نقد سينمائي

النقد والسينما (غير) الهادفة وتوني سكوت

محمد رُضا

لن يتوقّف كثيرون في النقد والثقافة السينمائيتين في العالم العربي عند وفاة المخرج توني سكوت. هو ليس برغمان أو أنطونيوني او ستانلي كوبريك. في الحقيقة حتى حين مات هؤلاء، استحضر قليلون ما لديهم قوله في هؤلاء واندثر الإهتمام بعد ذلك سريعاً، فما البال بمخرج لم يلد أعمالاً من القيمة نفسها؟
لكن هل ذلك سبب كاف للنفي؟ هل النقد حالة إختيارية أم حرفة يتساوى فيها الإهتمام بكل ما هو سينما؟ إذا كانت حالة إختيارية فالناتج عنها هو أقرب إلى التعليق الموسمي، أما إذا كانت حرفة، كما يجب أن تكون، فإن توني سكوت يتساوى وترنس مالك ليس في قيمة أعمالهما بل في  ضرورة طرحه للبحث او تناول أفلامه حين تدعو الحاجة، والحاجة دعت هذا الأسبوع حينما رمى المخرج سكوت نفسه من على جسر ولقي حتفه.
توني سكوت هو الأخ الأصغر (بسنوات قليلة) لريدلي سكوت. كلاهما وردا من بريطانيا وحطّـا في هوليوود في السبعينات وكلاهما اشتغل في حقل الإعلانات أولاً، الحقل الذي كان عدد آخر من السينمائيين البريطانيين اشتغل فيه قبل أن يستأثر بالإهتمام حين تحوّل إلى ممارسة الفيلم الروائي الطويل مثل المنتج ديفيد بوتنام والمخرج ألان باركر.
?بعد فيلم روائي واحد في بلده، حمل عنوان «ذكرى محببة» سنة 1971، اتجه توني إلى نيويورك وأخذ يعمل في مجال الإعلانات والإخراج التلفزيوني. في العام 1977 قام شقيقه ريدلي سكوت بتحقيق أول أفلامه الروائية الطويلة «المتبارزان» مع كيث كارادين وهارفي كايتل. وسنحت الفرصة لريدلي بتحقيق فيلمين آخرين قبل أن يشمّر توني عن ساعديه ويقرر معاودة الكرّة والتحوّل إلى مخرج روائي منضم لجيش هوليوود من المخرجين. فيلما ريدلي كانا «غريب» Alien سنة 1979 و«بلايد رَنر» سنة 1982 وكلاهما من نوع الخيال العلمي. توني أمّ السينما الروائية الأميركية (أي بعد تجربته المنفردة في الفيلم البريطاني السابق) بفيلم كان من المفترض به أن يكون مرعباً، عنوانه «الجوع» مع كاثرين دينوف وسوزان ساراندون المنجذبة إليها في أكثر من شكل، كون دينوف مصّـاصة دماء لا تزال شابّة بعد مئات السنين على ولادتها.  الفيلم لم يكن مخيفاً، وفكرة توني للإخراج كانت الإكثار من المراوح الكهربائية لكي تعبث بالستائر الصفراوية والأرجوانية التي في قصر الدماء ذاك.?
ستمر بضع سنوات قبل أن يعيد توني الكرّة في فيلم أراده إعلاناً لإعادة ولادته سينمائياً، وكان له ذلك بالفعل.


                             توم كروز                                                                      ايدي ميرفي

