نقد سينمائي

القوسطو ... عندما تجمع الموسيقى شتات الأصدقاء

تعالت تصفيقات جمهور قاعة الكوسموس بالعاصمة، الجزائر بعد تقديم العرض الأول لفيلم ''القوسطو'' للمخرجة الجزائرية المغتربة صافيناز بوزبية، التي جنت ثمار تسع سنوات من العمل الجاد والبحث في دهاليز ودفاتر الماضي التي يصعب إن لم نقل يستحيل التنقيب فيها لإيجاد ما نبحث عنه من معلومات وأسرار، فما بالك لو تعلق الأمر بفنانين، مسلمين ويهود فرقتهم الحياة وجمعتهم الموسيقى بعد خمسين سنة من الفراق في رحاب القوسطو.
بدل أن تتوقف المنابر الإعلامية و الأقلام النقدية و الأصوات الفنية عند محتوى العمل و قيمته الفنية راحت تطلق أحكاما مسبقة على إنتاج أو اجتهاد شخصي لم تشاهده، محولة العمل من قيمته الإنسانية إلى قضية دينية ووطنية بعيدة كل البعد عن الطرح الذي أرادته وصممته المخرجة لعملها - حسب ما ورد على لسان المخرجة و صاحبة فكرة الفيلم – فكان هذا الإشكال الذي توقفت عنده الصحافة الجزائرية و أعلنت بطريقتها مقاطعتها له و إطلاقها أحكاما مسبقة عليه قبل معرفة محتواه، و هو ما تجلى في غياب العديد من الجهات الرسمية عن العرض الأول للفيلم بالجزائر بعد أن توج بالعديد من الجوائز في الكثير من المهرجانات الدولية، و المقصود هنا وزارة الثقافة التي رفضت دعم العمل رغم تقدم المخرجة بعدة طلبات حسب ما صرحت به للجزيرة الوثائقية، و كذا غياب التلفزيون الجزائري و حتى بعض العناوين البارزة التي تأثرت ربما بالصدى المسبق عن الفيلم، فبعضها منعت من تقديم التغطية الخاصة بالفيلم في نشراتها الإخبارية، رغم حضور صحفييها لتغطية العرض الأول ل'' القوسطو'' الذي قدم للجمهور بعد حصوله على تأشيرة الاستغلال.

مخرجة الفيلم أكدت في تصريح للجزيرة الوثائقية أن هذا الوثائقي بمثابة تكريم للحاج أمحمد العنقى، وعشاق هذا الفن الأصيل، من تلامذته و باقي الفنانين الذين سعوا للحفاظ على هذا الموروث الثقافي الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من حياة "العاصميين" على وجه الخصوص و الجزائريين عامة، و بعد كل ما قيل عن ''القوسطو'' بشأن مشاركة اليهود وما إلى ذلك، دافعت صافيناز عن فيلمها قائلة أنها لما قررت إنجاز فيلم عن موسيقى الشعبي لم تضع لائحة للموسيقيين والفنانين المسلمين وقائمة للفنانين اليهود لأن هذا ليس ضمن الأهداف المرجوة، معتبرة أن قيمة الشريط تكمن في اللقاء الذي تم بين هؤلاء الفنانين المولعين بفن الشعبي و الذين فرقتهم الظروف بعد فراق دام نصف قرن، فكان الشيء الأجمل و الحميمي المليء بالمشاعر في حكاية هؤلاء هو الالتقاء مجددا، العزف و الغناء معا  في فرقة واحدة و هو ما تحقق على أرض الواقع تحت غطاء فرقة تسمى ''القوسطو'' يقودها الهادي العنقى نجل عميد الأغنية الشعبية الحاج أمحمد العنقى، و هي تجوب اليوم العديد من عواصم العالم و تغني بأكبر المسارح العالمية.
هي فلسفة المخرجة الجزائرية الشابة ذات 30 عاما، التي أخذت على عاتقها مهمة صعبة إلا أنها كللت بنجاح لم يكن منتظرا، فقصتها مع الشعبي كما ترويها في بداية العمل بدأت سنة 2003 عندما جاءت لزيارة الجزائر رفقة صديقتها الايرلندية، و خلال جولتها بمختلف أحياء العاصمة بما فيها القصبة، توقفت لشراء مرآة بأحد المحلات الموجودة بهذا الحي التاريخي والعتيق، وهناك تعرفت على السيد ''محمد الفركيوي'' صاحب المحل وهو فنان في نفس الوقت، حدثها عن ماضيه، و سرد لها حكايته مع هذا اللون الموسيقي و رغبته الكبيرة في لقاء أبناء حييه و أصدقائه الفنانين، فمن هنا بدأت الحكاية التي تحولت إلى فيلم سينمائي حاكته صافيناز بطريقة إخراجية متميزة رغم أنها مبتدئة في عالم الإخراج السينمائي، فقي البداية تقول ''أردت أن أساعده  في البحث و العثور على أصدقائه، فتطلب مني الأمر عامين ونصف، وعندما عثرت على البعض منهم وجدت نفسي متأثرة بل مولعة و مندمجة في قصتهم، و رأيت أنها تستحق أن توثق في فليم، فبدأت حينها بالبحث عن مخرجين ومنتجين لتبني فكرة العمل، كلهم أعجبوا بالقصة لكنهم وجدوا العمل مكلفا وغير مربح، حينها قررت أن أبيع ممتلكاتي الخاصة لإنجاز الفيلم بنفسي''.


