البلد، فقال مثلاً  فيلم سبيلبرغ (وعنى به "حصان حرب") وفيلم إيراني (والواضح أنه لم يكن هناك سوى "انفصال").


فيلم "حرائق" الذي تناول الحرب الهلية اللبنانية

بعد قليل كنت أجلس مع شخص آخر هو صديق قديم سأشير إليه بحرف ك. الذي أعرفه منذ سنوات ناشطاً وناقداً ولكن… عضو الأكاديمية؟ كيف ذلك؟ أسأله فيعترف: "قبل بضع سنوات توجّهت إلى مهرجان كان، وفي مطار باريس التقيت بمنتج بريطاني وتشاركنا معه في التاكسي من المطار إلى المدينة (لابد أن المنتج هو الذي دفع) وعلى الطريق اكتشفنا أن لدينا أصدقاء مشتركين. بعد العودة من كان بأسابيع اتصل بي وسألني إذا كنت أريد أن أكون عضواً في الأكاديمية. دخلت على أساس أنني ناشط أعمل في حقل نوادي السينما منذ زمن بعيد".
بعد يومين صدرت نتائج الجولة الأولى من الترشيحات، تلك التي تضم خمسة عشر عنواناً واسما في كل فئة من فئات العمل السينمائي: أفضل فيلم، أفضل فيلم أجنبي، أفضل سيناريو أصلي، أفضل سيناريو مقتبس، أفضل تصوير، أفضل تصميم ملابس، أفضل مؤثرات خاصّة، أفضل فيلم تسجيلي، أفضل ممثل رئيسي، أفضل ممثلة رئيسية، أفضل ممثل مساند، أفضل ممثلة مساندة، أفضل فيلم بريطاني، أفضل مخرج، أفضل توليف، أفضل تصميم فني، أفضل تصميم شعر، أفضل صوت، أفضل موسيقى، أفضل فيلم أنيماشن.
الأسماء كثيرة ولا يمكن سبر غورها بتلخيص، كذلك فإن معرفة سبب وجود بعض الأفلام أو الأشخاص في القائمة هي أكثر صعوبة مما يتبدّى. طبعاً معظم المرشّحين يستحقّون، لكن كاري موليغن عن دورها في «عار»؟ او ألان ريكمان عن «هاري بوتر والمقدّسات المميتة؟"؟ وماذا عن «المساعدة» وكيف يدخل فيلم تسجيلي (عنوانه «سينا») مسابقة الفيلم الروائي و… مسابقة الفيلم التسجيلي أيضاً؟
المفاجأة ليست هنا… بل في أن مقص الأزمة الاقتصادية في أوروبا وصل إلى الأكاديمية، هذه السنة ستحمل اسم «أورانج بريتيش أكاديمي فيلم أووردز» أي «جوائز أكاديمية الفيلم البرتقالي الإنكليزي"، وهذا ليس تيمّنا بفيلم ستانلي كوبريك «كلوكوورك أورانج" بل بشركة الاتصالات التي ستدفع فاتورة المناسبة.

ربما هوليوود ترمينا بغالبية الأفلام الرديئة المنتجة على نطاق واسع حول العالم، لكن أكاديميّتها سوف لن تؤجّر أسمها تحت أي ظرف. سوف لن تُعير أسمها إلى أي منتوج تجاري. أقول ذلك لأحد محدثي فيرد: "صحيح. لكن أكاديمية العلوم والفنون السينمائية" تبيع حفلتها للتلفزيون بخمسة ملايين دولار أو أكثر… نحن لا نملك هذه الميزة"، وهذا صحيح ولو أن ذلك يعني أنه لو تقدّمت شركة تويوتا أو شركة آبل للكومبيوتر أو حتى البيبسي كولا لتبنّي المناسبة المقبلة فإن ذلك لا يزال يبدو استهلاكاً تجارياً يضر بالاسم الذي بنته الأكاديمية عبر عقود طويلة.
لكن هذا هو المنتشر أو على مطلع الانتشار. لا ننسى أن مهرجان لندن السينمائي يتناوب عليه الآن مموّل كل عام او اثنين. الأكثر من ذلك، أن "دائرة نقاد لندن"، التي تضم نقاد السينما والموسيقى والمسرح وسواها، تبحث بدورها عمّن يضمنها تمهيداً للاحتفال بمرور مئة سنة على إنشائها.

قد ينال إعجابكم