نقد سينمائي

الوثائقي يتيم على مأدبة الصالات..

إن إشكالية العلاقة بين الفيلم الوثائقي وصالة السينما ليست مجرد إشكالية تجارية تبحث في رواج الوثائقي مثلما يروّج الروائي. إنها إشكالية ثقافية ونقدية ومؤسساتية متعددة الأبعاد. ولأنها كذلك فإن كل طرف له علاقة بها يجيب من وجهة نظره ويحمّل مسؤولية عزوف الصالات عن عرض الوثائقيات. المخرج والمنج يحمّلان المسؤولية للموزع، والموزع يحمّل المسؤولية للمبدع وللمؤسسة التي على رأسها الدولة ، والناقد يحمّل المسؤولية للجميع والجميع يتفقون على تحميل جزء من المسؤولية للجمهور.. ويتفرق دم الوثائقي بين القبائل السينمائية والنقدية.
نحاول في هذا العدد أن نسلط الضوء على هذه الإشكالية العويصة والمزمنة خاصة في العالم العربي. ولأن السينما تتحدث بلغة عالمية وتصنع طقوسا كونية لكل من يهتم بها، فإن طقس الذهاب إلى السينما واقتناء تذكرة لمشاهدة فيلم، وتحديدا فيلما وثائقيا، يمكن أن يكون مقياسا لعدة أمور تتجاوز السينما كفن، لتشمل الثقافة كاستراتيجية للنهوض بالمجتمع. بالتالي فإن غياب الفيلم الوثائقي عن العادات السينمائية في الصالات العربية هو في نهاية الأمر سؤال لإعادة النظر في الثقافة العربية المعاصرة بأكملها.
خصصنا في هذا العدد ملفا من جزئين الأول ساءل المعنيين بشكل مباشر. وهم الموزعون وأيضا النقاد ليشرحوا لنا جوانب هذا الإشكال. وفي الجزء الثاني تركنا المجال لأصحاب الشأن الأول وهم المخرجون والمنتجون. وفي انتظار دراسة شاملة وموسعة تستقصي أراء الجمهور طرح الملف بجزئيه، أغلب العناصر والأسباب الممكنة لغياب هذا النوع السينمائي عن الصالة وابتعاد الجمهور عنه. ولم يفتنا في الملف أن لا نكتفي بمجرد وصف المشكل للحديث عن مقترحات الحلول.
تضمّن العدد أيضا مقالا للناقد المغربي أحمد بوغابة الذي انطلق من الحالة المغربية ماضيا وحاضرا ليفكك سؤال الغياب ويعتبر أن كثيرا من الأطراف ساهمت في غياب الوثائقي عن الجمهور. وإلا كيف لأفلام وثائقية تنال جوائز وطنية وعالمية ويحضرها جمهور المهرجانات بشتى أطيافه، كيف لها أن تعجز على ولوج صالة المدينة. ونفس جمهور المدينة كانوا بالأمس جمهور المهرجان.
أما المخرج الوثائقي محمد بلحاج فتحدث في حوار معمق معه على مسائل أخرى اشترك في بعضها مع المخرجين وتفرد في التدقيق في مسائل أخرى تكون خافية عن الكثيرين. أهمها مسألة الإنتاج والتوزيع والعلاقة التي يجب أن تغلب عليها الكثير من العقلانية والبراغماتية. فمن ناحية الإنتاج يعتبر بلحاج أن أغلب المنتجين هم منتجون منفذون فتجده مخرجا ومنتجا. في حين في الغرب تجد المنتج الذي يختار الموضوع ويختار مخرجا ويطوران الفكرة على مدى طويل إلى أن تنضج ثم يقوم المنتج بدوره الأساسي وهو البحث عن التمويل ومتابعة كل المراحل الإنتاجية فيما يهتم المخرج بالعمل الفني فيخرج وثائقيا مميزا. ويتساءل لماذا لا نجد معاهد سينمائية عربية متخصصة في الوثائقي ؟ أما مسألة التوزيع فيرى بلحاج أنه لا يمكن للموزع أن يوزع فيلما وثائقيا وهو يضع الخسارة والربح بين عينيه لذلك على الدولة والمؤسسات والمهرجانات أن تدخل طرفا مع الموزع وتدعمه ماديا وإعلاميا في توزيع الأفلام الوثائقي بذلك نحصل بالتدريج على نوع من الموزعين الذين يساهمون في نشر الوثائقي في الصالات ويساعدون على تغيير النظرة الدونية لهذا الجنس السينمائي.  من زاويته قدم المخرج اللبناني بلال خريس ورقة اعتبرها مشروعا لحل هذا الإشكال من جوانبه المختلفة الإبداعية والمالية والإنتاجية.
تلتقي مواد هذا العدد كلها حول كلمة سحرية هي كلمة مفتاح لنجاح الوثائقي كي يكون إحدى وجبات جمهور الصالات، هي كلمة "إمتاع" حيث يجمع الجميع أن الوثائقي الذي يطرح على نفسه ولوج الصالات يجب أن يضع في حسبانه خاصية جمهور الصالة سواء من حيث المواضيع التي يفضلها أو الأشكال افنية أو التكنولوجيا المعتمدة. وهذا الجمهور يختلف جزئيا أو كليا عن جمهور التلفزيون لذلك على الفيلم الوثائقي الموجه للصالة أن يطلّق نموذج جمهور الشاشة الذي يستلقي في بيته ملكا يحول القنوات كما يريد. ويستوعب جمهورا جديدا يذهب بقدميه إلى شباك التذاكر ليقتني تذكرة لمشاهدة فيلم وثائقي.

قد ينال إعجابكم