نقد سينمائي

فيلم "كريم" : عندما يغني أطفال الشوارع


المخرج عمرو الشامي

عندما تم اختيار كمال الجنزورى ليكون رئيسا للوزراء فى مصر خلفا لعصام شرف عارض القرار ثوار التحرير بشدة، واعتصم عدد من النشطاء لمنعه من القيام بعمله فى مقر الوزارة الذى يجاور مقر مجلس الشعب المصرى فى شوارع ممتدة من ميدان التحرير بالقاهرة. رفض الثوار أن يكون أحد رموز النظام السابق على رأس وزارة بعد ثورتهم. وفى تعليقه على أحداث مجلس الوزراء وشارع محمد محمود وبينما كانت بعض الصور تُبث فى مؤتمر صحفى له قال الجنزورى كيف يكون هناك أطفال فى الاعتصام، ولماذا لا يبقون فى منازلهم !؟ سخر ناشط سياسى من تعليق الجنزورى قائلا ألا يعلم رئيس وزراء مصر أن القاهرة وحدها بها نصف مليون طفل شوارع؟ وأردف أن هؤلاء الأطفال شاركوا في الثورة منذ أيامها الأولى بحكم تواجدهم فى الشارع، فى البداية كانوا مشاغبين يضايقون الثوار، ثم عندما وجدوا معاملة إنسانية من الثوار انضموا إليهم وشاركوهم اعتصاماتهم واحتجاجاتهم.
طبقا لميثاق الأمم المتحدة فالطفل يحسب حتى سن الثامنة عشر ولكن من نسميهم نحن بأطفال الشوارع يرفضون أن يحسبوا "عيالا" ويغضبون من هذه التسمية فمنهم من يعول أمه وأخواته الأصغر، وهم يعتركون الحياة ويتنقلون فى أعمال مختلفة حيث ترتبط ظاهرة عمالة الأطفال غالبا بهؤلاء الأطفال من اليتامى، ومصر بها أكثر من 2 مليون طفل شوارع –ذكورا وأناثا- ترعى بعضهم جمعيات أهلية ومنظمات حقوقية تقوم بتسكينهم ليلا وأحيانا طوال اليوم  فى بيوت مخصصة لذلك. كما تدربهم على بعض الحرف ليتمكنوا من ممارسة عمل شريف.
الجنزورى الذى عمل بحكومات ورأس أخرى فى عهد الرئيس السابق لم يدرى بوجودهم، ولم يدرك أن سياسات النظام الذى شارك فيه هو السبب فى مأساة وجود هذا العدد منهم .
 المخرج عمرو الشامى اختار طفل الشارع  المراهق "كريم" الذى يبدو أنه على أعتاب الرجولة، أسنانه متكسرة، والحزن باد على وجهه رغم محاولته التفكه وممازحة المخرج وصديقه نادر، اختاره ليقدم عنه فيلما ضمن مجموعة أفلام عن تأثير الثورة على أفراد من المجتمع، يصوره في مكانه بالشارع بجوار مطعم شهير للأكلة السريعة، بكاميرا حرة تركه ينطلق بعد أن سأله عن مشاركته بالثورة فيجيب كريم: " لا ما نزلتش، كنت أموت حرامى مش شهيد " لم أتعلم من الشارع إلا هذا.  حاوره ما بين لحظات قليلة للعمل الذى هو نوع من البلطجة بفرض نفسه فى الإشارة والسماح للسيارات بالمرور بعد التسول منهم، زميله  نادر يأخد النقود ويعطيها له لأن كريم مشغول مع المخرج الذى يدير لقاء معه. لم يخض المخرج فى أسباب تدهور الحياة التى يعيشها كريم ولم يشغل باله بذكر إحصائيات أو استضافة محللين يشرحون لنا عن طفل الشارع، بل قدمه كصديق وحرص على أن يسمى الفيلم باسمه، وأن يستمع إليه تاركا له حرية التصرف بعفوية أمام الكاميرا دون أن يوجهه أو يقاطعه بموسيقى تثير التعاطف أو بتعليق يرثى له.

