نقد سينمائي

''اسيلماير'' .. يكرم أصدقاء الثورة الجزائرية

 انتهى المخرج الفرنسي ''جان اسيلماير'' من جولته الفنية التي قادته إلى عدد من الولايات الجزائرية، لعرض فيلمه الوثائقي ''لقد التحقوا بالجبهة من أجل تحرير الجزائر''، فالانطلاقة التي كانت من سينماتيك الجزائر العاصمة شملت سيدي بلعباس، وهران، تلمسان و انتهت ببجاية، و هذا في إطار الذكرى الخمسين لعيدي الاستقلال و الشباب، فقد أراد ''اسيمليار'' أن يكرم أصدقاء الثورة الجزائرية ذوي الأصول الأوروبية من خلال هذه الالتفاتة التي استحسنها الكثيرون نظير التضحيات المقدمة من طرف أناس اجتمعوا لنصرة الشعب الأعزل، و رهنوا حريتهم باستقلال الجزائر، جاعلين ذلك تحديا كبيرا بل أكبر من الأساليب التي كانت تنتهجها فرنسا إبان احتلالها للجزائر، متعمدين نقل التعايش السلمي من مجرد فكرة إلى مشروع ناجح على أرض الواقع بامتياز.
 ''لقد التحقوا بالجبهة''، يقدم وبنسختين الأولى عربية والثانية فرنسية في 62 دقيقة يضم شهادات حية لأصدقاء الثورة الجزائرية الأوروبيين والأجانب الذين آمنوا بعدالة القضية والمطالب الشرعية للشعب الجزائري الباحث عن الاستقلال والحرية، فقد حاول المخرج إثراء الموضوع باستنطاق الذاكرة التاريخية و بالاعتماد على شهادات حية لأصدقاء الثورة، كما عمل على إظهار التضحيات التي قدمها هؤلاء ووقوفهم جنبا إلى جانب مع الجزائريين ضد جيوش فرنسا الاستعمارية تحت راية جبهة التحرير الوطني، معلنين بذلك تبنيهم مبادئ بيان الفاتح من نوفمبر 1954، و رفضهم كل أشكال العنف و القمع التي كان يمارسها الجيش الفرنسي ضد الشعب الجزائري الأعزل، كالمناضلة ''آني ستاينر'' التي كانت إحدى المحاور والركائز التي بنى المخرج عليها عمله، حيث أصرت صديقة الجزائر على حضور العرض الذي أُتبع بنقاش دام لساعتين.
و ليقترب العمل أكثر من المشاهد ويلامس أحاسيسه ركز ''جان اسيميليار'' على العمليات التي كان يقوم بها الفدائيين المتعاطفين مع الثورة و المناضلين، مستنطقا و بنجاح الذاكرة التاريخية التي لا تزال تحتفظ بأدق التفاصيل، و هو ما أعطى للعمل قوة و مصداقية، تجعل المشاهد يفتخر  بتاريخه وماضيه وبوجود أناس آمنوا بالثورة وعملوا على نصرتها إلى غاية الاستشهاد أو لحظة الاستقلال، فقد أيقظ المخرج من جديد مشاعر الجماهير لا سييما الأسرة الثورية التي استرجعت شريط الذكريات، وعادت بها خمسين سنة أو أكثر.

آني ستاينر، فليكس كويوزي، روبرتو مونيز، بيير شولي... نماذج و أمثلة حية لمناضلين أجانب شغفهم حب الحرية والاستقلال في جزائر الاستعمار، فما كان على المخرج إلا أن يتوقف عند كل واحد منهم، وبدورهم رصدوا كفاحهم بعد انضمامهم لجبهة التحرير الوطني آن ذاك، فكانت لكل واحد منه حكايته التي تختلف باختلاف المنطقة التي كان بها أيام الثورة التحريرية، لكنها في المقابل صورت قمة الشجاعة لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقوة الاضطهاد الذي لحق بهم على يد قوات الاحتلال، فما كان على الشعب الجزائري إلا أن يجعل منهم الجزء الذي لا يستأصل مهما حدث، وهو ما دفع بهؤلاء المستوطنين لاختيار الجزائر موطنهم الدائم إلى غاية يومنا هذا.

بكل صدق و بكثير من العفوية سردوا الكثير من الوقائع والأحداث التي تأثر لها الجمهور، حكايات ترجمت صور التلاحم مع أبناء الجزائر بإخلاص وبإيمان كبير بالقضية، ومن الشخصيات الثورية التي توقف عندها المخرج المناضلة الفرنسية ''آني ستاينز'' فمن خلال الشهادة التي قدمتها بدا تعلقها الكبير بالثورة التحريرية، و افتخارها بانتمائها في يوم من الأيام إلى هذه الثورة و إلى الأرض التي احتضنتها قائلة: ''اخترت البقاء إلى جانب الشعب الجزائري، لأني كنت دائما إلى جانب المحرومين''، كما استعرضت صديقة الجزائر مراحل كفاحها، وهي التي انخرطت في صفوف جبهة التجرير الوطني من ولاية سطيف، و لم يتعدى عمرها العشرين عاما، فقد تم توقيفها سنة 1956 و حكم عليها بالسجن 6 مرات، كان أولها سجن ''بربروس'' المسمى ''سركاجي'' حاليا، السجن الذي اعتقل وعذب فيه صناع و رجالات الثورة الجزائرية كشهيد المقصلة أحمد زبانة، و آخرون، فقد روت ''آني ستاينز'' كيف أنها عاشت الأمرين بسبب مواقفها الثابتة و الرافضة لكل أشكال الظلم التي كانت تمارس على الشعب الجزائري، الأمر الذي لم تهضمه فرنسا فزجت بها في سجونها.

