نقد سينمائي

الفن طرف في تحولات "بلاد القُمامة"

 لم تُساعد الدقائق الأولى من فيلم "بلاد القمامة" على فك طلاسم العلاقة الغامضة بين مصور حداثوي شهير وبين مُنبشي مزابل مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، بالسرعة الكافية، بل على العكس رسخت الإنطباع بأن الوثائقي متجه للتعريف بمنجز الفنان فيك مونيز، وجوانب من حياته، خاصة وأنه بدأ بمقاطع من مقابلة تلفزيونية مسجلة، أجريت معه قبل سنوات، عرض خلالها أفكاره وأسلوب شغله الذي جعل منه واحداً من أشهر الفنانيين المعاصرين، وأدهشت، طريقته الخاصة في تفعيل العلاقة بين المادة الخام للوحة وبين موضوعها، الجمهور والنقاد التشكيليين على سواء، لتجاوزه حدود العلاقة "المقننة" بين عدسة المصور الفوتوغرافي وما يقف أمامها. لقد أنشأ اسلوباً تفاعلياً يمكن بواسطته مساعدة الناس الذين يصورهم، لتغيير حياتهم. ف"ادعاءات" قدرة الفن على التغيير بالنسبة اليه قيمة أخلاقية، تطبيقية وليست نظرية مجردة، وأسلوبه في استخدام نفس المواد التي يعملون بها، ويحصلون على قوتهم اليومي منها، كخامة عمل أساسية في لوحاته المحورة من صورة فوتوغرافية الى لوحة "كولاج" مكبرة، تسهم في تحقيق هدفه، كما فعل من قبل مع مزارعي قصب السكر في الكاريبي والآن يفكر بذات الشيء مع نابشي المزابل في العاصمة البرازيلية..!


المصور فيك مونيز

 عند هذه النقطة من وثائقي المخرجة الإنكليزية لوسي ووكر ومساعدتها البرازيلية كارين هارلي تبدأ بعض طلاسم العلاقة الغامضة بالتفكك، وستزداد، مع الوقت وكلما تجلت أكثر، لحمتهما وأواصرهما القوية، فالمصور سيبقى جزءاً من العمل فيما سيُسَلط الضوء قوياً على حياة المعتاشين من قُمامة المدينة، وردود أفعالهم على وجود حركة دخيلة عليهم؛ كاميرات سينمائية ومصورين فوتوغرافيين يصورون أدق تفاصيل حياتهم فوق أرضهم.. أرض القُمامة.
يذهب المصور فيك مونيز لإنجاز مشروعه الجديد "سلسلة صور من المزابل" الى منطقة يارديم غراماشو، الواقعة في ركن قصي من العاصمة البرازيلية. على أرضها أقيم جبل من القُمامة، يبدو على الخارطة كنقطة منزوية يعيش فوقه وبين سفحه بشر منزوون أيضاً، ينبشون في عزلتهم قُمامة مدينتهم، يدورونها ويصنفونها ثم يبيعون الصالح لإعادة التصنيع منها الى شركات ووسطاء. الباحثون في القمامة أو مدورو القمامة كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم، يعيشون حياتهم وسطها مع عوائلهم، فهي مصدر رزقهم اليومي الوحيد ولا يعرفون غيره مصدراً للحياة! حين جاءهم المصور استقبلوه بابتساماتهم وعلامات استغرابهم على وجوههم، فهم لم يألفوا وجود الغرباء بينهم ولا أحد أصلاً من المدينة يريد الإقتراب من "محمياتهم" أو الاعتراف بوجودهم. لم يفهموا تماماً ما قاله لهم ولكنهم قبلوا به ورحبوا بوجوده بينهم، فالناس هنا ورغم فقرهم يتمتعون بقدر عال من اللطف والفخر، لم يستحوا من فقرهم ولا من عملهم، ففي النهاية هو أفضل لهم من التسول أو المتجارة بالمخردات، وبالنسبة للنساء أفضل ألف مرة من ممارسة الدعارة وتشريد أطفالهن في الطرقات. لقد عاش المصور نفسه حياة الفقر ولهذا يعرفها جيداً، ولا يتنكر لماضيه كطفل انحدر من عائلة عمالية فقيرة أقامت في إحدى أحياء مدينة ساو باولو الفقيرة وظلت فيها حتى اليوم.

