نقد سينمائي

الدورة 15 لمهرجان تسالونيكي للأفلام الوثائقية

تستذكر حلو ذكرياتها وتحتفي بالتشيلي غوزمان

تسالونيكي ـ قيس قاسم

"تنظيم "رحلة باهرة" لأهم ما عرضه المهرجان من أفلام وثائقية خلال خمسة عشر عاماً هي أفضل طريقة للإحتفال بالمناسبة، لأنه من المستحيل ايجاز كل الذكريات الجميلة التي صاحبت المسيرة في برنامج واحدة، كما ظهر أمامنا ونحن نراجع شريط ذكرياتنا منذ انطلاق المهرجان حتى اللحظة. فخلالها حدثت الكثير والكثير من الأشياء الحلوة، كما يقول رئيسه ديمتري ايبيدس، وتركت أثرها في نفوسنا وتستحق دون شك الذكر والاستعادة. ولكن كيف يمكن الحديث عنها كلها؟ كيف يمكن سرد تلك العلاقات الانسانية التي تكونت بين العاملين فيه، كم من اللحظات النادرة تركها حضور "معلمين كبار" وبقيت محاضراتهم وأحاديثهم عالقة طويلاً في ذاكرة الجمهور، وآخرى فيها ما يشجع على التقديم دون تردد، وكم وكم من الأفلام التي نحتاج لإعادة عرضها اليوم؟ حتى هذا الخيار الأخير وجدناه مستحيل التلبية ولكننا رأيناه الأنسب في حدود المكان والمساحة الزمنية الممكن استقطاعها من الدورة. حاولنا اختيار أفلاماً بعينها، خلقت نقاشا مفعما بالحيوية لصلتها بحياتنا اليومية وثانية أعطت بمضامينها واسلوب انجازها جزءا من شخصية المهرجان على مستوى موقفه الفكري وخياراته الفنية، أو تلك التي حفزت فينا تفكيراً بما يعني أن يكون الفيلم وثائقياً؟" يقينا لن تكفي زهاء أربعين فيلماً لتوصيل كل الذي أراده منها منظمو "الرحلة الباهرة" ولكنهم سيوفرون لجمهورهم  فرصة نادرة لمشاهدة "درر" وثائقية من بينها على سبيل الذكر، الأمريكي "أي الطرق نختار" للمخرجة ربيكا كاميزا والدنمركي السويدي المشترك "الابتسامة في منطقة الحرب ـ وفن الطيران فوق كابول" و"نستالوجيا الضوء" تحفة التشيلي باتريسيو غوزمان، الذي تحتفي به الدورة الحالية، كونه واحداً من أهم مخرجي الأفلام الوثائقية ومديراً لمهرجان سانتياغو للأفلام الوثائقية والحائز على عشرات الجوائز العالمية لأفلام تميزت بعمق موضوعاتها، وأغلبيتها سياسية، اشتغلها بإسلوبه الخاص الخارج عن النمطية الى محاولة المزج بين الجمالية والعمق الفلسفي وغزارة المادة التسجيلية.