لا رثاء ولكن تعاطف وتفهم.  في 12 دقيقة فقط تجاوز  فيلم "كريم" تجارب قدمت سابقا مثل فيلم " الطفل الشقيان" للمخرجة ناديا سالم عام 1982 الذى حاز جائزة لجنة التحكيم بمهرجان لايبزج أعرق مهرجانات السينما التسجيلية عام 1983، وحصل على جائزة "دون كيشوت" لاتحاد الجمعيات السينمائية العالمية FICC، كان الطفل الشقيان أحد الأفلام الأولى التى تناولت طفل الشوارع. وبعدها بربع قرن قدمت تهانى راشد فيلمها " البنات دول "عن بنات الشوارع، هوجمت في مصر بسبب ما رآه البعض تزييفا لواقع هاته الفتيات اللاتي ظهرن قويات وكأنهن لا تعانين أى مشاكل، كما يقال " عايشة حياتها" هكذا رأتهن المخرجة المصرية المهاجرة لكندا والبعيدة عن الاحتكاك المباشر بالشعب. عُرض "البنات دول" فى  مهرجان كان وحصل على عدد من الجوائز منها جائزة مهرجان الإسماعيلية للسينما التسجيلية والقصيرة عام 2007. 


الطفل كريم

 
 نعود إلى "كريم" الذى يغنى أغنية شعبية اشتهرت عن "الخاطية  التي تخطت الخمسين، وتُغرى الشباب لتحصل على متعتها منهم مستغلة حاجتهم". والأغنية نوع يعرف بمصر بأغانى الميكروباس لصاحبها المطرب الشعبى محمد رجب غير المعتمد من الإذاعة المصرية وانتشرت على مواقع الشبكات الاجتماعية  وحظيت باهتمام طبقات متنوعة من شباب مصر. فى فيلم " كريم" وبدون ثرثرة يُظهر المخرج أن الثورة لم تحل مشاكل كريم ورفاقه بعد. فهم تربوا ليكونوا سارقين ونصابين صغار، يحتاجون جهدا أكبر من مجرد منحهم قميصا أبيض عليه شعار " إيد فى إيد/ نبنى مصر من جديد"  على ظهره، وشعار اليونيسف على صدره. القميص كان متسخا على صديق لكريم لم يتوقف عنده المخرج، وناصع البياض على كريم الذى ردد بصعوبة اسم " اليونيسيف" منظمة الأطفال التى تتبع الأمم المتحدة ومن المفترض أن تقوم بدور ما ليعيش "كريم " طفولته " كأى طفل آخر . يردد كريم أغنيته الوحيدة بحرقة مجرب: "اوعى تكون فاكر انك قادر على كيد النساء، ولا شقاوتك تقدر على كيد النساء" فالابن الذى غالبا بدون أب شرعى يضع جُل غضبه على النساء ويكمل غناءه " كيدهن عظيم ومذكورة فى القرآن ". يبتسم كريم للمخرج  ابتسامة حزينة وكأنه يريد أن يشاركه حلمه ويقول: بطلت السجاير علشان أعرف أغنى.
الفيلم من إخراج ومونتاج عمرو الشامى، إشراف منى ربيع جون نويل كريستيانى، ديفيد ترتياكوف ومن إنتاج سمات  ضمن تسعة أفلام تتحدث عن تأثير الثورة المصرية 25 يناير 2011 على أفراد من شرائح عدة بالمجتمع المصرى.

قد ينال إعجابكم

أخبار

سينما من أجل التنمية

على هامش مهرجان "كام" السينمائي الدولي،بمصر، عقدت ندوة بعنوان "سينما من أجل التنمية"، تناولت كيفية استخدام السينما في...
متابعات

سينما ليست كالسينما

الأفلام المستقلة تجربة سينمائية حديثة تكسر المألوف وترد السينما إلى المخرج، والذي بدوره يرد اللحظة إلي حريتها الأولى...