رسم المصور لبعض مدوري المزابل، بورتريه، نُقل عن صورته الفوتوغرافية، وراح من بعد يشتغل على تفاصيل كل واحد منهم من خلال ما سيعرفه عنه وما يجد فيه. كانت المعايشة اليومية مفتاحة لتكوين الإنطباع الحقيقي وتعميقه، ولهذا كانت حياة كل واحد منهم تشكل له مادة بصرية مذهلة، انها حيوات متفرقة جمعتها المزابل ولم تنفر قذراتها إنسانيتهم. قصة كل واحد كانت إلهاماً له وتعميقاً لقناعات فكرية وفنية. ففيك كان مدركاً أن في دواخل هؤلاء الفقراء رغبة في التغيير، ورغبة في الأحسن غير أن ظروف قاسية تحيطهم من كل صوب تمنع عنهم تحقيق ما يريدون، إنها القاعدة العامة وعليه اليوم تفصيلها ورسم تفاصيلها الصغيرة.


نموذج عن الإبداع بالقمامة

حين شرع في دمجهم في عملية الخلق الفني، إندفعوا دون تردد. لقد أجر مكاناً كبيراً ورتبه ليكون مرسماً وعلى أرضيته طبع صورهم وطلب منهم تلوينها من موجودات القُمامة نفسها: قناني بلاستيكية، علب طعام محفوظ، أكياس، أقمشة. كل ما في الزبالة من مواد، وترك لهم حرية توزيعها وتظليل وجوههم بها. بعد مدة سيجدون أنفسهم فيها، ولن تصدق عيونهم إنهم اشتركوا في عملية إبداع فني والكثير منهم لم يدخل مدرسة في حياته. كانت دموعهم الوسيلة الأكثر صدقاً للتعبير عن فرحتهم، التي ستصل مداها حين يبلغهم المصور بإشتراك بعضها في معرض ومزاد فني يقام في لندن. الى هناك أخذ لوحة وموضوعها الحي، وشهد الشاب مدور الزبالة بنفسه عملية بيعها. لقد وصل سعرها 50 ألف دولار أعطاها له فيك ليبدأ مشروعاً حياتياً جديداً بها. فمبدأه هو منح مبلغ ما يباع من لوحات الى "أصحابها". في ريو دي جانيرو حضر معرضهم قرابة مليون شخص، واُستقبل مبدعوه بالترحيب وحصلوا على مبالغ جيدة من مبيعاته، فشرع كل واحد منهم في حياة جديدة. لقد غير الفن الكثير من تفاصيل عيشهم وفتح أذهانهم على عوالم أخرى، رغم أن الكثير منهم ما زال يتذكر أيام عيشه وسط المزابل، لكنهم ومن دون شك لا يريدون العودة اليها ثانية، وربما ووفق ما أعلنته الحكومة البرازيلية على اثر قيام معرضهم ستغلق جبل المزابل كله نهاية هذا العام فلا يعود هناك وجود لا لقمامة غراماشو ولا لآلاف من البشر كي يعتاشون عليها. أما الفنان فيك مونيز وحال الانتهاء من عمله بدأ بالتفكير في مشروع جديد، في الوقت الذي تشعر المخرجة لوسي ووكر، بالزهو لتحقيقها تحفة وثائقية خرجت من "بلاد القُمامة".

قد ينال إعجابكم

حوارات

دراما في شقة "تقسيم"

فيلم نفسي عن المسؤوليات والانتماء، وتأثير الأحداث السياسية والاجتماعية العامة على العلاقات الشخصية...