 
                        المناضلة آني ستاينر                                                                 المناضل الفرنسي بيار شولي

لم تحصد الثورة الجزائرية تعاطف بعض الفرنسيين فحسب بل حصلت أيضا على تأييد من أبناء القارة الأمريكية، وهو حال المناضل الأرجنتيني ''روبرتو مونيز'' الذي بدأ يدافع عن القضية الجزائرية من موطنه الأصلي، من خلال التجمعات الطلابية التي كانت يشرف عليها بالأرجنتين، كما كان يزود ''مونيز'' المجاهدين بالأسلحة، و كان لالتحاقه بجبهة التحرير الوطني بالمغرب دفع كبير في صفوفها، كما تطرق ذات المتحدث إلى عمله الفدائي بعد التحاقه بالمصنع السرّي لصناعة الأسلحة و مقرّه المغرب حينها، ففي أحد المشاهد تحدث عن كيفية استعمال السلاح آن ذاك.

كما تضمن وثائقي ''لقد التحقوا بالجبهة'' شهادة المناضل الفرنسي ''بيار شولي'' صاحب كتاب ''اختيار الجزائر، صوتان و ذاكرة''، و الذي ساند بدوره الثورة الجزائرية من الناحية الإعلامية فقد كان من مؤسسي جريدة ''المجاهد'' لسان حال جبهة التحرير الوطني، فقد تحدث ''شولي'' عن اهتمامه المستمر بالجزائر قائلا أنه باندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954 شعر بالتحرر، معتبرا أن التضامن مع الشعب الجزائري و ثورته كان من منطلق الحق في الحرية و تطبيقا لمبدأ المساواة، فالحرية و المساواة حقان لا يجب أن يسلبا من صاحبهما، كما تخلل العمل أيضا شهادة ''فيليكس كولوزي'' النقابي الملتزم في الحركة التحرّرية، و ذلك من خلال العودة إلى حي بلكور المسمى بلوزداد حاليا، الذي ترعرع فيه و تقاسم يومياته مع شهداء و معطوبي حرب التحرير.

العمل لم يقتصر على شهادات أصدقاء الثورة بل التفت كذلك إلى شهادات بعض المجاهدين الجزائريين كالمجاهد الطاهر حسين، عبد القادر قروج و زهير بسة و آخرين، كما التفت المخرج إلى بعض الأسماء الثورية خاصة الفرنسية منها و التي دخلت التاريخ من واسع أبوابه و كتبت اسمها في السجل الجزائري بأحرف من ذهب و التي لا تزال نضالاتها البطولية تروى حتى اليوم، كموريس أودان، الذي اختطف وعذّب حتى الموت من قبل رجال الجنرال ماسو، و هنري مايو الذي استشهد سنة 1957 بعد عملية قام بها بثكنة خميس مليانة، و كذا المناضل ''فرنان ايفتون'' الذي وضع قنبلة بمحطة الغار بالحامة بالعاصمة، و الذي أضحى من رموز الثورة الجزائرية بعد إعدام السلطات الفرنسية له سنة 1956، ولا تزال الجزائر تحتفل بذكرى استشهاده سنويا، فمن العبارات التي قالها الرجل لحظات قبل استشهاده و التي تعبر عن شجاعته و تمسكه بحرية الوطن "سأموت ولكن الجزائر ستستقل"، فالملف الذي فتحه ''جان اسيمليار'' يتطلب حتما الوقوف على الأسماء الثورية البارزة التي لا يمكن تجاوزها.
و في حديثه للجزيرة الوثائقية أكد ''اسيمليار'' أن اختيار هؤلاء المناضلين مثّل غالبية الأجانب الذين ساندوا الثورة و انخرطوا في صفوفها، فأصبحوا جزائريين، كما دعا إلى ضرورة توزيع هذه الانتاجات على المؤسسات التربوية و كذا القاعات السينمائية حتى يتسنى لكل الأجيال و لكل شرائح المجتمع معرفة الصدى الذي لقيته ثورة الجزائر في الداخل و الخارج، و لكي تساهم السينما في إظهار بطولات تستحق الذكر و الإشادة في كل حين و على حين غرة، فليس سهلا أن تتبنى ثورة غيرك لولا اقتناعك بعدالتها و أحقية شعبها في الاستقرار و الاستقلال، و في الأخير أكد المخرج الفرنسي ''جان اسيلماير'' أن هذا العمل الذي يضاف إلى سلسلة من الانتاجات كان قد بدأها منذ سنوات يعكس قناعاته ووجهة نظره من القضية.
و خطوة مثل هذه تحسب للمخرج الفرنسي ''جان اسيمليار'' الصديق للثورة الجزائرية، فيكفي أنه يحاول في كل مرة تسليط الضوء على الماضي المشرف لأبناء لم تنجبهم المحروسة فصاروا أبناءا لها و تعتز بهم أرض الجزائر.

جان اسيميليار

جان اسيميليار في سطور:

مخرج فرنسي له العديد من الأفلام السينمائية و التوثيقية أبرزها :

1998معركة الإنتاج سنة
1999 بورتريه لرشيد قريشي
 1999مسار الفنان روني فوتييه
2001هارولد بنتر
2002 نحن أيضا نحب حياة محمود درويش
 2003ديسمبر  11
2003 نظرات مباشرة
2004 أوبرا الجزائر
2005 مسيرة جمال علام
2007قد اختاروا الجزائر
2012لقد التحقوا بالجبهة من أجل تحرير الجزائر

قد ينال إعجابكم