نقد سينمائي

"فلسطين" وقع خاص!

ندى الأزهري- باريس
 مثلي كمثل كثيرين، لاسم "فلسطين" وقع خاص.  في فرنسا كذلك، "فلسطين" عنوان يثير اهتمام ولهفة عديد من الفرنسيين، ويكفي احيانا لجذب جمهور يدير وجهه في العادة عن السينما عامة وعن سينما الأطراف خاصة. حين توجهت إلى معهد العالم العربي في باريس لحضور فيلم وثائقي عن فلسطين وصلت كالعادة وأنا متأكدة من وجود أماكن مناسبة، فالقاعة المخصصة للعروض السينمائية واسعة وثمة مكان ملائم دائما. لكن المفاجأة كانت عند الوصول في امتلاء الأمكنة. فبدأ البحث والسؤال في "دهاليز" الأمكنة عن مكان "خال" قد يكون حجز لمن لم يأت بعد وربما لمن لن يأتي أبدا، وهي عادة (اي الحجز) اعترف بأنها تثير الغيظ... انتهى بي الأمر بايجاد مكان وانتهى  بآخرين بحضور الفيلم وقوفا أو جلوسا على الأرض.
المفاجأة الثانية كانت في الإعلان عن عدم حضور المخرج شخصيا للنقاش مع الجمهور بعد الفيلم. بالطبع، فكيف له أن يحضر وهو "نزيل" سجن عراقي؟ بدأت الأمور تتضح عند تقديم الفيلم، فنادر دندون مخرج" فلسطين" وهو فرنسي من أصل جزائري، ذهب إلى العراق منذ أكثر من أسبوعين بتأشيرة صحفية كصحفي مكلف من جريدة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية، لكنه احتجز هناك واتهم بتصوير اماكن حساسة، كمركز الاستخبارات وحواجز للأمن والجيش... ولكن بما ان فيلمه كان مبرمجا في معهد العالم العربي منذ اشهر، فقد حافظوا على العرض وأجريت الندوة بوجود مشاركين في الفيلم وأصدقاء له شكلوا لجنة للتضامن معه و يقومون بحملة للتعريف بقضيته ولإطلاق سراحه.

نادر دندون صحفي و ناشط ملتزم و كان توجه عام 2003 للعراق كدرع بشري لمنع الحرب التي كانت تحضر آنذاك، كما أنه كتب كتابا عنونه "رسالة مفتوحة من ابن مهاجر" رد فيه على سياسات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.
لم يكن لفيلم "فلسطين" أن يكون فيلما، فثمة جمعية في فرنسا تقوم بتنظيم رحلات للتعريف بالقضية الفلسطينية وتصحب المهتمين في جولة على الأراضي المحتلة و إسرائيل وتجري بوجودهم لقاءات مع سياسيين من الطرفين، لاسيما مع إسرائيليين متضامنين مع الشعب الفلسطيني. في إحدى هذه الرحلات، كما شرح أحد المنظمين والمشاركين في الندوة، اقترحت إحداهن دعوة " روث" وهي صديقة لها فرنسية يهودية هاجرت إلى إسرائيل، لمرافقتهم في الرحلة المغامرة. لم تكن "روث" تكن قد نالت بعد الجنسية الإسرائيلية، أمر يسمح لها ما هو ممنوع على الإسرائيليين أي التجول بحرية وإمكانية زيارة الأراضي الفلسطينية. من هنا جاءت فكرة الفيلم، فوجود " طرف آخر" سيغير مسيرة الرحلة وسيسمح بالتعرف على وجهة النظر الأخرى اي الإسرائيلية بما تشاهده وتتعرف عليه وجها لوجه للمرة الأولى.
الفكرة مثيرة حقا. فكيف يرى إسرائيلي نتائج ما ارتكبته إن لم تكن يداه فسياسات بلده؟ قد تكون الإجابة واضحة لعربي لكن ليس لغربي.
إذا انطلق الفيلم من هذه الفكرة، وزارت المجموعة الفرنسية، وقسم لا بأس به منها من أصول مغاربية، غزة والضفة الغربية والقدس والبحر الميت برفقة "روث". وكانت رحلة "قاسية" لها فهي وحدها ليس فقط في مجابهة الواقع الفج للفلسطينيين  ولكن ايضا في مواجهة اسئلة المجموعة. وعلى ايقاع اللقاءات مع مسؤولين من حماس ومن دعاة سلام إسرائيليين، ومواجهة أفراد المجموعة أنفسهم  للإجراءات الإسرائيلية في المطار وعلى الحواجز، وحوارهم مع الفلسطينيين ورؤيتهم بأم العين معاناتهم، تعرفت المجموعة على اليومي المعاش من قبل الفلسطيينين، من وقوف على الحواجز ومن تهميش وعزل يفرضه الجدار والأسلاك الشائكة وأيضا أماكن في بلدهم ممنوعة عليهم... بيوتهم مثلا! كهذه الفلسطينية في الخليل التي كانت تعتصم يوميا أمام بيتها الذي طردت منه ليسكنه مستوطنون ، وعلى نحو أقل مأساوية هؤلاء الفلسطنيين الشباب الذين ردوا على أعقابهم ومنعوا من السباحة في البحر الميت بسبب هويتهم الفلسطينية... وعلى النقيض،  شهدت المجموعة الرفاهية التي يعيش فيها الإسرائيليون في تل ابيب وفي المستوطنات، والاهم من ذلك سلوكهم الذي لا يعبأ بمعاناة الآخر وربما لا يعرفها أو بالأحرى لا يريد التعرف عليها. واقع  سمح لكل واحد بتشكيل مفهومه الخاص حول القضية وفرض "الانحياز" على بعض أفراد المجموعة، فبدأت النقاشات(العقيمة؟) وخاصة ضد من تحلى بسوء نية واضح في إدراك هذا الواقع العبثي أي " روث".  فقد كان "لروث" نظرة مغايرة...كان لافتا للانتباه و(متوقعا) محاولاتها الدائمة لتبرير ما يجري وما يقوم به الجيش الإسرائيلي. وكان النقاش مع بعض لأفراد المجموعة يتحول صراخا أحيانا لعدم قدرتها على رؤية ما يرون. لكنه نقاش سمح بسماع مختلف وجهات النظر، وإن اقتصرت في الواقع على بعض أفراد المجموعة في مواجهة روث. ربما كان على الفيلم أن يذهب أبعد، وأن يتيح نقاشا أعمق وأكثر شمولا وهو ما افتقده المشاهد بعض الشيء،  فصحيح أنه اعتمد على الصورة وهي أحيانا أكثر تعبيرا من أي حوار إنما كانت هذه الصورة في بعض الأحيان غير كافية لمشاهد لا يدرك تماما "متاهات" الوضع، لكنه بالتأكيد لن يخرج غير مباليا بما شهد.

قد ينال إعجابكم