الكاردينال الحاج أمحمد العنقى

حنين ''صافيناز بوزبية'' إلى موطنها الأصلي تجلى في العمل كله، لكنه برز أكثر من خلال الجولة التي كانت تأخذنا فيها من حين لأخر إلى قلب العاصمة، قصبة الجزائر و كأنها تريد أن تعبر بطريقتها عن قيمة و رمزية المكان، الذي تختزل جدرانه تاريخ رجال و أبطال الجزائر، كالشهيد ''علي لابوانت'' وروعة فنان كالمجاهد بفنه الحاج أمحمد العنقى صاحب رائعة ''الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا'' أحد تلامذة الشيخ الناظور، فلم يكن ممكنا الغوص في أعرق الأنواع الموسيقية وأكثرها شعبية وانتشارا دون المرور بأزقة القصبة التي شهدت ولادة هذا الفن الذي عرف وانتشر من مقاهيها و أزقتها التي تعبق المار بسحر الماضي و عظمة الفن والتاريخ، حيث تم التركيز على أن الأغنية الشعبية التي ولدت من رحم الحياة الشعبية البسيطة تطورت على يد عمالقة الفن في الجزائر كالكاردينال الحاج أمحمد العنقى الحاج مريزق و آخرون، عكس ما قيل عن تناول المخرجة بوزبية لموضوع تأثير اليهود على موسيقى الشعبي، فان ذلك لم يرد في العمل الذي تضمن شهادات أيضا لبعض الفنانين اليهود الذين كانوا يؤدون هذا الطابع الموسيقي و عددهم لا يتعدى خمسة أفراد، و هو ما أكدته قائلة : ''هناك 42 فنانا منهم 4 فقط من اليهود، تماما كما كان في السابق، فلم يكن هناك الكثير من مؤدي الأغنية الشعبية من اليهود وكان أكثرهم من المسلمين وهو حالة فرقتنا، فلا يجب أن نغير طبيعة الموضوع، لأن أهم ما فيه أنه الأحاسيس والمشاعر و المواقف الإنسانية، إذ أنه يتجاوز فكرة الانتماء و الطوائف، إنما يتحدث عن أناس حياتهم كانت صعبة بحكم الظروف التي عاشتها الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي لها، فهؤلاء لم يكونوا معروفين حينها و اليوم منحت لهم الحياة فرصة تحقيق هذا الحلم، و بالتالي الكلمة هنا عادت للمشاعر و حب الموسيقى لا غير''.
قوة العمل أيضا شكلتها شهادات هذه الشخصيات الفنية التي استطاعت أخذ المشاهد إلى أجواء هذا الفن وأيام زمان، كالهادي العقنى، أحمد البرناوي، روبرت كاستل و غيرهم... فقد عرفتهم بهذا الفن الأصيل الذي تأتى نتيجة تزاوج المديح والأندلسي هذا من جهة، و من جهة أخرى سعى للتذكير بجهود الكاردينال الحاج أمحمد العنقى في