الفيلم هو «توب غن» (1986) مع توم كروز في البطولة لجانب شلّة من الممثلين الصاعدين آنذاك أكثرهم موهبة (وأقلّهم حظاً) غاري إلويس و?ال كيلمر. الثلاثة طيّارون متدرّبون على بهلوانيات السلاح الجوّي وكثير من الفيلم يمضي وهم يناؤون بعضهم بعضاً وسط مخاطر محسوبة. حقيقة الأمر أن إثنان منهما (كيلمر وكروز) كانا واقعين في حب فتاة واحدة (كما كان الحال مع أول فيلم نال الأوسكار في التاريخ وهو «أجنحة» لوليام ولمان الذي كان حول طيّارين حربيين يحبّان المرأة ذاتها). لكن في الخفاء يمكن قراءة ما هو مختلف: ذكور الفيلم يحبّون بعضهم البعض من باب الصداقة التي ترضي، أيضاً، المثليين. ففي طي المواقف وعلى قراءة نفسية لا تتطلب فرويد للقيام بها، يمكن تلمّس أن المنافسة بين الإثنين ثم بين الجميع تدّخر نصيباً كبيراً من سعي الكل  لبزّ الآخر في الجاذبية وفي الدلالة على رجولته العاطفية ومهارته القيادية وكلها رسائل موجهّـة للصديق الآخر وليس فقط للحبيبة الحائرة.
صنع ذلك الفيلم نجاح كروز وعاد إليه توني سكوت لاحقاً بعدما كان كروز أصبح نجماً محسوباً وذلك سنة 1990 حين قدّمه في «أيام الرعد» مع زوجة المستقبل (وإلى حين) نيكول كيدمان. هنا، سباق السيارات أصبح بديلاً لسباق الطائرات، لكن النتيجة الفنية لا زالت خفيفة تقف وراء نتيجة صناعية واصطناعية هدفها تسويق كل العاملين إلى جمهور لا زال يبحث عن الوجوه الجميلة ذكوراً وإناثاً.
بين الفيلمين خاض المخرج فيلمين أحدهما أكثر جدّية عنوانه «إنتقام» مع أنطوني كوين وكَفن كوستنر في البطولة. هو مأخوذ عن رواية للكاتب البوليسي جيم هاريسون كان المخرج الراحل جون هيوستون رغب في تحويلها إلى فيلم ولم يمهله العمر لتحقيق رغبته. المشروع آل إلى وولتر هيل بعد ذلك ولم يستطع ضمان التمويل. بصراحة كلاهما أفضل خبرة وإنجازاً من توني سكوت. في هذا الفيلم برز التناقض الصارخ بينه وبين شقيقه ريدلي: ريدلي يستطيع أن يقرأ بين الأسطر ويسلّط الضوء على ما نسمّـيه بـ "لب الموضوع". توني يرى القصّـة من زاوية عرض الأحداث بطريقة استعراضية.
الفيلم الآخر كان «بيفرلي هيلز كوب 2» (مع إيدي مورفي) وهو الفيلم الوحيد لتوني الذي هو استكمال لجزء سابق (ولو كان قبل موته أعلن عن أنه سيحقق "توب غن 2"). هذا بوليسي خفيف يمزج الكوميديا بالمواقف البوليسية لكن قيادته لمورفي الذي كان يستطيع- آنذاك- إقالة توني سكوت من موقعه لو أراد.
بينما مضت الثمانينات وتوني يلوّن الأحداث بفرشاة من الاستعراضات الوامضة، كان شقيقه ريدلي أكثر اهتماماً بالنقش من التلوين. العقد ذاته شهد قيامه بإخراج فانتازيا تاريخية في «أسطورة» (1985) وولوج الفيلم البوليسي في «أحدهم ليحرسني» Someone To Watch Over Me سنة 1987 ثم «المطر الأسود» (تم تصويره في اليابان بعد عامين)، قبل الانتقال في مطلع التسعينات إلى انتصار فني أسمه «تلما ولويز».
توني تبع «أيام الرعد» بفيلم بوليسي فاشل بعنوان «آخر صبي كشّـاف» سنة 1991 وانتقل منه إلى تشويق عنيف بعنوان «رومانس حقيقي» (1993) الذي كتبه له المخرج كوينتين تارانتينو. معظم المعجبين بالفيلم انطلقوا من هذه النقطة لإبداء أسباب إعجابهم أما إخراج توني فوجد القليل ممن مدحه او صنّـفه ناجحاً.


