نقد سينمائي

قراءة في أفلام "كارلوفي فاري" التسجيلية

برنامج ضخم للسينما التسجيلية ذلك الذي تقدمه الدورة السابعة والأربعين لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي  والمتواصل حاليا في  المنتجع السياحي التشيكي الشهير.  فتعرض المسابقة الرسمية للأفلام التسجيلية ستة عشر  فيلما، فيما يعرض خارج المسابقة التسجيلية، وضمن برامج ومسابقات المهرجان، أفلام تسجيلة أخرى اختارت إدارة  المهرجان التشيكي إنها لا تنسجم، ولأسباب مختلفة، مع  قائمة الأفلام المتنافسة على جائزة الكرة البلورية التي تنتظر الفائزين.

واللافت هو غياب الأفلام التسجيلية التي تقارب قضايا سياسية  معاصرة مثلا، فغابت مثلا أفلام الثورات العربية والتي حجزت مكانة تكاد تكون ثابتة في كل المهرجانات الأوربية لهذا العام ، من مهرجانات كان، برلين، روتردام، وحتى أصغر المهرجانات السينمائية  الأوربية المحلية. كما لم تحضر هذا العام أيضاً أفلام  القضايا الأجتماعية الملحة والتي تتصل بالعادة بأحداث السياسة والتغييرات الطارئة التي تصيب مجتمعات حول  العالم. في المقابل تميزت أفلام هذا العام بتناولها لمواضيع بعضها يقترب من الذاتي، وأخرى وفي سعيها لتسجيل سير ذاتية شخصية تنقل أيضاً التحولات الاجتماعية والتاريخية التي تمر بها مجتمعات الأفلام. ففيلم "إنها ليست كاليفونيا' للمخرج  الالماني مارتن بريسيل. يعود الى العشرين عاما الأخيرة من عمر ألمانيا الشرقية وقبل سقوط جدار برلين. فالشخصية التي يتناولها الفيلم (دينيس) كان ينتظرها مستقبلا رياضيا لامعا في ألمانيا الشيوعية، لكنها اختارت أن تسلك مسارا مختلفا،  لتستغرق تماماً في لعبة التزلج عبر الألواح المتحركة، والتي لا يمكن عزل الاهتمام بها وقتها عن الأنبهار بالحضارة الغربية، حيث شجعت الأخيرة هذه الهواية .

لم تكن مناسبة  العودة إلى حياة شخصية الفيلم سارة على الأطلاق فهو قد قتل في أفغانستان حيث كان في الجيش الألماني. يجمع الفيلم أصدقاء الراحل  للحديث عن السنوات التي جمعتهم به. هذا اللقاء سيحمل أهميته الكبيرة لتلك المجموعة من الأصدقاء، فهم لم يجتمعوا بصديقهم منذ سنوات طويلة لأسباب تعود على الأرجح إلى طباع "دينيس" الغريبة قليلا، فهم لا يعرفون مثلا أن صديقهم المتمرد دائماً اختار مؤسسة ترتكز على الطاعة العمياء كمهنة في سنواته الأخيرة، كما أنه قرر ولأسباب غامضة قطع علاقاته القديمة. يجمع الفيلم أفلام فيديو منزلية  لشخصيته الرئيسية من طفولته وصباه ويعيد ترتيب أحداث حياته عبر أفلام التحريك، وهو أسلوب بدأ يشيع كثيرا في أفلام السير الذاتية والجماعية لكسر همينة المقابلات المطولة. والآخيرة تغيب تماماً عن الفيلم، الذي يستعيض عنها بتصوير اللقاء الجامعي لأصدقاء الراحل في الحي الذي نشأ فيه، فيما كان يعرف بألمانيا الشرقية،  والذي أهمل تماما ليتحول الى خرائب تنتظر الهدم، ليكون الفيلم التسجيلي وفي جزء كبير منه إستعادة لأفول ذلك الزمن ورموزه.

فيلم " الوهم البولندي" للمخرج جاكوب داماس هو استعادة تأريخيه أخرى لزمن ولى مع التركيز أيضاً على الحاضر عبر تسجيل يوميات قرية "دارلوو" البولندية والتي تنقل حكمها بين الألمان والبولنديين حيث استعادت الدولة البولندية السيادة عليها بعد الحرب العالمية الثانية. فيما لا تزال القرية الحدودية طريقا للألمان الباحثين عن شواطئ  البحر القريب من القرية. يلجأ الفيلم الى التعليق الصوتي التقليدي وهو يتنقل بين قصص  شخصيات من القرية، لكن لا شيء تقليدي في الفيلم الذي يغوص  بيوميات تلك الشخصيات او في رصده لأثر التاريخ والجغرافيا في شخصية القرية التي تحتفل ببدء موسمها السياحي كل عام  بعرض عسكري من الحرب العالمية الثانية.