ترسيخ هذا الفن وكيف استعمل العنقى (مؤسس أول قسم بالكونسارفاتوار بالعاصمة و الذي درس بالمعهد البلدي منذ 1955) الفن في تمرير رسائل مشفرة أثناء الحقبة الاستعماريةّ، شأنه شأن العديد من الفنانين بما في ذلك فناني فرقة جبهة التحرير، وهنا كان مرور صافيناز من الحديث عن الفن إلى الثورة الجزائرية ذكيا، حيث أبرزت جهود مشايخ الشعبي آن ذاك ومشاركتهم في الثورة بطريقتهم الفنية، كما عادت إلى أبرز الأحداث  والمحطات التاريخية كمظاهرات الحادي عشر من ديسمبر واستقلال الجزائر و خروج فرنسا منهزمة، و بعودتها للحديث عن الأغنية الشعبية برصد للشهادات التي كانت تقدم على لسان أصحابها تلمس في كل مرة لدى هؤلاء حب الغناء والرغبة في اللقاء مجددا لأناس جسّدوا فكرة التعايش السلمي بعيدا عن أي خلفية سياسية أو دينية، وهي الفكرة التي دافع عنها ''روبرت كاستال'' نجل الفنان ليلي العباسي حينما قال أن الموسيقى لغة عالمية وهذا ما يهمنا، و بين الفينة والأخرى لا تسمع سوى كلمة أعشق الشعبي، سأبقى أعزف وأغني إلى آخر رمق في حياتي.
بعدها انتقلت ''صافيناز بوزبية'' لرصد تفاصيل اللقاء المنتظر بين الفنانين الموجودين بالجزائر وأصدقائهم الموجودين بباريس و مرسيليا أين تم استعادة أجمل الذكريات التي اكتملت بدخول هؤلاء لأضخم المسارح العالمية و الغناء معا أجمل الأغاني الشعبية تحت قيادة الهادي العنقى، وهنا وجب شرح أصل ومعنى كلمة القوسطو، إذ يقال أن القوسطو كلمة اسبانية الأصل و تعني المزاج و المتعة، حيث كان الحاج أمحمد العنقى - حسبهم - يحب أن يسمع من رفاقه، قبل أن يشرع في الغناء، عبارة '' الله يعطيك القوسطو '' أي الإلهام والإبداع، وذلك بدل عبارة ''وفقك الله''.
و ختام ''القوسطو'' كان بكلمة غير كل الكلمات التي رددها البرناوي ورفقاءه، عبارات كلها لوم و عتاب رفعها و بعث بها هؤلاء الفنانين الذين يعانون في الخفاء، التهميش في ظل غياب قانون يحميهم، يحفظ حقوقهم و يعترف بهم، فلم يطلبوا الكثير بل تمنوا تكريم أو إلتفاتة ما داموا على قيد الحياة، لأنهم أفنوا حياتهم للفن وليحيا الوطن، فهذه العبارات تغلبت عليها دموع رجال، مرهفي الإحساس من الداخل تغطيهم شجاعة الأبطال الذين أخلصوا لوطنهم، لموسيقاهم و لأصدقائهم و هي المشاهد التي تأثر كثيرا بها الجمهور.

