نقد سينمائي

"لا راحة للشرير".. الأشرار الأفتراضيون من هم؟؟


لا راحة للشرير

من هم يا ترى أولئك الأشرار الذين ينبغي ملاحقتهم والإجهاز عليهم، الذين يطرح هذا الفيلم قضيتهم ؟ أنه ومن دون شك يترك الإجابة وفيها كثير من التذبذب والجدل... بهذه السطور يناقش  محرر مجلة "هوليوود ريبورتر" هذا الفيلم الأسباني الذي  حمل عنوأن "لا راحة للشرير" للمخرج أنريك اوربيزو والذي يعرض الأن في الصالات الأوربية، والذي سبق وأن فاز بعدد مهم من جوائز "غويا" – وهي جوائز الأكاديمية الإسبأنية للفيلم وقد تفوق في عدد الترشيحات على فيلم المخرج السينمائي الشهير بيدرو المودافار :"الجلد الذي أعيش فيه" لكن قصة الترشيحات والفوز والاحتفاء أمريكيا بالفيلم من طرف "وارنر بروذرز" المشاركة في الأنتاج لا تكفي للتوقف عن قراءة الفيلم نقديا لاسيما وأنه يطرح قضية اشكالية مركبة تتعلق بمن هم الإرهابيون الذين يهددون السلم الاجتماعي الإسبأني بشكل خاص والذين يسعون لإلحاق أفدح الضرر بالناس الأبرياء ...
ببساطة شديدة لابد أن يكون أولئك الأشرار قد أصبحوا أهدافا جاهزة للقضاء عليها من طرف رجال السلطة والقأنون لتخليص المجتمع من شرورهم في إطار عمل أمني استخباري ممنهج ومنظم ....لكن القصة في هذا الفيلم تنحو منحى آخر مختلفا تماما من خلال تلك البطولات الافتراضية الفذة التي يصنعها رجل الشرطة "سأنتوس" (الممثل المخضرم خوسيه كورونادو)، هو رجل شرطة يمكنك أن تصفه أنه حاكم بأمره يمكنه أن يقتل أي أحد بلا محاكمة ولا تحقق ولا قأنون ولإفضاء، لاسيما وأنه يمارس ذلك الفعل وهو مخمور وذلك أدهى وأمر، فهو يتنقل بين الحانات في آخر الليل ما أن تغلق حانة حتى يذهب الى أخرى، يدخلها بالصدفة ودون تخطيط ومن دون أن يعرف من يعمل فيها وهناك يجد العاملة التي تخبره :" كما ترى أن الحانة خالية من الناس وعلينا أن نغلق كل شيء وعليك أن تخرج"، فيرد عليها ولكنكم تطلقون اصوات الغناء عاليا من جهاز التسجيل، فتغلق هي جهاز التسجيل ويشهر هو ما يبثبت أنه شرطي، ترتعب هي ورئيسها وأحد العاملين ويقدمون الخدمة له ويمضي هو في احتساء مزيد من الخمر ثم ليصفي الأشخاص الثلاثة واحدا بعد الآخر رميا بالرصاص بلا سبب ولا داع ثم يطارد أحد العاملين الذي كان نائما في احدى الحجرات المجاورة ولكي تكتمل الوصفة فإن هذا الذي هرب مذعورا سيكون شرق - اوسطيا او مسلما ذا بشرة سمراء وشعر أسود  وكان موجودا في حانة يمتلكها أشخاص من امريكا اللاتينية يعملون في الدعارة والمخدرات تحت غطاء ادارة النادي الليلي  وهذه الشبكة سيتضح فيما بعد أنها ترتبط بالإرهاب الإسلامي !!! هذا ما سيتحفنا به سانتوس .
هذه هي الحبكة والتوليفة المفبركة التي سار عليها الفيلم تاركا لرجل شرطة يأتمر بهوى نفسه فيقتل من يشاء  ويروع من يشاء من الأشرار الافتراضيين الذين يقلقون الحياة الاجتماعية في تلك البقعة .

تمضي الدراما الفيلمية متصاعدة، أجهزة الشرطة والاستخبارات تحقق بمهنية ودقة في حادثة مقتل الأشخاص الثلاثة الذين ابادهم الشرطي سانتوس بدم بارد، ما دوافعها ؟ ومن القاتل ؟
الشرطي سانتوس يصبح  همه الآن التوصل الى ذلك الشخص العربي الذي هرب من المكان ومن خلال صورة يتوصل إلى إحدى الجمعيات الثقافية التي تحمل اسم "جمعية طنجة الثقافية "، جمعية مغربية يدخلها فيجد من هم فيها يؤدون الصلاة جماعة وهناك يجد صورة ذلك الشخص الذي يبحث عنه ويستخدم قاعدة بيانات الشرطة للعثور عليه ويلاحقه في إحدى محطات القطار لكنه يتعرض للطعن بسكين ويتولى خياطة جرحه بنفسه  .
الخطوط المتوازية للسرد تقود الى شكل من دراما الإثارة التي تلخص بحث الكل عن القاتل المجهول، أجهزة الأمن من جهة وسانتوس من جهة أخرى الذي صار يمثل الشكل التقليدي لرجل الشرطة الخارج على  القانون بل الذي يطبق القانون على طريقته ويتحول إلى محور وحيد في الدراما ومن حوله وبموازاته تنسج جميع الخطوط الدرامية والسردية في تلك الحبكة المثيرة .
إنه تغلغل تدريجي في "عالم الأشرار" وهم مهاجرون عرب يتمركزون في ضاحية نائية، في بيت ريفي وهناك يقومون بالتحضير لأعمالهم .
 يصل سانتوس إلى موقع تلك المجموعة  ويشاهد المكان الذي غالبا ما يظهر مرافقا لبيانات تنظيم القاعدة، اليافطة السوداء واسم الجلالة وكاميرا الفيديو التي تصور الإرهابيين وهم يلقون بياناتهم .
ومن هناك يأتي الرجال المحترفون يخرجون محتويات قناني إطفاء الحرائق ويستبدلونها بحشوات تفجيرية ليتولون فيما بعد توزيعها على المجمعات التسويقية وملاعب الأطفال ويركز الفيلم على تلك الصور، أن الإرهابيين العرب هم قتلة الأطفال والأبرياء في صورة لا تحتاج لا إلى شرح ولا إلى تعليق.

