نقد سينمائي

سينما كازافيتيز: المستقل الأميركي رقم واحد

كل منهج سينمائي لابد وأن يستند إلى أعمال حفرت لذلك المنهج منذ سنوات. الواقعية موجودة في أفلام إيطالية حتى قبل تلك التي أنجزها روبرتو روسيلليني («روما مدينة مفتوحة») وفيتوريو دي سيكا («سارق الدراجة»)، والسينما الذاتية او سينما المؤلّف متوفّرة من الخمسينات. أما السينما المستقلّـة فهي بدورها ليست جديدة خصوصاً وأن أصولها متفرّعة، فهي سينما مؤلف في الغالب، وهذه متوفّرة من الخمسينات كما ذكرت، وسينما مستقلّـة عن دور الإنتاج الكبيرة وهذه سادت في الستينات.
في صميم الواقع فإن أي من هاتين التسميتين (المؤلّـف والمستقل) لا يقف وحده من دون عكازات. فلا التأليف كاملاً إذ يعتمد على فريق فني متعدد، ولا الاستقلال كاملاً كونه في نهاية المطاف لا يزال يحتاج إلى منتج وإنتاج ما يعني ميزانية عليها أن تُسدد مع أرباح إذا أمكن. لذلك الفيلم المستقل الحقيقي ليس فقط هو ذلك الفيلم الذي يستقل عن مؤسسات الإنتاج او ذلك الذي يعمد إلى شركات توزيع للفيلم البديل، او يعرض في المهرجانات ولا يجد عروضاً له في صالات السينما، بل هو المستقل بأسلوبه وطريقة سرد حكايته. بتصويره وتمثيله وإيقاع العمل المعروض. هو- تحديداً- ما لا تفكّر شركات الأفلام في توفيره لأنها تدرك كم هو خاص بفئة محدودة لا تطلب بطلاً ولا بطولة ولا تتعامل وشيفرات الفيلم الروائي التقليدية.

في هذا المنحى، لابد لكل من يريد تحقيق فيلم مستقل من العودة إلى المرجع الأول: أفلام للمخرج الأميركي


جون كازافيتيز

الذي وُلد أميركياً سنة 1929 وغادر الدنيا بعد 59 سنة من ولادته (1989).
في الفترة الممتدة ما بين 1951 و1985 عمل ممثلاً في 78 فيلماً وحلقة تلفزيونية، وفي الفترة ما بين 1959 و1986 أخرج 16 عملاً بينها دزينة واحدة من الأفلام وهو كتب كل ما أخرجه باستثناء فيلمين. وحالياً، وبينما تعرض صالات بريطانية خمسة من أفلامه هذا الشهر هي «ظلال» (1959) و«أزواج» (1970) و«مقتل مراهن صيني» (1976) و«ليلة الإفتتاح» (1977) و»غلوريا» (1980)، يتم إطلاق فيلم منسي له على أسطوانات. الفيلم هو «أحزان وقت متأخر» او Too Late Blues ثاني أفلامه وحققه 1961
ورد فيلمه الأول «ظلال» بعد أن قام ببطولة بضعة أفلام لاعباً شخصية مشاكسة. هو في فيلم المخرج المنتقد مارتن رت «حافة المدينة» (1957) لاعباً دور عامل في ورشة بناء يهب لنجدة عامل أسود البشرة (سيدني بواتييه) من شرير عنصري (جاك  ووردن). ثم هو شقيق ينحو للإجرام في فيلم «امتطي الريح» Saddle the Wind  لروبرت باريش وجون سترجز (1958).

كل من «ظلال» لكازافيتيز و«نفس مقطوع» لجان- لوك غودار خرجا معاً في نفس العام، ومن دون أن يرى كازافيتيز فيلم الفرنسي غودار مسبقاً صنع عملاً يلتقي والآخر من نواحي كثيرة: كلاهما مستقل عن آلة الإنتاج الكبيرة، كلاهما يروي موضوعه في قراءة ذاتية ويعالجه، بصرياً، بأسلوب منفصل عن المنهج السائد، وكلاهما نفّذ فيلماً محدود الميزانية ينتمي لما بعد موجة الواقعية الجديدة (من حيث بداياتها إذ أن الموجة الواقعية هذه استمرت في مصر حتى الثمانينات) وكلاهما عمد إلى كاميرا محمولة (ليست دجيتال بالطبع) وإلى مونتاج نافر.
يختلفان في أن فيلم كازافيتيز يعتمد على الممثل لكي يحرّك القصّـة. أسلوب خطر ينتمي إلى مدرسة طبيعية وإلى جهد كبير على المخرج والممثل أن يقوما به معاً لأجل منح الفيلم المنطق الذي يحتاجه.
فيلم كازافيتيز الثاني «أحزان وقت متأخر» يؤم موضوعاً معبّـرا عنه على نحو أفضل من ذاك الذي في فيلم الأول. هنا يوجد سيناريو (في مقابل غيابه عملياً في «ظلال») وحكايته لديها ما تتحدّث فيه حول هاوي تمثيل من شرق الولايات المتحدة يؤم هوليوود ليجد أن الفن يأتي متخلّفاً عن الضرورة التجارية. كلا الفيلمين، «ظلال» و«أحزان وقت متأخر» وجدا مدحاً من النقاد. والنجاح النقدي للفيلم الأول قاد للثاني. لكن المعضلة التي لم يتمكن ممن كتبوا عن الفيلم حلّها هي كيف أن فيلماً "مختلفاً" و"ذاتياً" كفيلم كازافيتيز الثاني يجذب إليه شركة هوليوودية لتموّله (باراماونت) وعما إذا كان ذلك خيانة لمبدأ "الاستقلالية" أم لا.

قد ينال إعجابكم