مخرجة فيلم ''القوسطو'' صافيناز بوزبية

صافيناز بوزبية في سطور :

صفيناز بوسبية شابة جزائرية، والدها من وادي سوف والأم من سوق أهراس، درست في إيرلندا ماجستير في الهندسة، تعيش بين فرنسا وإيرلندا، اختارت أن يكون جواز سفرها جزائريا أخضر ووحيدا وليست لديها أية جنسية ثانية، بل رفضت أن تكون لها الجنسية غير الجزائرية، أمضت قرابة تسع سنوات رفقة فرقة القوسطو-التي كونتها- و هو ما مكنها من التعرف أكثر على موسيقى الشعبية من خلال حضورها للتدريبات والحفلات الموسيقية، و منحها فرصة التعريف بهذا اللون الموسيقي في الخارج، كما ستنتج قريبا الفرقة ثالث ألبوماتها، و تواصل جولتها الفنية عبر كل دول العالم.

قالوا عن '' القوسطو'' :

اعتبر المخرج السينمائي و رئيس جمعية لنا الشاشات ''سليم عقار'' أن وثائقي ''القوسطو'' من الناحية التقنية كان رائعا، فيه بحث مستمر وعمل جاد، و بذا يمكن القول أنه إنتاج وثائقي جيد للتعريف بالفن والثقافة وكذا تاريخ الجزائر لأنه تناول و تضمن أكثر من جانب، سعدت كثيرا بهذه الخطوة المثمرة، و في نفس الوقت تأسفت لشيء واحد كيف لم يتبن و لم يستلهم أي مخرج جزائري يعيش بالجزائر و يقصد القصبة ويردد أغاني مشايخ هذا الفن يوميا ولم ينجز موضوعا كهذا، فالجزائر بها عدد كبير من المخرجين، لماذا ننتظر إلى أن يأتي الجزائريون الذين يعيشون بالخارج لإنجاز أفلام كهذه، و بالتالي هذه نقطة تحسب للمخرجة الشابة صافيناز بوزبية التي اهتمت بالموضوع و قدمته بهذه الطريقة الجميلة وسعت للتعريف بهذا اللون الغنائي الذي ساهم في إثراء الثقافة الجزائرية، رغم تحفظات البعض على الطرح و الجانب الثقافي و السياسي للموضوع، لكن الأهم هو أن الفيلم صنعه أبطال حقيقيون أماطوا اللثام عن جوانب هامة للموسيقى الشعبية بتقديم شهاداتهم الحية، و صافيناز كان لها الحظ للحديث عنهم وجمعهم معا، أما فيما يتعلق بقضية اليهود و المسلمين فأظن أن ''القوسطو'' أعطى نظرة حقيقة و صورة جميلة للتعايش السلمي بين مختلف الطوائف التي كانت بالجزائر.
و من الشخصيات التي انتقدت العمل قبل مشاهدته و بعد عرضه الباحث الموسيقي و محافظ المهرجان الوطني للأغنية الشعبية ''عبد القادر بن دعماش'' الذي اعتبر أن الفيلم استعمل تاريخ الأغنية الشعبية لتمرير مغالطات تاريخية كبرى، و أضاف قائلا : '' سمعت عن الفيلم منذ أن فكرت المخرجة فيه، كما أنني شاهدت بعض اللقطات على الانترنيت، وبعد متابعتي للعرض اليوم تكونت لدي فكرة طيبة عن شيء واحد و المتمثل في طبيعة اللقاء الإنساني و المغامرة الحقيقة لهؤلاء الرجال، لكن الطرح التاريخي حاسم و لذا أنا جد متشائم لأن هناك تشويه لتاريخ الجزائر، فقد شاهدنا بعض الشهادات تقدم أشياء زائفة و سلبية عن مجتمعنا وعن الناس الذين أدوا هذا اللون الموسيقي، و من المغالطات التي تضمنها وثائقي ''القوسطو'' هو أن هذا الفن كان يسمى المديح الديني وهذا لم يرد إلا مرة واحدة على لسان نجل الفنان الراحل العنقى، و بالتالي لا يجب العبث بالتاريخ، ولذا كنت من الناس الذين تكلموا وانتقدوا الفيلم قبل مشاهدته ومصر على موقفي، أما فيما يخص قضية اليهود والمسلمين هو لقاء أحباب ليس إلا، صحيح أن اليهود عاشوا بالقصبة لكن كانوا قلة قليلة، ولا يمكن نفي وجود موسيقيين في الجوق الشعبي، لكن لا يمكن القول إنهم شاركوا أو أسهموا في الأغنية الشعبية، كونها موسيقى دينية في الأصل، وكل الذين غنوا الشعبي ''فيما بعد أصبح الشعبي مع الحاج العنقى'' هم مداحون أدوا أغاني في مدح الرسول عليه الصلاة و السلام، ولهذا بقي الفن الشعبي يحمل أبعادا و روحا دينية، ولم يحدث أن أسهم الفنانون اليهود في تطويره، لأنه في الأصل مديح ديني.
وفي مثل هذا المقام و لكي يقطع الشك باليقين في ظل التشكيك المتزايد في أغراض وخلفيات انجاز هذا الوثائقي وجبت إعادة مشاهدته عدة مرات و تدوين كل الملاحظات أو أي رسالة يجدها المتلقي مبهمة، مشفرة أو غير واضحة، فمن خلال ما تابعه المشاهد كعرض أول فإن المحتوى لا يتعدى حدود تقديم شهادات حية لفنانين قدامى بعضهم لا يزال بالجزائر العاصمة و قلة في باريس ومرسيليا، استحضروا ذكرياتهم بقسم العنقى وأمجاد القصبة السفلى، حيث كانت بكل مقهى فرقة موسيقية خاصة به.

قد ينال إعجابكم