نقد سينمائي

"مسيرة المدينة الفاضلة" أم "مسيرة الوهم"؟

  ندى الأزهري- فزول(شرق فرنسا)

ضمن تظاهرة "ندبات" التاريخ، في مهرجان السينما الآسيوية في فزول، التي هدفت إلى عرض نظرة السينمائيين الآسيويين و رؤيتهم الخاصة لأحداث تاريخية عصفت ببلادهم أو بالعالم و تركت جروحها في الذاكرة الجماعية أثرا لا يمحى، من حروب أهلية أو عالمية مرورا بثورات شيوعية وإسلامية وصولا إلى اعتداءات سلطوية أو فردية... برز فيلم قديم حديث. قديم لأنه أنجز منذ ثلاثين عاما، وحديث لأن مهرجان "فزول" أعاد ترميم النسخة الوحيدة التي كانت بحوزة صانعته. جوسلين صعب كانت سعيدة "بمسيرة المدينة الفاضلة"، أو لعلها "مسيرة الوهم"، فمن يدري ماقصدته المخرجة بالعنوان الفرنسي؟ قد يرى البعض العنوان الأول صالحا في وقته والعنوان الثاني صالحا لزمننا الحالي.. من يدري؟ هذا يعتمد على من ينظر وكيف ينظر؟ موقعه ومعرفته وانتماؤه، قريب أم بعيد، مُنظَر أم واقعي... ما ندريه حقا أنه فيلم نادر لايكشف تخبطات وآمال وتحولات مجتمع فحسب بل أيضا السلطة الجديدة التي خرجت من الشعب وكان عليها إعادة قولبة المفاهيم وصياغة نظم وأحكام تليق بثورة إسلامية.
كان قد مضى عام على الثورة الإيرانية حين طلب التلفزيون الياباني من جوسلين صعب، المخرجة اللبنانية و المصورة تحقيق وثائقي عن إيران. شرعت في رحلتها إلى بلد الثورة بعد تردد، شجعها رفيق بستاني الباحث الذي شاركها فيما بعد الرحلة والعمل في الفيلم. جابا معا إيران شمالا وجنوبا شرقا وغربا، كمَل أحدهما الآخر" كانت عقلانيته مقابل عفويتي" تقول لنا جوسلين، فجاء الفيلم متوازنا في خط سيره العام، غنيا بسرده وبشهادات معاصريه. بعد ثلاثين عاما، يعود هذا الفيلم إلى "فزول" فقد أدرك منظمو مهرجان السينما الآسيوية في تلك البلدة  أهميته  وما يحمله من الدروس والتجارب للوقت الحالي مع كل ما يجري من ثورات في العالم العربي. النسخة الوحيدة التي كانت بحوزة المخرجة لم تكن صالحة للعرض فرممها المهرجان، جوسلين صعب سعيدة للغاية برؤية فيلمها من جديد، بوجود من يهتم بعملها "دولتي لم ترمم أفلامي, مهرجان صغير، إنما مهم، فعل. لقد أدرك أنه الفيلم الوحيد عن هذه المرحلة، رمموا النسخة الوحيدة التي بحوزتي، لهذا نستطيع رؤية هذا العمل اليوم بعد 30 عاما من إنجازه" تقول لنا.
إذا هي نظرة على بدايات الثورة الإيرانية من خلال كاميرا جوسلين صعب وتساؤلات رفيق بستاني الباحث، يجولان بنا في إيران التي تمور بالتحولات. فنرى فيه ما لانراه اليوم في إيران، ونسمع ما لم نعد نسمعه: حزب "توده" الشيوعي ومجاهدي خلق، ومعارضة الشاه بكل أطيافها التي شاركت في زحزحته عن عرشه وطرده، الموسيقى العصرية التي كانت تعزف في كل مكان، النساء السافرات، والجيش الحديث التشكل والمكون من شباب وشابات يتدربون معا جنبا إلى جنب لحماية الثورة.

شهادات وصور مدهشة في زمن كانت فيه الأجواء  متفائلة والآمال كبيرة  والحرية ممكنة طالما هي "في خط الامام الخميني"، والحجاب لدى بعضهن ليس سوى وسيلة" للمساواة مع الرجل" وفرصة للوجود في مواقع كانت مكرسة له،  اما وحدة الطبقات فهي كانت بالتأكيد" أحد أهداف الثورة"، هكذا كان سكان طهران يدلون بآرائهم، يبدون وجهات نظرهم متحمسين تجاه هذا التغيير الكبير الذي يشهدونه.
ما لا نراه الآن هي ايضا دور الدعارة، والتي كان الفيلم شاهدا على تدميرها، فها هي الجرافات تزيل بيوته و العاهرات السابقات يخضعن لدورات تدريبية ليسرن في طريق الهداية، الشارع بات مهجورا  خربا بعد ان كان يعمر بحياة ما في العهد السابق. تعبر الكاميرا أحياء طهران الجنوبية التي كانت معدمة، وشتان بين تلك الاحياء والوجوه التي كانت تبدو كأنها خارجة من القرون الوسطى والتي كانت تندب أوضاعها مباشرة بعد الثورة " لا أحد يهتم بنا"،  شتان بينها وبين ما نراه اليوم في جنوب طهران، الثورة مرت من هنا وقضت على العشوائيات ونظمت الشوارع. ما لم تقض عليه ربما كان مشاكل" الأقليات والشعوب المقهورة في إيران" فهم لم يؤخذوا بعين الاعتبار من البداية كما يبين الفيلم الذي جال صاحباه على مناطق بلوشستان والأكراد فرأينا البؤس والتهريب والمهاجرين الأفغان...
يفاجئنا ظهور الإمام خامنئني شابا وهو يخطب، وكذلك مسعود رجوي وبني صدر، ونشهد الصعود التدريجي لحراس الثورة من البداية ودورهم المتزايد في مختلف مجالات الحياة، كما نتبع مع المخرجين عمل رئيس السلطة القضائية في طهران في ذلك الزمن آية الله خلخالي لنسمع رأيه في لقاء معه حول الأحكام الصادرة وحول اعدام رموز السلطة السابقة واعدامات أخرى لشواذ وعاهرات...
فيلم يكتسب أهمية خاصة هذه الفترة  فعدا عن مساعدته على فهم إيران اليوم، وعقد المقارنة بين بدايات الثورات وزمنها الراهن، فإن تساؤلات كثيرة ترد إلى الخاطر حول الثورات ومساراتها التي لا تذهب دوما في الاتجاه المرسوم  عند البدايات.

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...