نقد سينمائي

حوار مع مخرج فيلم "دمشق مع حبى"

سوريا تلك الدولة العربية الجميلة والتي يراها العالم الآن من خلال نوافذ الإعلام المختلفة ضحية تأبى أن تستكين تحت مخالب الطغيان بعد أن عصفت بشعبها رياح الحرية وقام بثورته لينال حقه في الحياة. وفي هذه اللحظة الحاسمة يكتسب الفن والسينما خاصة أهمية قصوى وفاعلة في توثيق اللحظة وآفاقها.
فيلم "دمشق مع حبى" للمخرج السوري محمد عبد العزيز، والذى أثار جدلا واسعا عند عرضه بسبب غوص المخرج في أعماق المجتمع السوري في محاولة لإظهار التعايش والسلم الاجتماعي والحريات بمنأى عن أية حساسية طائفية، من خلال قصة حب قديمة بين شاب مسيحى وفتاة يهودية تتجدد بعد عشرين عاما حين تعلم أنه مازال على قيد الحياة وتبدأ رحلة البحث عنه.
وعلى الرغم من تأكيد المخرج محمد عبد العزيز على أنه مواطن قبل أن يكون سينمائيا، إلا أنه خلال حواري معه رفض الحديث عن الإسقاطات السياسية على الكثير من الأوضاع التي يعانى منها الوطن العربي أو الحديث عن الأحداث التي تمر بها سوريا..

المخرج محمد عبد العزيز

فلنبدأ من اسم الفيلم ألا يوحى العنوان بأنه يحمل رسالة تحمل مضمونا ما تريد إبلاغه؟
الفيلم يناقش مشاكل الأقليات في المجتمع العربي، وأن المواطن اليهودي أو المسيحي أو الكردي.. وغيرهم من الأقليات العربية لا يمكن فصلهم عن الثقافة العربية، فهم جزء أصيل من ثقافة المنطقة وجغرافيتها، فمنذ اندلاع الثورة العربية الكبرى في عام 1916، لم تجد تلك الأقليات لها مكانا ضمن المشروع النهضوي العربي الذى كان مطروحا، وعانوا لسنوات عديدة من الأنظمة الحاكمة.
وأما اليوم مع قدوم الربيع العربي والثورات العربية التي نجحت في بعض البلدان، فإني أرى أن تلك الثورات أمام تحدٍّ يكمن في إعادة النظر في ثقافة المنطقة العربية، خاصة وأن أحد أهداف الثورات العربية بشكل عام هو البحث عن حقوق الأقليات من مساواة وعدالة وشريعة قانونية.

على الرغم من انتشار ظاهرة التخوين فإن الفيلم كان جريئا في تقديم صورة إيجابية ليهود سوريا الذين ظهروا منتمين إلى الوطن أكثر من انتمائهم إلى الديانة، ألم تضع في حسبانك أن يتهمك البعض بالترويج للتطبيع مع إسرائيل؟
الجمهور العربي له طبيعة خاصة تعتمد على القصة البسيطة وكل ما هو خارج عن المألوف قد يسبب قلقا لدى الجمهور، ولكني أراها سينما جديدة راقية سيعتاد عليها بعد فترة، وشخصية العمل تفصل تماما بين ديانتها كعربية يهودية وبين الصراع العربى الإسرائيلي، ولم تربط أي من شخصيات الفيلم بين شخصية البطلة وبين أبناء دينها الرابضين فوق هضبة الجولان وعلى أرض فلسطين.
كسينمائي ومثقف أرفض التعامل مع أي شكل من أشكال التطبيع، ولكنني أؤكد دائما أنه يجب أن نفصل ما بين اليهودي الذى يحمل حق المواطنة في أي وطن عربي إذا كان يحمل أي جنسية عربية، ولم يتورط لاأخلاقيا ولاقانونيا مع دولة إسرائيل، وما بين صراعنا مع العدو الإسرائيلي الصهيوني. إلا أنّ تراجع البنية الثقافية في المجتمعات العربية بسبب أنظمتها الفاسدة، جعلتنا لا نفرّق بين عدائنا لإسرائيل، وعدائنا لمن يخالفنا معتقداتنا.