ولمحبي السينما وبالخصوص أعمال المخرج الروسي المعروف أليكسي جيرمان تعرض المسابقة الرسمية للأفلام التسجيلية لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي فيلم "من الصعب ان تكون إلها" والذي يوفر فرصة نادرة في كواليس تصوير أحد أبرز أساتذة السينما الأحياء، إذ يرافق الفيلم المخرج  أثناء تصوير فيلمه الاخير في عام 2008. تكفي المشاهد الافتتاحية من الفيلم للتعرف على "الجحيم" الذي يقوده المخرج الروسي الفظ أثناء التصوير. يمكن تخمين الأسباب التي جعلت المخرج  يخرج بخمسة  أفلام فقط من تاريخه الطويل هو يبحث عن الكمال في ظروف شديدة الصعوبة أحيانا. فهو يقود في فيلمه الأخير فريقا من الجنود الروس والذين قام الجيش الروسي بإعارتهم لتنفيذ المشاهد الجماعية في الفيلم. المفارقة أن السلطات الروسية التي ساعدت في تنفيذ الفيلم الأخير  قامت في عام 1968 (السلطات السوفيتية  وقتها)  بإيقاف المشروع ذاته للمخرج  ولأسباب فكرية.

كرة قدم وقطارات نيويورك

فيلم "حلاقون"

وتنوعت موضوعات أفلام المسابقة الرسمية للسينما التسجيلية من محاولة لفهم  للمجتمع التشيكي عبر تسليط الضوء على تصرفات جمهور لعبة كرة القدم في فيلم "اثنان- صفر" للمخرج بافيل أبراهام  الى محاولة أخرى لتسجيل التغييرات التي مرت على مدن كبيرة أمريكية  مثل نيويورك  بدراسة تاريخ القطارات وعلاقة الناس بتلك الخدمة الحيوية  في فيلم "قطارات الأفكار" للمخرج تيمو نوفوتمي.
ومن الولايات المتحدة الأمريكية يمنح فيلم "ملكة فيرسليا" فرصة نادرة للدخول في الحياة الخاصة لواحد من أثرياء أمريكيا والذي يوافق بأن تقوم المخرجة الأمريكية لورين غرينفيلد بان تسجل يوميات عائلته.  فيما يسجل المخرج البلغاري إليان متيف يوميات فريق للإسعاف في إحدى مستشفيات العاصمة البلغارية صوفيا ليقدمها في فيلم " عربة الإسعاف الاخيرة لصوفيا".
وتتابع المخرجة التشيكية المعروفة هيلينا تريستكوفا متابعة مشروعها التسجيلي بتوثيق حياة رفيق صباها، وهو المشروع الذي يعد الأطول في العالم، إذ بدأ في عام 1974 وأنتج بضعة مشاريع آخرها فيلم " كون خاص" الذي يعرض حاليا ضم المسابقة الرسمية للأفلام التسجيلية. وعن الحلاقين في البرازيل يدور فيلم "حلاقين"  للمخرج لويس فيراز الذي يعرض هو أيضاً التغييرات التي حلت بالمجتمع البرازيلي. وعن فريق من الاطفال لكرة القدم  في إسبانيا يدور فيلم " الفريق الصغير" للمخرجين  روجر قوميز و داني رزينيز.
ويقم فيلم "كيكهوت" للمخرجة البولندية  يوغودا جيلك الحياة الخاصة للفنان البولندي المعروف "مارسين" ومن فرنسا يسجل المخرج الفرنسي المعروف جان غابريل بييروت في فيلمه (أيامنا ، بالتأكيد ، يجب ان تكون مستنيرا )  التجربة التي قام بها احد السجون بقامة إحتفال بأحد السجون للتأثير عاطفيا على نزلاء ذلك السجن وحثهم لتغيير حياتهم. ويقدم فيلم "قصة للمودينز" حكاية مثيرة عن حادثة تعرض لها المخرج سيرجو اوكسمان عندما وجد بالصدفة صندوق مليء بالصور العائلية والرسائل القديمةً في احد شوارع المدينة الأسبانية مدريد ، ليبدأ بعدها رحلة البحث عن تاريخ  هذه العائلة والذي سوف يقوده الى السينما فأحد أفرادها مثل مع المخرج البولندي الأصل  المعروف رومان بولانسكي في فيلمه الشهير " طفل روزماري".

ويقدم فيلمان من قائمة الأفلام المعروضة قصص حب مثلية جنسية  واحدة من منطقة البلقان في فيلم "سوف أرحل هذا الأربعاء" للمخرجة كلارا بودونوفا والآخر من السويد هو " لك عاريا" للمخرجة السويدية سارا بروس. فيما يتناول فيلم " ذي بيلي فسيتا" للمخرجة اليسا كانو قصة بيت البغاء الذي ينتقل الى احدى البنايات البنايات الرياضية في احدى مقاطعات  دولة الأورغواي.

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...