 ونجد كل هذا جلياً في "نستالوجيا الضوء" الذي تناول قضية ضحايا الفاشية من منظور تاريخي وبعدين فلسفي وفيزياوي وذهب فيه لبحث العلاقة بين التاريخ البشري لسكان صحراء أتاكاما الأوائل وبين علم الفلك. ففي هذة المنطقة، بنى الألمان واحداً من أكبر المراصد الفلكية في العالم. من هناك، يحصلون على رؤية ذات صفاء مذهل، يرى الانسان الجالس خلف مناظير المراصيد تلك صوراً غريبة عن المجرات والكواكب التي تحيطنا. والتعليق المصاحب للصورة المسجلة بكاميرا "ساحرة" ربط بين العلم والفلك من جهة والفلسفة من جهة ثانية، وكيف ان هذا العلم الذي يبدو علماً مستقبلياً، قُدم بهذة العدسات على انه علم فيه قرب شديد بل يكاد ان يكون علما "تنقيبياً" في الماضي البشري كما الأنثروبولجي. علاقات كان يريد عبرها البحث في معنى أو مفهوم الإبادة البشرية وتناقضها مع الماضي والمستقبل. فالمجازر لا تقتل البشر فقط بل تسعى الى محو ذاكرة الناس حتى يظلوا عالقين في فراغ، يشبه فراغ الكون السرمدي وصحراء أتاكاما. وعن مجازر الجنرال "بينوشيت" أنجز ثلاثيته المشهورة "معركة شيلي" كبحث بصري، زادت مدته عن أربعة ساعات، في تاريخ ثورة الشعب التشيلي بقيادة الزعيم الليندي وكيف تعاملت عوامل خارجية كثيرة من أجل افشالها الى جانب العوامل الداخلية التي يمضي عميقاً في عرضها برؤية تستند الى فلسفة التاريخ كما حاول في عمله السابق عام 1974 "سلفادور الليندي" متجاوزاً القراءة السطحية الى الأعمق في فهم الرجل بعلاقته مع الشعب وكيف رأى، حتى في نهايته، بداية لتاريخ جديد ما بعد الفاشية. المؤسف أن ثمة أخبار تقول أن غوزمان وبسبب صحي قد يتعتذر عن حضور الاحتفالية وما نظمت له فيها من محاضرات ومقابلات مع الجمهور ومؤتمرات للصحفيين.
سوق الوثائقي الذي أفتتح منذ عام 1999 بالتعاون مع "تلفزيون اليونان الشعبي" وبدعم من مساهمين عالميين يشرع أبوابه هذا العام أيضاً أمام مشاريع منجزة أو آخرى قيد الانجاز يساعد عرضها خلال الدورة على امكانية حصول أصحابها على دعم اضافي وتُسهل في ذات الوقت مهمة توزيعها والترويج لها لاحقاً. سيعرض منها حوالي خمسمئة فيلم في قاعة الفيديو التي يمكن للصحفيين مشاهد الكثير منها، خاصة وأن بعضها أدرج ضمن عروض الدورة الحالية التي بدأت، في الخامس عشر من هذا الشهر وتنتهي في الرابع والعشرين منه، كما سيخصص السوق ثلاثة أيام  لل"ملتقى الخطابي" وفيه يتحدث كل مشترك عن مشروعه المقدم لمدة ثلاثين دقيقة بما يكفي لنقل جزء من خبرته العملية الى مستمعيه وعرض أفكاره أمامهم.


التشيلي باتريسيو غوزمان

قد يكون البرنامج اليوناني الأكبر بين الدورات لتضمنه 58 فيلماً بين قصير وطويل عدد منها أُدرج في خانات عالمية ثانية يتناول الكثير منها المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد، دون أن ينسى بعضها جوانب أكثر تأصلاً بالانسان وعلاقته بالبيئة وبحثه الدائم عما هو ممتع ومؤثر في الحياة نفسها كما هي الأفلام المدرجة في خانتيّ "الموسيقى والرقص" و"تسجيلات الذاكرة".
على عكس المشاركة المحلية الدورة 15 هي الأقل على المستوى العربي بإستثاء عروض السوق، اللافت اختيار الناقد المصري ياقوت الديب لعضوية لجنة تحكيم جائزة اتحاد النقاد العالمي "فبريسي" برئاسة الكندي بيتر ونتونيكي، أما الأفلام التي تمس عالمنا العربي فهي كثيرة من بينها، "عودة الى التحرير" للكندي بيتر لوم الذي يعود الى الساحة ليسجل نظرة الناس الى المتغيرات التي أعقبت انطلاق الثورة من وسطها الى اللحظة الراهنة حيث النتائج أخذت اتجاهاً مختلفاً والى جانبه فيلم الايطالي أندريه باكو مارياني "وطن الغد" عن الحياة اليومية لقرية فلسطينية قرب الخليل ووثائقي الاسرائيلية اريت غال "ليلة بيضاء" حول مجموعة نساء فلسطينيات يزحفن ليلة بعد آخرى  ليفتحن ثغرة في الجدار العازل في محاولة للوصول الى الجهة الثانية منه وكسر الحصار الجائز ضدهن. أما "الوضع الأول" للأمريكية بيس كارغمان فأختير كفيلم أفتتاح، وينتظر كما حدث قبل سنتين ادهاش مشاهديه مجدداً لغوره عميقاً في تفاصيل حياة راقصي البالية وتقديمه عالماً مختلفاً عما نعرفه عنهم.. عن بعد.       

  

قد ينال إعجابكم