نقد سينمائي

الفلم الوثائقي المغربي وسوأة النساء

 
زبيدة  الخواتري

إن الفلم الوثائقي كجنس سينمائي او تلفزي، يستحق من كل المهتمين بالحقل السينمائي المغربي والعربي  ان يولوه اهمية كبيرة ،نظرا لاسهامه في توثيق الاحداث التاريخية او العلمية او الطبيعية... ولن تتحقق هذه الطفرة التقدمية اذا لم يلتزم صناع الفلم الوثائقي المغربي بالحيادية والموضوعية وذلك بالاعتماد في اخراج اي عمل توثيقي تصويري على ابحاث و وثائق موثوقة المصدر، لان الفلم الوثائقي هو  نافذة ووسيلة تعبيرية من خلالها  نعرف حقيقة الواقع دون تزييف، لان المصداقية في الافلام الوثائقية تحتاج الى بحث كبير ومحترف في المواضيع التي يمكن مقاربتها عبر الشاشة ، لان اي انزياح عن الحقيقة سيسقط صانع الفلم في الاستهثار.
_ اولا بالمتلقي .
_ ثانيا بتزوير او تشويه الحقائق.
 وما يمكن ان تخلقه هذه الامور من كاريثية ابداعية قد تكون لها تبعات سلبية اما على المدى البعيد او الاني .

أما فيما يخص الفلم الوثائقي المغربي  فلازال  يخطو خطواته الاولى  باحثا له عن مكانته داخل الساحتين العربية والعالمية لكن بعض الاستراتيجيات المعتمدة في المغرب لازالت لم ترق الى مستوى التطلعات خصوصا وان المشهد السينمائي المغربي يعرف تظاهرتين من حجم المهرجانيين المتخصصين في الفيلم الوثائقي  مهرجان اغادير ومهرجان خريبكة اللذين فتحا الطريق أمام المشروع السينمائي الوثائقي للاستفاذة من الدعم المخصص للسينما على غرار الافلام الروائية لكن تبقى هذه الامور مجرد وعود ما لم تنزل حيز الوجود لان السينما الوثائقية تحتاج الى امكانيات ضخمة لانجاح اي عمل فني مميز فالامور  تقنيا  تختلف عن الفلم الروائي  لكنها في بعض المرات قد تحتاج الى ميزانية و ربما قد تضاهي ميزانية الفلم الروائي خصوصا اذا كان  يستعين ببعض المشاهدين  لتوثيق بعض الوقائع التاريخية من اجل الزيادة في جادبية الفيلم لكن هناك افلام لها  ميزانيات محدودة تبعا لارسالية الموضوع المشغل عليه  علاوة على أن الأفلام الوثائقية إما أن تعتمد  مستوى أعلى يكون فيه صانع الفيلم قادرا على الخلق والتحليل الالتزم بكل القواعد الخاصة بالفيلم الوثائقي او ان يعتمد على التقارير كالأفلام التعليمية والربورطاجات… وبهنا يتحرر المخرج من قواعد جمة و التي قد يعتمدها الفيلم الوثائقي  وبناءا على هذين المستويين الفنيين يمكن لصانع الفيلم أن يضع اخر اللامسات من اجل بناء سينمائي احترافي مستوف  لكل الشروط التي تؤهله ليصبح ذا قيمة فنية عالية  لان الصورة   تقول ما لا يقوله الخطاب، و في الفيلم الوثائقي تختزل معاني وحقائق توثق للواقع بكل تلا وينه وتحتاج في ذلك إلى جمع المعلومات كمرحلة أولى لهندسة الفيلم الوثائقي   فهذه المرحلة بالذات تحتاج من صانع الفيلم وضع صورة عامة عن العمل وعن الفئة المستهدفة وكذا الهدف من هذا العمل فيكتب السيناريو لحفر أساس البناء الفني، واخرجه إلى حيز الوجود بجودة عالية تخول له منافسة حتى الأفلام الروائية.
 ونحن نستحضر هذا البعد الفني، يتبادر إلى ذهننا احد الأفلام التسجيلية  المعنون بنساء بلا هوية
والذي عرض مؤخرا في مهرجان طنجة لهذه السنة في دورته 14 حيث خلق نوعا من الانبهار والإعجاب لدى الجمهور والنقاد لان فكرة الفلم تعالج احدى الطابوهات في المجتمع وقد تم سرد  القصة  من الواقع بأسلوب تسجيلي يظل فيه المخرج بعيدا عن الأحداث والتفاصيل، هذا الفلم اعتمد في سرد قصته على حياة واقعية    تتبعت مسار الشخوص بدون إثارة مجانية ففلم نساء بدون هوية لمخرجه محمد العبودي  يحكي قصة حياة   هند ، الفتاة ا لمغتصبة والمطرودة من بيت والديها في سن الرابعة عشر،  لتصبح راقصة في ملهى ليلي وبائعة هوى، فهي اذن بدون بطاقة هوية لعدم توفرها على شهادة الميلاد.

