نقد سينمائي

ملاكي : تراجيديا المفقودين في حرب الطوائف

طاهر علوان

اناس لانعرفهم ولم نرهم من قبل ، ولاندري ان كنا سنلتقيهم ام لا ، ولسنا على موعد للقائهم الا ان تجتذبنا الشاشة البيضاء لكي تنسج امامنا قصصا من حياتهم واهوائهم وتعرفنا : من هم وكيف يفكرون ولم يعانون ؟ هم اولئك الذين يسيرون مع سيرورة هذه الحياة ، هم جزء حي منها بكل مافيها ، وعلى هذا اتخذت السينما الوثائقية لنفسها عينا راصدة تواكب تلك الحياة غير المرئية ، تعيد اكتشافها ، استخراجها من زمانها ومكانها حياة يصر الوثائقيون المخضرمون على انها لايجب ابدا ان تخضع الى التعديل والتغيير والتجميل ، قبح الحياة وتبعثرها وتشتتها في السينما الوثائقية هو نوع من جمالياتها ، اية معادلة غريبة هذه ، لكنها معادلة تختصر سؤالنا : هل على الفيلم الوثائقي ان يجري تغييرا وتعديلا على الواقع ام يقبله كما هو ؟ لاشك انه سجال جديد قديم تراكم مع تراكم المنجز الوثائقي و تبرز مسألة الموضوعات التي تطرحها السينما الوثائقية في كونها اقرب الى الريبورتاج الصحافي منها الى النوع السينمائي المستقل الذي تظهر من خلاله مهارة المبدع .
ربما يكون استثناءا ان نتوقف عند الموضوع وهو في شكل تسلسل في الفكرة والمضمون كما في التتابع الصوري ، كما هي الحال في هذا الفيلم للمخرج خليل زعرور حيث  يعرض قصص سيدات لبنانيات فقدن اعزائهن في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت شرارتها العام 1975 ، ولكل واحدة منهن عالمها المرتبط بذلك العزيز المفقود ، فهذه فقدت والدها وهي طفلة وتلك فقدت زوجها اما البقية فقد فقدن ابناءهن .

تعيش كل امرأة منهن تفاصيل الفقدان وتسترجعه على طريقتها الخاصة التي امعن فيها المخرج واعاد صياغتها على طريقته التي بدت اقرب الى الحكايات الوثائقية المحاطة بشكل فني وجمالي ربما جاء مختلفا .وخلال ذلك تبقى اصوات الفجيعة صاخبة وصارخة فالضحايا تعيش قصصهم في وجدان الناس على اختلافهم وكل منهم يعبر عن ذلك الفقدان بطريقته الخاصة التي تحمل كثيرا من الأسى والشجن .

مقتربات اساسية في الفكرة والمعالجة والبناء
لعل هذا الفيلم يحمل تفردا خاصا في لغتته السينمائية حتى اني اعده احد افضل الأفلام الوثائقية التي عرضت في مهرجان دبي في هذه الدورة , نحت خليل زعرور هذه القصص ومامرتبط بها من وقائع نحتا ، كنا نعيش قلق الشخصيات واحزانها ودبيبها الصامت وهي ترمق المكان وتغادر بعيدا مع الذكريات التي خلفها المفقودون ولعل العلامة الفارقة هنا هي السرد الفيلمي الذي وان كان الفيلم وثائقيا الا ان المعالجة حتمت علينا ان نتابع ماترويه السيدات من قصصهن . وفي واقع الأمر اننا لم نجد انفسنا امام قصة معروفة ومألوفة وسبق وسمعناها ، بل نحن امام موضوع وقضية غير مطلوب منا ان نتعاطف مع اسر الضحايا الا اننا لابد ان نهتز وجدانيا ازاء مايجري امامنا .
وبالرغم من ان السيدات لم يفعلن غير استرجاع الماضي والذكريات والحنين للأعزاء وترقب عودتهم والأمل في ذلك الا اننا كنا امام دراما تتجذر في قرارة الشخصيات وتتسرب الينا ولهذا لم نكن نملك الا ان نتابع فصول تلك القصص المتنوعة الثرية :
الفتاة التي تسترجع ذكرى والدها من خلال بدلته وساعته وهي واقفة في غرفة خربة
الأم التي تسترجع صورة ابناءها وهي جالسة على كرسي قريب من البحر
السيدة التي تسترجع صورة زوجها وهي جالسة وسط الصقيع والثلج
الأم التي يختصر وجود ابنائها وعودتهم بالحياة الأجتماعية اليومية ، ان تطبخ لهم وترعاهم
الزوجة التي تسترجع ايام الحفلات العائلية