هذه الفجاجة والسطحية والتلفيق في هذا الجزء من الفيلم إصابته في مقتل لأسباب عديدة أهمها أن عملية مطاردة الأشرار لم تكن إلا عملية عشوائية خرجت من حانة كأن سانتوس ثملا فيها، قتل اولئك الثلاثة العاملين في الحانة فاكتشف ذلك الشاب المغربي الذي ظل يطارده من دون سبب واضح ولا دافع منطقي ولهذا بدت اسطورة قناني الإطفاء أكثر سذاجة وحلا سطحيا مفتعلا لم يكن مبنيا دراميا ولا سرديا بقدر ما كان حلا ترقيعيا  غرضه واضح وهو التحريض العنصري وتصعيد الأسلامفوبيا لا أكثر ولا أقل .
وكأن الرسالة الأخرى الموازية التي أتحفنا بها المخرج خلاصتها أن السلطات المعنية بملاحقة الإرهابيين والمجرمين لا تقوم بواجباتها بالشكل الكافي فأفرادها لا يقتلون عشوائيا كما يفعل هو ولا يطلقون الرصاص على من يريدون لمجرد الاشتباه، وهم يقومون بعمل احترافي في التحري واحترام القضاء واجراءاته اما في عرف سانتوس فلا مكان لكل ذلك ويجب البحث عن الأشرار من المهاجرين من أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والعالم الإسلامي وقتلهم فورا سواء بالشبهة او بالإدانة الموثقة لا فرق.. فالفرق بين ما كانت تقوم به رئيسة الشرطة من أداء محترف هي ومساعديها يجد نقيضه في التهور والسعار للقتل الذي يعصف بسانتوس وحتى من دون أن يكشف عن أفكاره ودوافعه وأيديولوجيته، هل هو عنصري، هل هو قاتل مأجور، هل هو شخصية ذات طبيعة إجرامية بالفطرة، وحتى أنه لم  يظهر ولا مرة واحدة وهو يعيش حياة إنسان طبيعي فلم يظهر ولا مرة واحدة وهو مع أسرة أو صديق أو الى جانب امرأة، كأنه إنسان ضائع بلا هدف غير إشهار المسدس وإطلاق الرصاص .


المخرج أنريك أوربيزو

وفي كل الأحوال هنالك مشهد الختام الذي سيكرس سانتوس "بطلا" في نظر المخرج ، فهو يخوض صراعا شرسا يستعد له ببندقية اوتوماتيكية متطورة يقاتل بها اولئك الغرباء وتنتهي حياته وقد تلقى طعنات شديدة بسكين  من طرف الإرهابي العربي الذي يحمل في يده جهاز التحكم عن بعد لغرض تفجير عبوات الحريق في المجمع التسويقي الكبير حيث كان الناس يتسوقون والأطفال يلعبون ولكن وفي مشهد مثير يطلق رصاصة الرحمة على خصمه ويجر خطاه مثخنا بالجراح ليبقى شاهرا سلاحه بيد وجهاز التحكم عن بعد بيد أخرى وحيث يجده المحققون ميتا وهو على هذه الحالة مستعد لواجب آخر..!!!
لعل ميزة الفيلم هي طابع الإثارة لكنها ميزة لم تخرج الفيلم من دائرة الأفلام البوليسية العادية لسبب مهم هو الضعف الشديد في وظيفة التحري التي صارت لها تقاليد متراكمة عبر تاريخ السينما نظرا للكم الكبير من الأفلام التي قدمت هذا الموضوع... فعمل شرطي التحري ممنهج ودائما ما تكون الأسرار والغموض تكتنف عمله وتثير شغف واهتمام المشاهدين،  اما سانتوس فبإمكانه ببساطة أن يشاهد أي مهاجر عربي او من أمريكا اللاتينية فيلاحقه ويتتبع علاقاته ويبدأ بالقتل العشوائي ويفبرك تلك القصة في القنابل الموقوته ونزعات الإبادة الجماعية التي بالغ فيها الفيلم الى حد كبير يضاف الى ذلك أن العنوان الأصلي للفيلم باللغة الإنجليزية او الإسبانية "No rest for the wicked” وماهي في الأصل إلا عبارة من التوراة معروفة وتكررت عنوانا لأعمال فنية ومسرحية أخرى كثيرة .

قد ينال إعجابكم