، وتعيش هند حياة صعبة وقاسية رفقة رجل مدمن على السكر في بيت متواضع وحقير، لا يتوفر حتى على أبسط مقومات السكن اللائق و الإنساني.  وقد نتج عن هذه العلاقة غير الشرعية  طفل، بعد أن سبق لها إنجاب طفلين من رجلين آخرين، واحد يعيش تحت كنف أبيه، والآخر تخلت عنه لصديقتها  لرعايته  فمن خلال هذا الفلم استطاع الجمهور أن يشاهد  ملامسا الحس الإنساني و الوجداني من خلال هذه القصة الواقعية  والتي لا تعد  إلا واحدة  من القصص الكثيرة  المتشابهة لنساء الهامش او المغرب غير النافع على حد تعبير الماريشال ليوطي  نساء ارتكبن حماقات إما بإرادتهن أو أجبرن على ذلك، والسير في مسار لم  يتوقعن التواجد فيه، الفلم عالج بدقة هذا الواقع واستطاع أن ينفض الغبار عن المسكوت عنه .
 ومن خلال هذا الفلم نستطيع أن نقول بانه سبر الواقع سبرا عينيا وبميزات مختلفة يمكنها أن تصل بالواقعية    إلى لمس الوجدان والكيان الإنساني، لأنها تنطق وتتكلم بلسان الواقع و التاريخ .
سجل الفلم  طبعا كل التلاوين الفنية والحسية التي يمكنها أن تأسر قلوب الجماهير فهو إن اعتمد على هندسة قوية  واختيار جيد للموضوع فانه حتما سيصل إلى قلوب الجماهير قبل أن يحصل على جوائز المهرجانات .
أتمنى صادقة أن يستيقظ المخرجون المغاربة  من نمطية النصوص السينمائية المستهلكة والسيناريوهات المصكوكة، ويحاولوا العمل على بناء أفلام أكثر واقعية ترسل إشارات إنسانية وحضارية وفنية نبيلة عبر الفلم الوثائقي الذي يعتبر احد اهم الركائز القوية للخطاب الاعلامي الهادف والتغيير الايجابي  و التطور والحضارة .
 لهذا أصبح من الضروري اليوم في المغرب المعاصر النهوض بهذا اللون السينمائي الرائع لأنه يعكس صورتنا ووجودنا  في كل اصقاع العالم  ومن بين الدول التي استطاعت أن تطور هذه المادة السينمائية الدسمة لتحصل على مكاسب مهمة   ليس سينمائيا فقط   بل وحضاريا لأنها بذلك تؤسس لبوثقةا لأحداث التاريخية والفنية والرياضية والسياسية والثقافية والعلمية...محافظة على الذاكرة والهوية  والموروث الحضاري للإنسانية بشكل عام إن الفيلم الوثائقي هو ذاكرة تتحدث عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا فهو يلازمنا كظلنا ولا محيد عنه لأنه يكتبنا صورة ناطقة في كل المشاهد في عصر حضارة الصورة وزمن الانترنيت لذا وجب علينا النهوض بهذا اللون السينمائي الحضاري في  المغرب وكل الوطن العربي.

قد ينال إعجابكم