                                                سكوت مع دنزل واشنطن الذي عمل معه عدة افلام

توني حاول في منتصف التسعينات معالجة موضوع جاد بعيداً عن البهرجة وألعاب النيران وذلك حين تصدّى لإخراج «تيار قرمزي» متناولاً محاولة نائب قائد غوّاصة نووية إنقاذ العالم من مخاطر إقدام قائده المصاب بالمتهيآت على إطلاق قذيفة نووية على سفينة روسية يعتقد أن نواياها مهاجمته. جين هاكمان في دور القائد ودنزل واشنطن في دور نائبه وكان ذلك التعاون الأول من بين خمس مرّات بين توني ودنزل كما سنرى. لا بأس بالفيلم من حيث توتّـر أحداثه، ورغبة توني الفعلية في الارتفاع لمستوى من لديه مضموناً جادّاً يعرضه. لكن حسنات هذا الفيلم تلاشت في العام التالي (1996) عندما قدّم واحداً من أقل أفلامه حظوة بأي شيء هو «المعجب» (وسلي سنايبس لاعب بايسبول وروبرت دي نيرو يريده شريكاً في جريمة ثم قتله). بعد ذلك فيلم أفضل عنوانه «عدو الدولة(1998)  مع ول سميث متّهم بما لم يرتكبه ومطارد من قبل سياسيين فاسدين (بينهم جين هاكمان أيضاً).
استهل توني العقد الأول من القرن الجديد بفيلم جيّـد آخر هو «لعبة جاسوسية» مع روبرت ردفورد، موظّـف المخابرات الأميركية الذي يكتشف أن أحد رجاله في الميدان (براد بت) آيل إلى التضحية به في تسوية سياسية مع الصين، فيتدخل لحماية رجله. شقيقه ريدلي أقدم لاحقاً على تحقيق فيلم حول السي آي أيه عنوانه «كيان من الأكاذيب» (2008) ترك وقعاً أفضل لأنه، مرّة أخرى، كان أكثر تركيزاً على جوهر القضية المطروحة.
الفيلم التالي لتوني كان «رجل مشتعل» او Man On Fire الذي كان اللقاء الثاني بينه وبين دنزل واشنطن. هنا مارس توني جنوحه صوب التفجيرات الكبيرة مستمتعاً بما تضفيه من ألوان وتحدثه من رهجة. لكن الفيلم بحد ذاته ليس رديئاً كحال الفيلم اللاحق «دومينو» (2005) الذي  جاء فوضى غير منظّـمة طرح فيها حكاية فريق من صيـادي الجوائز (Bounty Hunters) يعملون لصالح القانون، نظرياً، وضده تطبيقياً. خرجت من ذلك الفيلم وتوجّهت إلى مكتبتي وشاهدت فيلماً أبسط وأفضل منه بكثير كان المخرج التلفزيوني باز كوليك أنجزه سنة 1980 تحت عنوان «الصيّـاد» وكان آخر فيلم قام الممثل ستيف ماكوين ببطولته قبل وفاته في العام نفسه عن خمسين سنة.
دنزل واشنطن عاد إلى إدارة توني سكوت مرّة ثالثة في «إعادة كرّة» او Dèja Vu سنة 2006 : أفضل شأنا من سابقه لكنه منسي حال الخروج منه. «خطف بلهام 123» سنة 2009 كان الفيلم الرابع بينهما، ودار حول موظّـف قطارات يتدخل لتنفيذ خطّـة تخليص رهائن من إرهابي أميركي (جون ترافولتا) احتجزهم لقاء فدية.
في فيلم توني سكوت الأخير «غير قابل للتوقّـف» شاهدنا التعاون الخامس مع دنزل: هذه المرّة سينقذ بطله قطاراً جانحاً ينطلق بسرعة كبيرة. الفيلم جيّد وأحد الأفلام التي أنقذت توني سكوت وأعادت الثقة به.
كما لوحظ هنا، لم ينجز توني أفلاماً رائعة، بل تراوح بين المعتدل بشدّة والجيّد. لذا لم يكن غريباً أن اتخذ منه النقاد الغربيون موقفاً مناوئ. بالنسبة إليهم، وكما هو الواقع فعلاً، سيبقى توني الأخ الأقل تأثيراً في ركاب السينما من شقيقه ريدلي.

قد ينال إعجابكم