رأى البعض أن الإيجابية التي ظهرت بها شخصيات الفيلم وقدرتهم على التسامح والحوار مع الآخر هو نوع من تزييف الواقع، ومحاولة لتنقيته من شوائبه؟
أعتبر فيلم"دمشق مع حبى" نوعا من السياحة الثقافية العربية، وأننا من الممكن أن نستقطب تلك الأقليات في عالمنا العربي حيث أنهم يواجهون مشاكل في البحث عن الهوية خاصة وأن الفيلم قام باستعراض كثير من معالم دمشق القديمة التي زارتها بطلة الفيلم خلال رحلة بحثها عن حبيبها، كما أنه يقدم صورة إيجابية عن المجتمعات العربية موجهة للغرب الذى يرى إسرائيل ضحية تجمعت النسور العربية للقضاء عليها .

رغم توجهات الفيلم إلا أن السيناريو تعامل مع وجهة النظر المختلفة بحرفية ابتعدتَ فيها عن المباشرة ؟؟
*فيلم "دمشق مع حبى" هو التجربة الروائية الثانية لي كمؤلف فقد سبق أن قمت بكتابة سيناريو وإخراج فيلم "نصف مليجرام نيكوتين" عام 2007، وقد حصل على جوائز عديدة من مهرجان بارى بإيطاليا، ومهرجان جنيف، ومهرجان سينما القارات الثلاث بميلانو. فأنا أميل إلى سينما المؤلف ومن جهة أخرى فإن أغلب كتاب السيناريو في سوريا يتجهون إلى كتابة الأعمال الدرامية بسبب سعر العمل الدرامي حيث أن سيناريو الفيلم السينمائي في سوريا سعره ثلاثة آلاف دولار.

لا يخفى على أحد تراجع الإنتاج السينمائي السوري الذى لا يزيد عن فيلمين أو ثلاثة سنويا، فكيف استطعت تقديم تجربتك؟
لا توجد لدينا صناعة متطورة حتى الآن ووقد ذهب الكثيرون إلى أن فيلم "دمشق مع حبى" يعتبر من أفضل الأفلام الروائية التي تم إنتاجها في سوريا خلال العشر سنوات الأخيرة فقد تم بذل جهد كبير فيه من حيث اختيار أبطال الفيلم أو التقنيين في الإضاءة والتصوير، وأنا أرى أنه استطاع أن يحقق معادلة الفيلم الجماهيري والمؤهل للمشاركة في المهرجانات في الوقت نفسه.
هذا الفيلم هو التجربة الثانية لي مع نفس المنتج الدكتور نبيل طعمة، الذى أعتبره شريكا لي أكثر من كونه منتجا يمتك المال فهو له أبحاث فلسفية ويكتب الشعر، وعلى درجة كبيرة من الوعى الثقافي والفني.
وفى لهجة لا تخلو من الإصرار قال عبد العزيز :"يجب أن يسعى صناع السينما السورية إلى مواصلة الإنتاج الخاص بمنأى عن المؤسسة العامة للسينما الرسمية، وأن يعملوا على إعادة فتح دور العرض لتساهم السينما بدورها التنويري .

ما هو مشروعك القادم؟
فيلم بعنوان (الكائنات التي أحرقت الجنة)،حيث تدور أحداثه في إطار المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وليبيا، أنا لا أريد أن أكون رومانسيا ولكنى أتمنى أن تزول الحدود ولكن من الصعب تغيير جغرافيا الواقع، وأعلم تماما أن الأفلام لا تغير الواقع، فاليوم وفى هذا العصر الذى نعيشه توجد صراعات اقتصادية وصراعات عرقية ...ويضيف قائلا:" للأسف أرى أن الفن السينمائي لا يزال هشا ولن يستطيع أن يواجه إلا إذا تكاتف السينمائيين لتحقيق هدف واحد والعمل على الوعى الجماهيري بشكل أفضل،وقتها فقط سوف أؤمن أن السينما قادرة أن تغير أو حتى تدفع إلى التغيير. 

قد ينال إعجابكم