تراجيديا المكان الوثائقي
يمتلك المخرج عير هذا الفيلم تفردا خاصا مهما تمثل في توظيف المكان توظيفا متقنا وفريدا ، المكان عنده حي وناطق ، ويكمل الشخصية ويتناغم معها ويردد صدى كلماتها واحاسيسها ، وهو امر نفتقده في كثير من الأفلام سواء منها الوثائقية وحتى الروائية ، المكان يبدو واضحا انه مكان مصنوع وواضح ان المخرج يأتي بشخصياته الى الأماكن التي يختارها هو ومنها مثلا محطة وعربات القطار القديمة المحطمة ، البيت الخرب الذي تستذكر فيه المرأة اباها ، وغيرذلك لكن المخرج لايكتفي بذلك بل يمضي قدما في استثمار المكان فهو يحاول ان يمنحه بعدا آخر ربما كان شعريا وحتى سرياليا في بعض الأحيان وهو في سياق صنعه للمكان من خلال تفصيلات محددة وتوظيف للأكسسوارات فمثلا يأتي بخزانة ملابس فديمة ليس فيها سوى علاقة الملابس تحركها الريح او يأتي بساعة ضخمة معطلة ويضعها في فضاء مفتوح وهكذا بينما يستخدم  لازمة الشجرة واغصانها المتيبسة وهي لازمة تتكرر في الفيلم مصحوبة بحركة كاميرا (ترافيلنغ) تنزل مستعرضة المكان ، وحيث لعبت حركات الكاميرا دورا جماليا مهما اضافيا .
ويمضي المخرج في صنع تلك الأستاطيقا المكانية فيأخذ احدى شخصياته الى شاطئ البحر والعاصفة والمظلة المحطمة وهي تضع صورة اعزائها على صدرها لينتقل بنا مباشرة الى نعي سيدة مسيحية قضت كمدا وحزنا على احد اعزائها ، ثم ليظهر المظاهر الأحتجاجية الحزينة للنساء فاقدات الأعزة وهن يتجمعن في خيمة قرب مقر اممي ..يتنقل المخرج مكانيا من شجن الى شجن ولايتكلم ابدا بالنيابة عن شخصياته ولا يستنطقها بل يتركها تبث اشجانها وآلامها ولا تملك الا ان تشاطر اولئك النسوة تلك الأحزان القاسية وتدرك مامعنى الأمومة الحقة والأمهات المنتظرات منذ عقود عودة اعزائهن ومازلن على يقين وامل من عودتهم ولهذا فأنهن في انتظار ..


المخرج ولقطة من فيلمه

باقة ورد وتحية الى ام المفقود (ستافرو)
مازالت ام ستافرو السيدة التي فقدت ولدها ذو الخمسة او الستة عشر عاما الذي خرج ولم يعد ، مازالت كلماته ترن في ذهني فلا املك الا ان  اقف لها اجلالا ومحبة ...فقد اختصرت هذه السيدة الطيبة آلام مئات والوف الأمهات ، لقد كانت تعيش الام الفقدان في كل لحظة في الفيلم بل انها ادت مشهدا هو من اروع مايكون في هذا الفيلم وهو مشهد تخيلها قدوم ابنها ستافرو الى البيت فهو في اجازة اما من الموت ان كان ميتا او من خاطفيه ، يأتي لزمن مقداره ساعة او ساعتين اشبه بأجازة قصيرة سيمضيها مع امه يشاركها فيها طعام الغداء فتطبخ له الأم المكلومة وتصدق وجوده في المكان وتشاركه الطعام وتتبادل معه الأحاديث ثم لتصحوا من ذلك الأمل والحلم على مرارة الفقدان من جديد ...وتحكي هذه الأم مكابداتها مع ذكريات الأبن وانها غيرت ا ثاث غرفته لتخفف من وطأة تذكره المتواصل لكنها لم تستطع ان تتخلص من ذكراه وطيفه ورائحته ووجوده
...........................
الفيلم الفائز بالجائزة الأولى في مسابقة افلام حقوق الأنسان – مهرجان بغداد السينمائي الدولي الثالث

قد ينال إعجابكم